الأحد، 20 مايو، 2012

الشعب يختار الرئيس - التصويت لمن ؟؟؟


التصويت لمَنْ ؟؟؟

                  د جورج عوض


تنتابنا  ، في هذه الأيام ، الحيرة والإرتباك بشأن التصويت في إنتخابات الرئاسة . والسؤال الذي يطرحه الكثيرون : مَنْ هو المرشح الذي نختاره ؟

 كان النظام السابق يقوم بالنيابة عنا في عملية التصويت ويريحنا من عناء الإختيار . أما الآن ونحن نمارس حرية الإختيار نجد أنفسنا في حيره وتخبط باحثين عن أي أحد أو أي مؤسسة تُملي علينا المرشح الذي علينا ان نختاره . الأمر الذي يشير إلى محاولاتنا  للهروب من الحرية وعدم تحمل مسئولية الإختيار مثل أطفال الحضانة الذين يصرخون بكاءً من ترك والديهم لهم بعيداً عن أعينهم . ونحن فعلاً في كي جي 1 ديمقراطية نحاول ممارستها لكننا نريد إلقاء مسئولية ممارستها على الغير متناسين ان الذي يريد تعلم العوم لا بد ان يمارس العوم هو نفسه وليس غيره . لو أردت أن تمارس الديمقراطية عليك ان تتحمل مسئولية الحرية ولا تخاف منها ، علينا ان ندرس ونسترشد بالآخرين ونفكر جيداً ثم نختار بأنفسنا بلا أدنى تردد مَنْ نراه جديراً بهذه المرحلة . لكن دعنا نتذكر بعض الأمور الأساسية منعاً للنسيان أو التناسي :

أولاً : قامت في مصر ثورة من أنبل الثورات في العالم ، ثورة على الظلم والإستبداد ، على ثقافة وقيم الأستهلاك ، على ثقافة الإنحراف الإجتماعي والأقتصادي والأخلاقي . لذلك كان شعار الثورة هو " التغيير والحرية والعدالة الإجتماعية " . وهذا لا يتحقق إلا بالتغيير السياسي الشامل . وقد نجحت الثورة في الإطاحة بالنظام السابق الرئاسي .

ثانياً : ظنت الأغلبية أن الثورة سوف تجني ثمارها المرجوة  فور الإطاحة بالرأس متناسية أن التغيير المنشود ليس تغيير في الوجوه بل تغيير في عمق تفكيرنا وأولوياتنا وإختياراتنا ، لذا ما أُ نجز  كان قليلاً : الإستفتاء على إعلان دستوري  وإنتخابات برلمانية وها نحن على وشك الدخول في التصويت على إنتخابات الرئاسة ، وتخلل هذه الإنجازات صراعات مريرة وشد وجذب وكر وفر بين والقوى والأحزاب  وبين المؤسسة التي تدير البلاد وسقط مئات الشهداء من أجل أن تستمر الثورة في مسيرتها ، وعانى شعبنا الأمرين من تدني مستوى المعيشة وعدم توفر الأمان وأنتشار البلطجة والسلب والنهب والتعدي على المستشفيات والهيئات الحكومية  وإنقطاع وسائل المواصلات  ونقص الغاز والبنزين وتصرفات التيار الديني وإنشغالاته البعيدة عن القضايا الأساسية وتوظيف الدين لخدمة السياسة . والخلاصة  هي انتشار الفوضى التي وعدنا بها الرئيس المخلوع .

ثالثاً : الخطأ كل الخطأ هو ان نلقي مسئولية ما حدث لبلادنا بعد الثورة لطرف ثالث مجهول ليس منا ، وبالتالي إختزال كل ما حدث في الطرف الثالث . المسئولية تقع على جميعنا حين إعتقدنا ان التغيير يجب ان يطال أفراد النظام السابق ، أو حين أعتقدنا ان مجرد تغيير الوجوه هو إنجاز عظيم يضمن لنا سلامة الثورة . الثورة  يجب ان تغير طريقة تفكيرنا وحياتنا وسلوكياتنا لتليق بالأنفس الطاهرة التي سفكت دمائها من أجل العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

رابعاً : التطبيق العملي للثورة يجب ان يظهر في حياتنا وسلوكياتنا اليومية : لللأسف ما زلنا نكسر إشارات المرور ونبني على الأراضي الزراعية ونعلي بناياتنا بطريقة مخالفه ونعطي دروس خصوصيه بنفس طريقة ما قبل الثورة ، أيضاً إنتهاز فرصة الضعف الأمني في أعمال الخطف والنهب والبلطجه وغيره من الأعمال المشينة ، إزداد التكالب على المادة والمصلحة الفردية والأنانية .....الخ

خامساً : يجب ان نعترف ان القوى الثورية لم تستغل فترة الحوار الذي كان متاح بينها وبين المجلس العسكري لأنها إشتركت في حوارات مع المجلس بمكابره ثورية حولت الحوار إلى إملاءات غير مقبولة ، والنتيجة كما نرى عُزلة شبه تامة بينها وبين أصحاب اليد العليا في إدارة شئون الدولة ، وترك الساحة للتيار الديني ليعقد حوارات مصلحية جنى منها بمفرده معظم ثمار الثورة .

سادساً : يجب الأعتراف أيضاً بأن الأحداث التي مرت بها البلاد على المستوى الثوري من سقوط شهداء على أيدي مجهولين بلغة القانون ، وعلى المستوى الأقتصادي من كساد وتدهور ، وعلى المستوى الإجتماعي من غياب الأمن وانتشار البلطجة وقلة الغاز والبنزين ووسائل المواصلات وحرائق هنا وهناك ، كل هذه الأحداث أجبرت قطاع من شعبنا أن يتحسر على أيام النظام السابق وفُتح  الطريق لأثنين من المحسوبين على النظام السابق بأن يترشحا إعتماداً على هذا القطاع  الذي كل أمله هو أن ترجع أيام النظام السابق .

سابعاً : أياً كان النظام القادم :  رئاسي أو برلماني ، الرئيس القادم لن تكون في يديه عصا سحريه يصنع بها المعجزات حتى لو كان متديناً ، الخلاص سوف يأتي من تآزر كل قوى الشعب مع الرئيس ، مضى زمن الرئيس الفرد والزعيم والقائد والمبجل والممسك بكل الخيوط .

ثامناً : الإجابة على سؤال : التصويت لمَنْ ؟ لا أستطيع أن أملي عليك مرشح بعينه ، لكن لو أردت ان تستمر الثورة في مسيرتها ، أمامك طريقين :

 الأول : أن تختار مرشح من التيار المدني الثوري مثل حمدين صباحي

الثاني : أن تختار مرشح من التيار الديني الثوري مثل د عبد المنعم أبو الفتوح

أما لو كان حلمك مجرد الرجوع إلى ما قبل الثورة مع تحسن ولو غير جذري ، أمامك طريق واحد هو ان تختار إما الفريق أحمد شفيق أو عمرو موسى

إذن لا تحتار وإحسم أنت  موقفك ، هل أنت مع إستمرارية هذه الثورة أم أنت مع الإكتفاء بما أحدثته هذه الثورة  ، وتتمنى رجوع مُحّسن لأيام النظام السابق  ؟ .

قد يكون هذا التحليل خاطيء لكن يكفي ان نفكر معا وليكن القرار الذي يتخذه كل واحد منا هو قرار حُر وشخصي ، " وكُن رجلاً ولا تتبع خُطواتي " كما قال أحد الفلاسفة .

الاثنين، 14 مايو، 2012

القديس أثناسيوس في مواجهة تشكيك الآريوسيين في ألوهية الإبن


          القديس أثناسيوس في مواجهة  تشكيك الآريوسيين في ألوهية الإبن - د جورج عوض

                                                           

 إن تفسير القديس أثناسيوس للكتاب المقدس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجهاده ضد الآريوسية. ومقالاته ضد الآريوسيين تمدنا بأمثلة عديدة لكيفية تفسيره  للكتاب المقدس، وكيف يطبق هذا التفسير ليرّد على تعاليم الآريوسيين الهرطوقية. إننا نجده حين يشرح آيات من الأناجيل عن التجسد، يستعرض اعتراضات الآريوسيين الشائعة: " لو كان الابن ابنًا بالطبيعة، لما كان في احتياج أن يأخذ، بل كل شئ يكون له بالطبيعة كابن، وكيف يكون هو القوة الطبيعية والحقيقية للآب وهو في وقت الآلام قال " ... الآن نفسي قد اضطربت... " (يو27:12ـ28).

 لو كان هو القوة لما كان قد ضَعُف، بل لكان قد أعطى قوة لآخرين ... لو كان هو حكمة الآب الحقيقية والذاتية، فلماذا كُتب عنه: "
 الآن نفسي قد اضطربت وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو52:2).

وبالمثل عندما جاء إلى نواحي قيصيرية فيلبس سأل التلاميذ :

"ماذا يقول الناس إني أنا " (مت13:16).

وأيضًا حينما جاء إلى بيت عنيا سأل عن لعازر "  أين دُفن  " (انظر يو18:11).

وأيضًا قال لتلاميذه "  كم رغيفًا عندكم  " (مر38:6) ...

 كيف إذًا يكون هو الحكمة وهو ينمو في الحكمة، وكان يجهل الأمور التي كان يسأل عنها الآخرين؟ ...

كيف يمكن وهو الله، أن يصير إنسانًا؟ ... كيف يمكن لمَن لا جسد له أن يلبس جسدًا؟ ...

 كيف يمكن أن الذي ينام ويبكي ويطلب أن يعرف كإنسان، يكون هو الكلمة أو هو الله؟ [1].



   إن رد القديس أثناسيوس على هذه الأسئلة وغيرها قد تركز على العلاقة بين لاهوت المسيح وناسوته. وهو مقتنع تمامًا أن الكتاب المقدس يحتوي على تقرير مزدوج للملخّص: [ والآن فإن هدف الكتاب المقدس وميزته الخاصة، كما قلنا مرارًا، هو أنه يحوي إعلانًا مزدوجًا عن المخلّص: أى أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاعه وحكمته، ثم بعد ذلك اتخذ من أجلنا جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا][2]. ويؤكد ق. أثناسيوس بأن هذا الإعلان المزدوج هو موجود في كل الكتاب المقدس الموحى به من الله، ثم يبدأ في تدوين نصوص وفقرات تؤكد على لاهوت وناسوت المسيح. المشكلة كما يراها أثناسيوس في العلاقة بين المسيح بكونه إله وبكونه إنسان في آنٍ واحد، مع التركيز على أن الابن قد صار ما نحن عليه "لأجلنا"، لأن الابن اتحد بنا اتحاد حقيقي، اتحد بجسدنا. وصفات الجسد تخص الابن حقًا لأنها هى خصائصه في إطار التجسد:
 [ خواص الجسد هى خاصة به حيث إنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصة بالجسد ][3].
ويستمر ق. أثناسيوس قائلاً:
[ بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والكلمة حمل ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله ][4].


   هنا جوهر رد ق. أثناسيوس على الإرتباك الآريوسي بين لاهوت وناسوت المسيح. فالكلمة لم يكن "خارج" ناسوته الذي أخذه. بالحري حين خدم الابن المتجسد، فإن اللاهوت والناسوت كانا معًا يعملان في وحدة لا تنفصم:


   [ فحينما كان هناك احتياج لإقامة حماة بطرس التي كانت مريضة بالحُمى فإنه مدّ يده إليها بشريًا، ولكنه أوقف المرض إلهيًا (انظر مت14:8). وفي حالة الإنسان المولود أعمى فإن تفل البصاق كان من الجسد ولكن فتح عين الأعمى بالطين إلهيًا. وفي حالة لعازر، فلكونه إنسانًا فقد دعاه بصوته البشري ولكونه في نفس الوقت إلهًا فقد أقامه من الأموات. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا لأنه كان قد اتخذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا، ولذا كان يليق بالرب بأخذه جسدًا بشريًا أن يكون لهذا الجسد كل الخواص التي للجسد، حتى كما نقول إن الجسد كان جسده. هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به، أى الكلمة رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته ][5].


   هكذا ركز ق. أثناسيوس على إيضاح حقيقة أن المسيح يعمل لاهوتيًا وناسوتيًا معًا من خلال جسده الذي أخذه. وحين يعمل بقوة ويشفي المرضى ويقيم الموتى، ندرك نحن لاهوته في الفعل. وحين يكون متعبًا فإننا نرى مظاهر الناسوت الأصيل والحقيقي الذي أخذه.


   لقد أخطأ الآريوسيين إذ قرأوا الكتاب المقدس قراءة هزيلة غير عميقة، ورأينا فشلهم في التمييز بين ما يليق بلاهوت الابن وما يناسب بشريته أو ناسوته. وهذا الإخفاق يقود إلى إنكار لاهوت الابن. وهذا ما نتحقق منه دائمًا حين نرى تيارات فكرية غريبة تسقط في هذا الإخفاق وتنكر ألوهية الابن. ومن هنا نجد الأهمية العظيمة لتعليم القديس أثناسيوس التفسيري الذي يساعد أبناء الكنيسة على فهم الكتاب المقدس فهمًا أرثوذكسيًا.











32 القديس أثناسيوس الرسولي، المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، ترجمة د. مجدي وهبة ود. نصحي عبد الشهيد، مراجعة د. جوزيف موريس  ود. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة ثانية منقحة، أبريل 2007م ص54ـ59.
33 المرجع السابق ص59ـ60.
34 المرجع السابق ص62.
35 المرجع السابق.
36 المرجع السابق ص63ـ64.

الجمعة، 20 أبريل، 2012

مكاسب القيامة


مكاسب القيامة

د. جورج عوض إبراهيم

ما المكاسب التي حصلنا عليها من القيامة ؟

أولاً : أعطتنا المسيح الحيّ . دُفن المسيح ثلاثة أيام في القبر، وبدا ان الموت قد إبتلعه مثلما بلع الحوت يونان النبي . في النهاية أخرج الحوت  يونان حياً . هكذا أيضاً الموت تقيأ المسيح حياً. لماذا تقيأ الحوت يونان حياً ؟

لأنه لم يجد في يونان طعاماً مناسباً ، طعامه المعتاد . لقد بدا له يونان انه طعام غير معتاد عليه ، لذلك لم يستطع ان يفترسه ويهضمه . أُجبر ان يًخرجه حياً.

والوحش الذي يُسمى الموت  تقيأ المسيح حياً لأنه لم يجد فيه الطعام الذي يعرفه. طعام الموت هو الخطية. المسيح كان لا علاقة له بالخطية. بالتالي بالنسبة لمِعدة الموت كان المسيح ثقيل جداً ولا يُهضم ( ق.ذهبي الفم ( ΕΠΕ31,294  ) 

بالقيامة خرج المسيح الحيّ الذي هو حجر الزاوية الثمين.

عندما يبتلع أحد حجراً ، أولاً تحاول المعدة ان تفرز سوائل لهضمه . إن فشلت في هذا الأمر ووجدت ان هذا مستحيل، عندئذٍ تتقيأ الحجر بألم شديد.   مثل هذا الأمر حدث مع الموت. حينما بلع يسوع المسيح الذي هو حجر الزاوية ، الحجر الثمين . لم يستطع ان يهضمه ليحلله ويُخفية . أًجبر ان يطرده خارجاً بآلام شديدة.  وهو يتقيأ يسوع المسيح تقيأ معه كل الطعام الذي كان في معدته . أي كل الطبيعة البشرية. بقيامة المسيح  قامت كل البشرية (  ΕΠΕ31,294-296).

ثانياً : بالقيامة خرج الموت ميتاً ! بدلاً من ان يبتلع المسيح أُبتلع هو ذاته : [  وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ» ] 1كو54:1. قيامة المسيح ألقت خارجاً عُقم الموت .

لدينا في العهد القديم ولادات معجزية من نساء عاقرات، مثل ساره أم إسحق، رفقة أم يعقوب ، حِنه أم صموئيل ، أليصابات أم يوحنا السابق . هؤلاء ولدن بطريقة معجزية.

هذه الأحداث المعجزية تشير إلى ولادة الإله المتأنس ليس من عاقر بل من عذراء. إنها ترمز لولادة حشد من الأولاد من كنيسة كانت عاقر قبل المسيح. تشير إلى القيامة من أرض عاقر وقبر عاقر. تشير إلى عُقم الموت. يقول القديس ذهبي الفم : " قد سبق للعاقرات ان تلد لكي تؤكد ولادة العذراء. وليس هذا فقط . لو تفحصنا الأمرجيداً هذا الأمر يصور لنا عُقم الموت " (ΕΠΕ31,296 ) .

ولادة إسحق من سارة العاقر ترمز إلى قيامة المسيح من أرض عاقر. مثلما ولادة إسحق كانت إختبار الإيمان لآبرآم ، هكذا قيامة المسيح هي إختبار الإيمان لكل مسيحي. ومثلما صار إبرآم أب لأناس كثيرين وللأمم ، هكذا المسيح بقيامته صار أب لكثير من المسيحيين. بقيامة المسيح أُصيب الموت بالعقم . كان للموت أجنة في الهاوية . والآن بالقيامة جُرد الموت وصار ميتاً. أيضاً القيامة أبطلت خوف الموت . لن نحيا مرعوبين من الموت . لن نهابه.

ثالثاً : قيامته تمثل ضمان لقيامتنا. يقول القديس ذهبي الفم : " بعدما مات حقاً ، قام. لأجل ذلك أيضاً كان مع تلاميذه لمدة أربعون يوماً لكي يُخبرهم ويُظهر لهم كّم البهاء الذي ستكون عليه أجساد كل المؤمنين بعد القيامة " ( ΕΠΕ31,246)  . بما ان المسيح هو الرأس ونحن جسده ، هل يمكن ان يقوم الرأس ويظل الجسد ميت؟  إذن قيامة المسيح تعني قيامة أجسادنا. وحيث أننا قمنا نرى بالرجاء الحياة. نواجه بجرأة الضيقات والآلام : " نعاني في الحياة الحاضرة من آلام شديدة. إن لم يوجد رجاء في الحياة الأخرى عندئذٍ مَنْ هو الآخر الذي هو أتعس مِنا؟ " ( ΕΠΕ31,602,604).

رابعاً : القيامة أعطتنا أن نحيا حياة جديدة ، فالقيامة تُعيد إحياء الإنسان . العالم يجعلنا نشيخ أما المسيح يعيد إحيائنا مرة أخرى. المسيح بقيامته من القبر أخذنا نحن الخطاه العجزة والذين على وشك الموت وجعلنا شباب وأُمراء لممالك. منحنا الشباب الأبدي.

إذن ثمار القيامة هي :

إماتة الموت
رجاء الحياة الأبدية
حضور المسيح الحيّ
ربيع الحياة الروحية
السلام الحقيقي والفرح الحقيقي

 

                                                                   


ا


الأربعاء، 18 أبريل، 2012

لا تلمسيني


لا تلمسيني


د. جورج عوض إبراهيم

نقرأ بحسب إنجيل يوحنا أن المسيح القائم لم يسمح لمريم المجدلية أن تقترب منه ” لا تلمسيني” (يو17:20). لكن بعد أسبوع, دعيَّ المسيح نفسه توما لكي يضع إصبعه مكان الجرِاح (يو24:20ـ29). كيف يتوافق هذان الحدثان؟

            إن تعبير القائم "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلي أبي" (يو17:20), يمثل تعبير من التعبيرات عسرة التفسير. قد يبدو أنه يوجد تناقض في أن المسيح, من جهةٍ, لا يسمح لمريم المجدلية أن تلمسه لأنه لم يصعد بعد إلي أبيه, من جهةٍ أخرى, في نهاية الإصحاح نفسه, وأيضًا قبل أن يصعد إلي أبيه يقول لتوما: "هات إصبعك إلي هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا" (يو27:20).

            في وجهة النظر الأولي, حالة مريم المجدلية يبدو أنها لا تتوافق مع الأحداث الأخري المذكورة في العهد الجديد والتي تؤكد علي البُعد المادي والجسدي في شركة وتواصل القائم مع تلاميذه. هكذا, في نفس الإنجيل الرب القائم يكسر ويوزع الخبز والسمك بيديه علي التلاميذ. وعلي الجانب الآخر, بحسب إنجيل متى فإن حاملات الطيب أثناء تقابلهم مع القائم: "فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له" (مت9:28). وبحسب إنجيل لوقا الرب القائم يمسك الخبز ويباركه ويقطعه ويوزعه  علي تلميذي عمواس (أنظر لو30:24), بينما في موضع آخر في نفس الإنجيل يأكل قطعة من السمك المشوي (أنظر لو 43:24). وفي النهاية, تعبير "وفيما هو مجتمع معهم" الواردة في سفر الأعمال (أع4:1), تعلن بوضوح أن الرب بعد القيامة وحتى الصعود أكل مع التلاميذ وكانت له شركة وتواصل معهم عن قُرب.

بحسب بعض المفسرين, قول المسيح لتوما بأن يلمس آثار الجروح لا يعني أنه لمسَّ جسده. حقًا دعى المسيح توما بأن يلمسه (أنظر يو27:20) لكن توما مضى مباشرةً في إعترافه "ربي وإلهي" (أنظر يو28:20) بدون أن يُذكَّر أنه حقًا لمسَّ الرب. هؤلاء المفسرون نادوا بأن توما قد آمن بالفعل ولم يتجرأ علي لمس ربه وإلهه وإنحصر في إعترافه الذي ذكره. وفق هذا الرأي لا يوجد بالضرورة تناقض بين "لا تلمسيني" و"هات يديك وضعها في جنبي", طالما أن توما لم يتجاوب مع هذا الأمر الأخير.

مفسرون آخرون يعتبرون أنه لا يوجد بالضرورة تناقض بين "لا تلمسيني" وحقيقة أن المسيح ظهر مرات معينة وهو يأكل مع تلاميذه ويوزع لهم خبز وسمك, لأن هذا لا يستلزم, علي أي حال, أيضًا إتصال جسدي معهم. وبالرغم من ذلك يظل بلا تفسير لماذا المسيح يستطيع أن يأتي في علاقة مع أشياء مادية, لكن ليس مع الناس.

أيضًا المقارنة بين "لا تلمسيني" والصورة التي ذكرها متى في (مت9:28) والتي بمقتضاها حاملات الطيب يمسكون أرجل القائم هي صعبة جدًا. فالذي رفضه المسيح في إنجيل يوحنا مع مريم المجدلية يُقدمه بحسب إنجيل متى لكل حاملات الطيب بما فيهم مريم. بالطبع صيغ الرأي بأن الروايتين يكمل الواحدة الآخر كالآتي: لم يُسمح لمريم المجدلية أن تمسك الرب بمفردها (أنظر يو17:20) لكن عندما إبتعدت مع حاملات الطيب عن القبر سُمِح للجميع معًا أن يسجدوا له ويلمسوا أرجله (أنظر مت9:28).

لكن ليس هناك إنسجام للروايتين خاصةً أنه وفق الشهادة الواضحة لنصوص القيامة الواردة في الإناجيل أن الرب القائم كان لديه جسد مادي. كان يستطيع أن يظهر في أماكن مغلقة بدون أن يحتاج لفتح الأبواب (أنظر يو19:20 ،26) ويظهر بنفس الطريقة (أنظر لو31:24) لكن الطبيعة البشرية المقامة لم تُحرم من البُعد الجسدي. يمكن لجسده أن يكون لديه خواص المادة التي هي مماثلة لخواص أجسادنا التي وُلدِت وتحيا في عالم السقوط وتخضع للفساد والموت, لكن جسده القائم لديه نوعية المادة التي سوف تكون لدي أجسادنا بعد قيامة الأموات. لن يكون جسد خيالي بل جسد "في عدم فساد" (1كو42:15), "في مجد", "في قوة" (1كو43:15), إنه "جسد روحاني" (1كو44:15).

لو أن المسيح لم يهتم بجسده المادي, عندئذٍ القبر لن يوجد فارغًا, هو نفسه لن يأكل مع تلاميذه متقاسمًا معهم الخبز والسمك, وبالتأكيد لا أحد يستطيع أن يلمسه.

إذن لماذا قال "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلي أبي" (يو17:20)؟

توجد آراء تفسيريه كثيرة لهذا النص, نذكر منها الآتي:

1ـ المسيح لم يسمح لمريم المجدلية أن تمسكه لأنها إمرأة. هذا الرأي لا يتمشي مع حقيقة أن المسيح القائم يقدر ويكرم بالحري النساء معلنًا ذاته أولاً لحاملات الطيب (أنظر مت9:28, مر9:16, يو14:20) وبعد ذلك لتلاميذه (أنظر مت 17:28, مر12:16, 14, يو19:20). هكذا كما ذُكِر بالفعل في إنجيل متى, سمح المسيح لحاملات الطيب أن يعبروا عن إحترامهم له ماسكين أرجله وإعترافهم بإلوهيته وتعبيرًا عن محبتهم لشخصه.

2ـ المسيح لا يريد أن يأتي في إتصال جسدي مع البشر حتى لا يتدنس جسده القائم الذي سوف يصعد إلي السموات.

هذا الرأي أيضًا لا يمكن أن يكون صحيحًا لأن الله هو يسمو فوق أي دنس يأتي من الطبيعة البشرية. لأن غير ذلك كان بالأولي أن لا يتجسد.

3ـ مريم تعلن عن نيتها بلمسها للمسيح أن تأخذ عطية روحية علي أساس ما قاله لهم المسيح أنه سوف يرسل لهم المعزي (أنظر يو26:15), المسيح لم يتركها تقترب منه وشرح لها انه مازال لم يصعد لأبيه مذكرًا بأنه طالما الشرط للعطية الروحية هي صعوده وجلوسه عن يمين الآب, ولا يمكن مادام هو موجود علي الأرض, أن يمنح عطية الروح القدس. هذا الرأي يفترض مسبقًا أن مريم, للتو تعرف يسوع, أول ما فكرت هو أن تستغل حضوره لفائدتها, لكن في الواقع مريم تظهر بأنها تتصرف من منطلق محبتها غير المغرضة تجاه الرب.

5ـ رأي مماثل للسابق ينادي بأن مسألة "لا تلمسيني" ليس لديها مفهوم "لا تتكيئ عليّ" بل "لا تمسكيني" بكلام آخر دُعيت مريم من المسيح أن لا تعتمد علي شخصه ولا تتقيد بصورته الأرضية. فقط طالما المسيح سيصعد إلي أبيه ويرسل الروح القدس, سيمكن لمريم ومعها كل الجماعة الكنسية أن تمسكه صانعين شركة معه ليست بعد علي مستوي الأشخاص التاريخيين بل علي مستوي الإيمان والخبرة, هذا لأن الباراقليط سيكون بعد الشخص الذي سوف يجعل الرب القائم قريبًا للمؤمنين. هذا الرأي به صعوبة أن فعل «άπτομαι»: ألمس يمكن أن يُدرك بنفس معني κρατῶ: أي أمسك.
ـ أخيرًا, يوجد رأي يشرح الحدث, بأن المسيح صعد إلي الآب في الفترة ما بين ظهوره لمريم المجدلية (أنظر يو11:20ـ17) وظهوره للتلاميذ (أنظر يو19:20ـ23). هكذا, بينما تجنب الإتصال بمريم, لأنه مازال لم يصعد وبالتالي لم يأت الروح "  لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ " (يو7:16), بعد ذلك قد صعد إلي الآب, يمنح الروح (يو19:20, 21ـ23) معطيًا أيضًا الإمكانية لتوما أن يلمسه (يو27:20). هذه الفرضية تبدو منذ البداية أنها تعطي حل للتضاد الموجود بين الحدثين, لكن لا تستند علي معطيات الرواية الإنجيلية طالما لا يوجد أي برهان في النص أن الصعود صار بين الحدثين. نعم أعطي الروح للتلاميذ ( " وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ:«اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ» (يو22:20ـ23). لكن هذه العطية لا تتطابق مع حلول الروح القدس في يوم الخمسين.

هذه الآراء التي إستعرضناها لا تجيب إجابة كافية علي الصعوبة التفسيرية لآية (يو17:20), إلا أن هناك إمكانية أخري لنفهم هذا النص.

يبدو من سياق النص أن مريم المجدلية وُجِدت في حالة إضطراب وإختلطت الأمور في ذهنها. فهي  مَنْ رأت الحجر مرفوعًا عند مدخل قبر المسيح (يو1:20). ثم بعد ذلك أسرعت واعلنت لبطرس وليوحنا بأنهم أخذوا الرب وأنه غير معروف أين وضعوه والتلميذين اسرعوا تجاه القبر والتلميذ المحبوب آمن وهو يري القبر فارغ (يو3:20ـ8). لكن مريم كانت مازالت في حالة إرتباك لأن جسد معلمها المحبوب قد إختفي. فالإرتباك وثقل الإجهاد العاطفي بدأ من أنها ظلت أبعد من أي منطق خارج القبر الفارغ وهي تبكي (يو11:20). في تلك الساعة ترى أمامها ملاكين لكن لم تكن في حالة أن تدرك هويتهما (يو13:12). هكذا أجابت علي سؤالها لماذا تبكي قائلة للمرة الثانية أنهما أخذوا سيدها وهي لا تعرف أين وضعوه (يو13:20). بمفردها بعد ذلك إلتفتت للخلف ورأت يسوع لكن لم تعرفه أيضًا (يو14:20).

لقد سألها المسيح نفس السؤال وظنت أنه البستاني وتوسلت إليه أن يقول لها إن كان أخذه وأين وضع جسد سيدها حتى تستطيع أن تأخذه (يو15:20), فقط, عندما نطق القائم  بإسمها, للحال رجعت من إرتباكها, وعرفته وهمت بأن تلمسه داعية إياه كما إعتاد التلاميذ, يا معلم (يو16:20). لكن المسيح بعبارة "لا تلمسيني" إتخذ مسافة ولم يسمح لها أن تعبر عن فرحتها. ولم يفعل ذلك لأنه يشك في نيتها الصالحة أو محبتها العميقة. فعل هذا لكي يبلغها بكل وضوح أن الذي أمامها ليس مجرد معلم, بل الإبن وكلمة الله المتجسد والقائم.

أيضًا في حياته الأرضية إتخذ مسافة بينه وبين أشخاص محبوبون له حتى يصير مدركًا بكونه الله وأنه لا يمكن أن ينقاد من إحتياجات ورغبات بشرية, بل لديه تحكم كامل لكل الحالات ويعمل عندما هو يريد. والمثل الواضح لهذا الأمر ما قاله لأمه "ما لي ولك يا إمرأة" (يو4:2), عندما طلبت منه مباشرةً أن يتدخل ويعطي حلاً لمشكلة نقص الخمر في عرس قانا الجليل.

إذن المسيح برَّر قوله "لا تلمسيني" حين أضاف قائلاً :"لأني لم أصعد بعد إلي أبي". هنا نشأت مشكلة جديدة لو الآن هو لا يُقتَّرب منه حيث لم يصعد بعد إلي أبيه, كم بالحري سيسري هذا الأمر, عندما إبتعد أصلاً من العالم؟ لكن هذه المشكلة يمكن أن تُحَّل لو دخلنا إلي عمق التعليم اللاهوتي المختفي في هذا التعبير.

مريم المجدلية, مثل معظم مَنْ تبعوا بثقة المسيح, لم تكن قد إستطاعت أن تدخل بعمق في سر لاهوته. لأن غير ذلك ما كانت تحزن وهي تري القبر فارغ بل كان عليها أن تفرح مدركة أن المسيح قام كما سبق وقال لهم. الآن, إذن,حيث تري أمامها القائم تقترب منه من جديد كمعلم لها, حيث بالنسبة لها لم يتوقف عن أن يكون إنسان عادي. سبب سوء فهمها لا يوجد فيها هي ذاتها بل في حقيقة أنها مازالت لم تأخذ الروح القدس الذي سيجعلها قادرة علي إدراك شخص الرب وعمله وتعليمه, وفق ما أعلنه: " بِهذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ " (يو25:14ـ26).

بالتالي, مريم المجدلية لا ينبغي أن تنتظر بأنها سوف تستطيع أن تقترب من المسيح لأن أبيه مازال لم يرسل الروح القدس الذي سوف يفتح ذهنها ويُعطيها القدرة أن تدركه حقًا. محبة مريم للمسيح لم تكن كافية. كانت تحتاج إلي المعرفة المستقيمة عنه, والتي سوف يمنحها لها الروح القدس معطيًا إياها المقدرة أن تقترب لشخص سيدها المحبوب.

هذا الروح القدس منحه القائم خاصةً لتلاميذه, بالفعل قبل الصعود وقبل يوم الخمسين. هذه العطية قد أخذها  أيضًا توما بالرغم من أنه كان غائبًا عن إجتماع التلاميذ في اللحظة التي منح فيها الرب القائم الروح القدس للتلاميذ. إن عطية الروح القدس منحت للتلاميذ المقدرة أن يدركوا ويعترفوا بهوية يسوع الحقيقية. وتوما نائبًا عن باقي التلاميذ يعترف ويقر بأن يسوع هو "الرب والإله" وعلي أساس هذا الإعتراف يمكن أن يقترب من المسيح القائم ليس علي أساس أنه معلم محبوب بل بكونه كلمة الله المتجسد.

   

     

الاثنين، 16 أبريل، 2012

هل العذراء مريم هي الأولى - من حاملات الطيب - التي رأت المسيح القائم ؟


هل العذراء مريم هي الأولى - من حاملات الطيب - التي رأت المسيح القائم ؟

                                                                            د.جورج عوض إبراهيم


حاملات الطيب هي النساء اللاتي تبعن الرب مع أمه ، ظلوا معها أثناء الآلام الخلاصية وحرصوا على دهن جسد الرب بالطيب . عندما طلب كل من يوسف الرامي ونيقوديموس وأخذا من بيلاطس جسد الرب ، أنزلاه من على الصليب ولفاه بملاية مع عطور وأطياب مختارة ووضعوه في قبر جديد ووضعوا على باب القبر حجراً كبيراً ، وكانت توجد هناك ، بحسب إنجيل مرقس ، مريم المجدلية ومريم الأخرى جالسين أمام القبر. مريم الأخرى كان يقصد أم الرب . ولم يكن هؤلاء فقط هناك ، بل نساء أخريات كما ذكر الإنجيلي لوقا .

قيامة الرب هي إعادة تجديد للطبيعة البشرية وإعادة خلق ، والصعود مرة أخرى إلى حياة آدم الأولى غير المائتة ، آدم الذي أُغرق من الموت بسبب الخطية وبواسطة الموت رجع إلى الأرض التي خُلِقَ منها . إذن مثلما ذاك في البداية لم يراه أي إنسان ، حيث لم يكن يوجد أحد تلك الساعة ، بعدما أخذ هو الأول نسمة الحياة بالنفخة الالهية رأته إمرأة ، لأن بعد الإنسان الأول خُلقت حواء . هكذا آدم الثاني ، أي الرب ، عندما  قام من الأموات لم يراه أي إنسان - طالما لم يكن موجود أحد من خاصته والجنود الذين كانوا يحرسوا القبر مرعوبين من الخوف صاروا كمثل الأموات - وبعد قيامته رأته في الأول إمرأة .

إذن ، بعدما أعدّت حاملات الطيب الأطياب والحنوط بحسب  الوصية إسترحن يوم السبت .

يقول القديس لوقا: " ثم في أول الأسبوع ، أول الفجر ، أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددته ، ومعهن أناس .....وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن .... " لو1:24-10 .

 بينما يقول القديس متى : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى " مت1:28.

وكذلك القديس يوحنا يقول : " وفي اول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر  باكراً والظلام باقٍ " يو1:24 ، اما القديس مرقس : " وبعدما مضى السبت أشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه . وباكرا جدا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس " مر 1:16-2 .

أول الأسبوع المذكور في الأناجيل هو يوم الأحد . بناء على هذا، عبارات مثل : باكر جداً والظلام باقٍ،  أول الفجر ،  تدل على وقت الفجر وامتزاج النور مع الظلام . ويبدوا بالطبع ان الإنجيليون يختلفون مع بعض بخصوص الوقت وعدد النساء . حاملات الطيب كانوا كثيرات وأتين إلى القبر ليس مرةً واحدة بل مرتين أو ثلاثة ،  أتين في صُحبة ، لكن ليس  بالضرورة  في كل مرة نفس الأشخاص  ، وجميعهن في الفجر لكن ليس في نفس الوقت بالضبط . هكذا نرى ان أول من أتت إلى قبر إبن الله هي والدة الإله ومعها مريم المجدلية . وهذا الإستنتاج من إنجيل متى لأنه يقول : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى "  التي كانت هي أم الرب ،  " وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ " مت 2:28-4.

نعتقد أنه لأجل والدة الإله فُتح القبر ( لأنها هي الأولى التي لأجلها ومن خلالها فُتح لنا كل شيء  سواء في السماء أو في الأرض ) ولأجلها أبرق الملاك لكي ترى القبر الفارغ والمعجزة العظيمة بوجود الأكفان بدون المسيح القائم , وواضح ان الملاك المبشر هو غبريال الذي أعلن حقيقة القيامة مظهراً القبر الفارغ وقائلاً لحاملات الطيب ان يخبرن التلاميذ . وعندئذٍ " خرجن بخوف وفرح عظيم " .

ونعتقد  أيضاً أن الخوف إنتاب مريم المجدلية والنساء الأخريات ، بينما أم الله فرحت فرحاً عظيماً لأنها أدركت أقوال رئيس الملائكة المفرحة التي صدقتها  أكثر من الأحداث التي تستحق التصديق  ، مثل : حدث الزلزال وتحرك الحجر والقبر الفارغ والأكفان الخالية من الجسد . والسبب الذي جعل الإنجليون لا يبرزون شهادة العذراء لقيامة الرب ورؤيتها له من منطلق أنها كانت أُم الرب وشهادتها بالنسبة لغير المؤمنين شهادة مجروحة . لذا كانت مريم المجدلية أحد الشهود الأساسيين لقيامة الرب في الأناجيل .

هكذا والدة الإله هي الأولى التي تعرفت على القائم ووقعت عند قدميه وصارت رسولة تجاه الرسل ، وأثناء عودتها ظهر يسوع إلى حاملات الطيب ، قائلاً لهن : " سلام  " . وكما رأت حواء الأولى لأول مرة آدم الأول بعد أن قام من السُبات العميق ، هكذا العذراء مريم ، حواء الثانية هي الأولى من حاملات الطيب التي رأت يسوع  بعدما قام .