الأربعاء، 17 فبراير، 2016

بعض التعاليم اللاهوتية في سفر يونان النبي


بعض التعاليم اللاهوتية في سفر يونان النبي


بحسب القديس كيرلس عمود الدين


د/ جورج عوض إبراهيم

1ـ يونان النبي هو مثال للمسيح:


   يؤكد القديس كيرلس أن يونان النبي هو مِثال Τúπος  للمسيح من شهادة المسيح ذاته حين سأله اليهود أن يظهر لهم آية، حيث قال: " جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال" (مت39:12، 40). بالتالي ما حدث ليونان النبي أعطى لنا صورة عن سر المسيح لأجلنا.

2ـ المثال لا يعبر في كل تفاصيله عن سر المسيح:


ينصحنا القديس كيرلس بأن نفحص فقط الأمور المفيدة التي تشير إلي شخص المسيح وعمله ونميزها عن الأمور غير المفيدة. ويعطي لنا مثالين:

أ ـ موسي النبي: لقد كان موسى مثال للمسيح لكن لا نستطيع أن ننسب للمسيح كل ما يتعلق بموسى، على سبي المثال، كان موسي بإعترافه أنه لا صاحب كلام وثقيل الفم وغير قادر علي إبلاغ الرسالة، حيث قال: " اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ" (خر10:4) وتوسل قائلاً: " اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ" (خر13:4). لكن المسيح لم يكن ثقيل اللسان ولا غير بليغ في الكلام مثل موسي بل دعاه أشعياء النبي بالبوق العظيم: " وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِبُوق عَظِيمٍ، فَيَأْتِي التَّائِهُونَ فِي أَرْضِ أَشُّورَ، وَالْمَنْفِيُّونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيَسْجُدُونَ لِلرَّبِّ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ فِي أُورُشَلِيمَ" (إش13:27). 

الآن نتسائل: في أي أمر كان موسي مثالاً للمسيح؟

يجيب القديس كيرلس، مؤكدًا علي أن وساطة موسي بين الله وشعب إسرائيل هي مثال لوساطة المسيح بين الله والبشر.

ب ـ هارون: لقد كان هارون أيضًا مثال للمسيح لكن لا نستطيع أن ننسب للمسيح كل ما يتعلق بهارون لأنه لم يكن بلا لوم تمامًا حيث أنه كما شرح القديس كيرلس قد صنع لبني إسرائيل عجلاً في البرية وعبدوه (انظر خر4:32).

إذن المبدأ الذي شدد عليه القديس كيرلس هو أنه ليست كل الأمور المكتوبة مفيدة للرؤى الروحية.  ينصحنا القديس كيرلس بأننا حين نفحص شخصية ما كمثال للمسيح نهتم بالأمور الضرورية مقدمين دائمًا المفيد بطبيعته للهدف الذي يرمز إليه، أما الأمور الأخرى فإننا نتجاوزها.

هذا المبدأ يسري أيضًا علي يونان النبي لأن كل ما يتعلق به ليس بالضرورة له فائدة. علي سبيل المثال: [أُرسل لكي يكرز لأهل نبنوى، ولكن طلب أن يختفي عن الله وكذلك رأيناه غير مستعد لرسالته]. أما عن الإبن يقول القديس كيرلس: [أُرسل أيضًا الإبن بواسطة الله الآب ليكرز للشعوب لكنه لم يُظهر أنه غير مهييء لخدمته ولا طلب أن يختفي أمام أعين الله]. لكن حين إبتعله الحوت وبعد ثلاثة أيام قذفه (أنظر مت40:12) ثم بعد ذلك ذهب إلي أهل نينوى وتمم خدمته كان يشير إلي المسيح الذي قَبِلَ الموت طوعًا، الأمر المشار إليه في توسل يونان للملاحين: "خذوني وإطرحوني في البحر فيسكن البحر عنكم" (يو12:1) وبقى في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاثة ليالٍ (انظر مت40:12) وقام ثانيةً وبعد ذلك ذهب إلي الجليل وأمر بأن تكون الكرازة لجميع الأمم (أنظر  مت19:28).

الخلاصة يوجزها القديس كيرلس، قائلاً: [لأنه كما يطير النحل علي المراعي والورود لكي يجمع المفيد لصناعة أقراص العسل، هكذا أيضًا المفسر الحكيم يبحث في الكتاب المقدس جامعًا دائمًا كل ما يساهم في توضيح أسرار المسيح وصانعًا منه حديثًا كاملاً بلا لوم].

 

3ـ الله هو للجميع: يهود وأمم.:

يبرز القديس كيرلس حقيقة أن الله هو للجميع: لليهود وللأمم ويستشهد بالرسول بولس: " أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا! بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ."، وكذلك يستشهد بالرسول بطرس: " الْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ" (أع34:10ـ 35). ثم يبرهن هذه الحقيقة من خلال قصة الإنسان وسقوطه وفداءه بواسطة المسيح.

الخلق: [ لأنه خلق "السموات والأرض والبحر وكل ما فيها" (مز6:146)، خلق أيضًا الإنسان "علي صورتنا كشبهنا" (تك27:1) حتى يتمم الأعمال التي تقود إلي الفضيلة، لكي يحيا في بهاء بالقداسة الطوباوية].

السقوط: [ ثم بعد ذلك إنجذب (الإنسان) إلي الخطية منخدعًا من حيل الشيطان وهكذا سُلم للعنة والفساد].

تدبير الفداء: [ لكن عُين مسبقًا وعُرِف قبل بداية العالم أن المسيح سيعيد إصلاح الكل، لأن الله الآب أراد أن يُُجمع كل شيء في المسيح ما في السموات وما علي الأرض" (أفسس10:1)]. بالتالي إنجماع الكل في المسيح يشمل الأمم واليهود أي الجميع بدون إستثناء، فكما خلق الله الجميع هكذا فداءه وإنجماع الكل بواسطته هو للجميع.

 

4ـ أظهر الله، قبل تجسد الإبن، حُبه للجميع: مدينة نينوى نموذجًا:

يؤكد القديس كيرلس أنه قبل مجيء الابن الوحيد أظهر الله عنايته بالضالين والذين انخدعوا عن جهل، لذا أمر النبي يونان ليذهب إلي نينوى. كانت نينوى كما يذكر القديس حقائق تاريخية عنها، مدينة فارسية تُوجد في الشرق وكانت مشهورة بعبادة الأصنام حيث قال عنها النبي إرميا "كانت أرض المنحوتات" (إر38:50). وبالرغم من وجود مُدن كثيرة متآخمة لليهودية تعبد الأصنام، إلا أن الله أرسل يونان إلي مدينة نينوى البعيدة، والسبب في رأي القديس كيرلس أنها كانت مولعة بالسحر الذي يبغضه الله. ويستشهد القديس بما قيل عن السحر بفم ناحوم: "  من أجل زنى الزانية الحسنة الجمال صاحبة السحر البائعة أمما بزناها، وقبائل بسحرها" (ناحوم4:3) بالتالي [ أراد الله أن يظهر شيئًا مفيدًا لهؤلاء الأقدمين بأن هؤلاء الذين ابتعدوا جدًا وأُمسكوا في فرصة الضلال سوف ينجذبون في وقت ما إلي شبكة معرفة الحق حتى لو كانوا قساة ووصلوا للدرجة التي لا ينفع فيها أي لجام يضبطهم].

 

5ـ كلمة الله مقتدرة:

يُرجع القديس كيرلس معرفة أهل نينوى للحق إلي كلمة الله حيث يقول: [لأن كلمة الله قادرة أن تغذي العقل وتقنعه وتعلمه كل ما سوف يجعله حكيمًا. إسمع ما قاله لأرميا: " لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الْجُنُودِ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِهذِهِ الْكَلِمَةِ، هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا، وَهذَا الشَّعْبَ حَطَبًا، فَتَأْكُلُهُمْ" (إر14:5) وأيضًا " أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟" (إر29:23)].

 

6ـ الهدف من إرسالية يونان:

يؤكد القديس كيرلس على أن الهدف من إرسالية يونان إلي أهل نينوى هي البرهنة على صلاح الله الذي سوف يظهره الله في وقت ما لأولئك الذين ضلوا عن جهل. كذلك هذه الإرسالية بحسب القديس كيرلس تهدف إلي إدانة إسرائيل لأنه كان صعب جدًا في تربيته إذ كان غير مطيع وعاصي ولم يبال بنواميس الله. ثم يعقد مقارنة بين أهل نينوى وإسرائيل: أهل نينوى تغيروا مباشرة وتابوا، بالرغم من أن ضلاله كان عظيمًا جدًا بينما أولئك اليهود احتقروا موسى والأنبياء بل احتقروا المسيح ذاته بالرغم من أنه أرفق تعليمه بمعجزات، وبالرغم أنه الله بطبيعته إلا أنه صار إنساناً لكي يخلص كل المسكونة. وهذا الأمر يدين بنى إسرائيل: " رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا!" (مت41:12).

إن يونان هَدَدَ فقط بهلاك أهل نينوى بينما المسيح وبخهم بمعجزاته التي لا تُوصف. المعجزة كأنها ماكينة جذب ـ كما يشرح القديس كيرلس ـ تساعد دائمًا القول من جهة تصديقه والإيمان به.

 

7- الهروب من المسئولية ومحاولة تفسيرها من جانب القديس كيرلس:

يؤكد القديس كيرلس علي أن السِفر لا يتحدث عن الدافع الذي جعل يونان يذهب بعيدًا عن الله بل تحدث عن طريقة إبتعاده، إلا أنه يطرح بعض الحلول إذ يقول إنه كان يريد أن يرفض الرسالة ويهرب من الخدمة ويعترف إنه لا يفهم لماذا ذهب إلي ترشيش. وبالرغم من ذلك يقول إن القديسين الأقدمين كانت معرفتهم عن الله معرفة صغيرة حيث كان الإعتقاد بأن سيادة إله الكل هي مقصورة فقط علي بلاد اليهودية واستحالة امتدادها إلي أرض أخرى. ويستشهد القديس كيرلس بيعقوب البطريرك الذي ترك منزله وذهب إلي لابان في منطقة ما بين النهرين. وعندما رأي سُلِم من الأرض تصل إلي السماء وملائكة الله تصعد وتنزل عليها، وعلي قمة السُلم هناك الرب واقف عليها. وقام وقال: "حقًا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم" (تك16:28). أيضًا بحسب القديس كيرلس ربما خاف يونان من أهل نينوى ليفعلوا به شرًا ويقتلونه كمنافق ومضل وكاذب وأنه يتعب باطلاً لإقناعهم. هكذا يفسر القديس كيرلس قول يونان: "صَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. 3 فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي" (يونان2:4ـ 3).

 

8- الله يرتب كل الأمور:

بحسب القديس كيرلس، كل ما حدث كان بترتيب الله حيث يقول: [ انطلقت الأمواج ضد السفينة حسب ترتيب الله للأمور وكذلك أعاصير شديدة جعلت البحر يضطرب ويهيج بتأثير الريح العاتية.. أمر الله الحوت].

ويوضح مسألة أن الرب أعد حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان بأن الكل يذعن لمشيئة الله وأن طريقة طاعة الكل لهي سرية تمامًا. آما كون أن الحوت يبتلع يونان بدون أن يصيبه بأي أذى وبقى في داخله ثلاثة أيام وثلاثة ليالٍ، يرجعه القديس كيرلس إلي أن هذا طبيعي لأن الإنجاز هو إنجاز الله ثم يتسائل مَنْ هو الذي سوف يتشكك في الأمر؟ لأن الله هو كُلي القدرة ويغير طبائع الكائنات بسهولة كما يريد هو، ولا يقف شيء ضد مشيئاته غير المنظورة. لأن هذا الذي يفسد بطبيعته يمكن أن ينتصر علي الفساد لو أراد الله والثابت وغير المتزعزع وغير الخاضع لنواميس الفساد سوف يخضع بسهولة للفساد. لأن طبيعة الكائنات تصير طبقًا لإرادة الخالق. ويعترف القديس كيرلس بأن أي شرح منطقي لا يستطيع أن يُعطيَّ ولا هو ممكن لأمور الله أن تُدرك بالعقل لأنه "مَنْ عَرِفَ فكر الرب؟" (رو34:11). العقل لا يستطيع أن يتخطى الأمور التي تفوق المنطق؟ بالتالي عدم الإيمان هو أمر بالنسبة لنا أمر خطير وغير لائق.

 

9- التفسير الخريستولوجي لمِا حدث ليونان:

يقرأ القديس كيرلس ما حدث ليونان قراءة خريستولوجية يشرح فيها تدبير الله لخلاص البشرية، إذ يقول: [ لقد صارت الأرض في خطر, والجنس البشري تعرض لشتاء قارص وأمواج الخطية انقضت عليه واللذة المرعبة والتي لا تطاق التفت عليه وغطته والفساد مثل أمواج هائجة هبت عليه والرياح الشديدة المتوحشة قهرته, أقصد رياح الشيطان والقوات الشريرة التي توجد تحت سيادته وتعمل معه. لأننا كُنا نوجد في هذه الحالة وتراءف علينا الخالق إذ أرسل الله الآب من السماء إبنه الذي أخذ جسدًا بشريًا وجاء إلي الأرض المعرّضة للأخطار وللشتاء القارص وأسلم ذاته بإرادته للموت لكي تتوقف العاصفة ويسكن البحر ويهدأ الموج وتنتهي العاصفة ،لأننا خَلصُنا بموت المسيح. والشتاء مرَّ وزال, والنوء والأمواج توقفت وضعفت الرياح وعمَّ الهدوء، والآن نُوجد في سكينة روحية طالما تألم المسيح لأجلنا. شئ مثل هذه الأشياء موجود في الكتابات الإنجيلية. ففي مرةً تعذبت سفينة الرسل من الأمواج وهم في بحيرة طبرية. إذ هبت فجأة عاصفة شديدة وتعرّضوا لعذاب شديد وقارص لا يُحتمل ووجدوا أنفسهم أمام خطر عظيم ، فأيقظوا المسيح الذي كان معهم صارخين بقوة: "يا سيد نجنا فإننا نهلك" (مت25:8). وللتو قام المسيح وانتهر البحر بسلطانة "فصار هدوء عظيم" (مت26:8),وأنقذ التلاميذ. إذن الحدث كان نموذجاً لكل ما صار للطبيعة البشرية. لأننا بواسطة المسيح تحررنا من الموت والفساد والخطية والشهوات, والشتاء القديم قد ابتعد والأمور البشرية عادت مرة أخرى إلي الهدوء].

 

الخميس، 15 أكتوبر، 2015

هل إرتضى المسيح أن يكون المحرر السياسي لليهود؟


هل إرتضى المسيح أن يكون المحرر السياسي لليهود؟
د جورج عوض ابراهيم

               لقد وُلد المسيح وعاش فى مناخ سياسي حاد ومتوتر بكل نتائجه السيئة على الشعب منذ إحتلال الرومان لفلسطين سنة36 ق.م ، وكانت مشكلة الظلم والقهر هى المشكلة الكبرى من بين بقية مشكلات الشعب . أحكم الرومان قبضتهم على فلسطين ابتداء من سنة 38ق.م . ومن هذا الوقت أصبحت فلسطين لها حكم ذاتى تحت قبضة الرومان . كان هيرودس الكبير هو رئيسهم وملكهم (37-4ق.م) ولأنه كان غير يهودى فقد كرهه الشعب كراهية شديدة . وتشهد جرائمة على حكمة القاسى فهو الذى أمر بقتل أطفال بيت لحم من عمر سنه إلى سنتين (مت16:2). وأعتلى بعد موته الكرسى اليهودى ابنه أرخيلاوس وأيضا حكم بطريقة صارمة وكان قاسي حتى نُفى سنة 6 ب.م بأوامر من أغسطوس قيصر روما ، أثر شكاوى متعددة من اليهود والسامريين . ومن ذلك الوقت صارت الدولة اليهودية مجرد ايبارشية يهودية، تشرف عليها روما مباشرة، والادارة كانت لرئيس رومانى كرسيه فى قيصرية. أما فى الأعياد اليهودية والمواسم كانت تجرى ترتيبات أمنية مشددة ويذهب الرئيس نفسة إلى أورشليم فى قصر خاص ليشرف على الأمن هو وحراسة.
كان بيلاطس البنطى (26-36ب.م) رئيس إيبارشية فلسطين والمسئول الأساسى لصلب المسيح . وكان هيرودس أنتيباس ابن هيرودس الكبير رئيس ربع على الجليل والمنطقة المجارة وهو الذى أمر بقطع رأس يوحنا المعمدان وهو الذى تعاون مع رؤساء الكتبة والفريسيين للحكم على المسيح بالموت.
المشكلة الكبرى فى زمن المسيح كان الجهاد والصراع ضد قوات الرومان. وهذة المشكلة كانت سياسية ودينية . و" حركة الغيوريين" كانت بمثابة التنظيم الدينى السياسى المضاد للرومان. وإسم الحركة يرجع لكلمة "
ζηλος " باللغة اليونانية وهى تعنى الغيرة للناموس ، وأتباع هذه الحركة كانوا يُسمون اسخاريوطيين وهذه التسمية تأتى من الكلمة اللاتينية " sica " والتي تعنى سيف صغير أو سكين وهذه التسمية من قٍبَل الرومان تعنى أن هؤلاء بلطجية ولصوص. لقد تكون هذا التنظيم الأصولي المتطرف من الكتبة والفريسيين وكانوا مجموعة معارضة قوية في فلسطين ، لقد نادى الغيوريون بالحرب المقدسة والتى لها ثلاثة أهداف :
1- تطبيق الشريعة الإلهية ( الناموس )
2- الحكم بما أنزلة الله
θεοκρατια وعلى ذلك ينبغى طرد الرومان وإستعادة السيطرة القومية والتحرر السياسى
3- تحقيق العدل اإجتماعى على أساس الشريعة الإلهية . وهكذا كانت حركة الغيوريين مثل اى حركة اصولية لها ملامح دينية وسياسية واجتماعية .
المسيح يرفض أن يكون محرراً سياسياً:

إن الغالبية العظمى من اليهود- زمن المسيح – قد إنتظروا الماسيا على أساس تفسيرهم السياسى لنبوات العهد القديم بخصوص الماسيا المنتظر بكونة سوف يحرر مملكة إسرائيل من المستعمرين الأجانب ويستعيد السيادة اليهودية على العالم أجمع . هكذا رأى اليهود – فى هذا الأطار السياسى – المسيح على انه الماسيا المحرر السياسى . لقد أكد المسيح نفسه بأنه هو الماسيا المنتظر حين قالت له السامرية : " أنا أعلم ان مسيّا الذى يقال له المسيح يأتى ......" أجاب المسيح ، قائلاً : " أنا الذى أكلمك هو " يو25:4-26 ، لكن الفكر الماسيانى الذى كان يقصده المسيح نفسه يختلف إختلافاً جذرياً عن الفكر اليهودى المعاصر له . لقد رفض المسيح أن يكون الماسيا بالمعنى السياسى المباشر خاصةً كان يدرك عن وعىّ شديد أنه ليس الماسيا القومي لليهود بل ماسيا العالم أجمع كفادى ، كما تنبأ عنه النبى أشعياء (أنظر أش9) . وهكذا كان المسيح ضد الماسيانية السياسية ، وهذا الأمر يظهر جلياً فى التجربة على الجبل (مت1:4-11، مر12:1، لو1:5-13)
"ثُمَّ أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ. وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ». فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «ﭐإذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».(لو5:4-8). واضح ان المسيح لم يرفض فقط هذا العرض بل وصفة بأنه شيطاني . ففي قيصرية فيلبس عندما سأل التلاميذ " مَنْ يقول الناس إني أنا " (مر27:8) كانت إجابات التلاميذ : يوحنا المعمدان ، وآخرون إيليا وآخرون نبي من الأنبياء (أنظر مر 28:8) عند هذا المستوى يسألهم ثانيةً " وأنتم مَنْ تقولون إنى أنا " (مر28:8) يجيب بطرس : " أنت هو المسيح " ( مر29:8) فإبتدأ المسيح يعلم التلاميذ ان ابن الإنسان ينبغي ان يتألم كثيراً ويُرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتل. وبعد ثلاثة أيام يقوم ( مر 31:8) . هذا الكلام الذى ينبىء عن آلام وصلب وموت وقيامة المسيح قد إستفز بطرس. فأخذه بطرس إلية وإبتدأ ينتهرة ( مر32:8) وقد رد المسيح علية ، قائلاً " إذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" ( مر 33:8)
السؤال الذى يفرض نفسة هنا :
ما هو سبب هذا التصادم الذى حدث بين المسيح وبطرس ؟
بلا شك أن التصادم يرجع إلى الأختلاف الجذري بين فكر بطرس عن الماسيا وبين فكر المسيح نفسة . لقد إعترف بطرس بأنه الماسيا لكنه فُوجىء وصُدم بما سمعة من المسيح أنه يجب أن يتألم ويُصلب ويقوم . وسر دهشة بطرس كانت بالتأكيد مرجعها أنه كان يفهم الماسيا مثلما فهموة اليهود وقتذاك . لقد أنتظره كمرسل من الله لكى يحرر الشعب من سيطرة الرومان وسيمنحة حرية مطلقة وسلام وسعادة . لذلك أخذ بطرس المسيح بعيداً وأنتهره محاولاً أن يثنية عن السير فى طريق الجلجثة ويقوده إلى الطريق المضاد الذى تبناه الغيوريون ، قائلاً : " حاشاك يارب . لا يكون لك هذا " ( مت 22:16)
لقد كان للمسيح فكر ماسيانى مختلف والذى تجاوز الأُطر القومية والسياسية ، لذا أعلن ذاتة ك"ابن الانسان" الذى سوف يُقبض علية من رؤساء إسرائيل والرومان، وسيتألم ويُصلب ، وسوف لا يقابل الشر بالشر، إنها إرادة الله أن يسبر فى طريق الجلجثة " يجب – ينبغي " ، وهو متأكد أن المنتصر الأخير لن يكون الشر والموت ولكن المحبة والقيامة سوف تهزم الموت ، القيامة التي فتحت للبشرية المعذبة باب الفداء كما تنبأ أشعياء ( أش1:42- 9 ) . وهكذا لم يكن عند المسيح أى تطلع سياسي قومي كأتباع حركة الغيوريين ، لذلك وصف رد بطرس على أنه شيطاني " أبعد عني يا شيطان " لقد رفض المسيح بوضوح شديد الماسيانية القومية فى اللحظات المأسوية الدرامية للحكم علية أمام اليهود والرومان ، عندما سألة قيافا : " أستحلفك بالله الحى أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله " (مت63:26) ، أجاب المسيح : " أنت قلت " ( مت64:26 ) ، أى أنت تقول هذا الأمر وليست هناك ضرورة أن أؤكد لك ذلك ، فمزق رئيس الكهنة ثيابة ، قائلاً : " قد جدف . ما حاجتنا إلى شهود ها قد سمعتم تجديفة " ( مت 65:26 ) ، هذا يدل على أن إجابة المسيح كانت " نعم " . وبحسب إنجيل لوقا 70:22 أجاب المسيح على قول اليهود له " أ فأنت ابن الله " قائلاً : " انتم تقولون أنى أنا هو " . وهذة الإجابة تعادل قولة فى إنجيل متى " أنت قلت " . وهذا واضحاً من رد فعل أعضاء مجمع السنهدريم فى ( لو 71: 22 ) ، وفى حديث المسيح مع يهوذا ( مت 25:26) أثناء العشاء الأخير " أنت قلت " تعنى " نعم " . مما سبق نجد أن المسيح قد قَبِلَ من أعضاء المجمع اليهودى أن يكون الماسيا ، ولكن ينقلهم إلى نبؤة دانيال " منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله " ( لو69:22 ) . هذة النبؤة مذكورة فى ( دا 13:7-14، مز1:109) على الماسيا الفادى الإلهى للعالم أجمع وليس على الماسيا القومى ، وإجابة المسيح على سؤال بيلاطس " أ أنت ملك اليهود " أجاب " مملكتى ليست من هذا العالم ، لوكانت مملكتى من هذا العالم لكان خدامى يجاهدون لكى لا أسلم إلى اليهود . ولكن الآن ليست مملكتى من هنا " ( يو36:18) . إن مملكة المسيح لها طبيعة روحية ولم يأت لكي يؤسس مملكة عالمية ودنيوية ، لقد رفض تأسيس حكومة إلهية يهودية . هذا ما يفسر تحفظ المسيح على لقب الماسيا لدرجة أنه أوصى التلاميذ في مواقف معينة أن لا يقولوا لأحد عن هويتة : " حينئذٍ أوصى تلاميذة ان لا يقولوا لأحد أنه يسوع المسيح " ( مر30:8، لو21:9) .

الجمعة، 12 يونيو، 2015

معمودية التوبة ومعمودية الروح


معمودية التوبة ومعمودية الروح


المطران يوحنا زيزيولاس

ترجمة عن اليونانية د.جورج عوض إبراهيم



Ιωάννης (Ζηζιούλας), μητρ. Περγάμου: "Το βάπτισμα της μετανοίας και το βάπτισμα του Πνεύματος"
يتحدث كل من المقطع الإنجيلي (يو29:1ـ34) والنص الرسولي في سفر الأعمال (أع1:19ـ8) الذين سمعناهم أيها الأخوة الأحباء، عن معموديتين ـ الواحدة هي معمودية التوبة والأخرى هي معمودية الروح القدس. معمودية التوبة تممها يوحنا السابق، أما المعمودية بواسطة الروح القدس تممها الرب. المعموديتان لديهما أهمية عميقة، لكل من حياة الكنيسة ولحياة كل المؤمنين ومن الأزمنة القديمة تميز الكنيسة المعموديتين.



أود أن نتعمق لاهوتيًا في هذا الموضوع في هذا العيد، الاحتفال الذي نتممه تجاه تكريم القديس والنبي يوحنا السابق والمعمدان الذي إعترف أيضًا  وكرز بيسوع المسيح كأعظم منه وكالآتي لأجل معموديتنا في الروح القدس.

المعمودية، هي التغيير العظيم للإنسان من جهة علاقته بالموقف الذي أخذه الإنسان الأول، آدم، ليبتعد عن الله ويعلن ذاته بأنها الله. هذه الإلتفاته تجاه الله تحتاج إلى توجه حاسم من الداخل. التوبة هي بالضبط تغيير موقفنا تجاه الله وتجاه العالم. بدلاً أن تكون ذواتنا هي الله، مثلما كان آدم الساقط بالنسبة لذاته، يجب على الإنسان أن ينكر ذاته كإله، أن ينكر ذاته، كمركز العالم ومركز حياته وبهذا الإنكار لذاته يتوب، ويرجع ويُخضع إرادته لإرادة الله وبهذه الطريقة تنطلق الحياة الجديدة، الحياة في المسيح. الطريق ينفتح تجاه ملكوت الله. لكن هذا الحدث بحد ذاته ليس هو ملكوت الله!!!

التوبة إذن لا تكفي لكي يصل المرء إلى ملكوت الله. بالتأكيد إنها البوابة التي يجب على المرء أن يمر منها لملكوت السموات وأنه في غاية الأهمية أن يمر من خلال هذه البوابة لأنه لا يمكن أن يصل إلى ملكوت الله إن لم يغير موقفه المتضامن مع الإنسان الأول، آدم، مخضعًا إراداته إلى إرادة الله. بهذه الطريقة يفتح الباب الضيق كما يسميه الرب، باب التوبة. الباب الذي دخل من خلاله عبر الدهور كل قديسي كنيستنا، كل القديسين والشهداء بالتأكيد الذين أنكروا ذواتهم وليس فقط إرادتهم، لكن أنكروا وجودهم لأجل الله. والعظماء الذين كرسوا حياتهم في إنكار إراداتهم سواء بخضوعهم لأبيهم الروحي أو في كل حالة، جاهدوا لكي يكونوا مرضين عند الله. هؤلاء كلهم دخلوا من باب الملكوت باب التوبة.  

إنها إذن معمودية التوبة، معمودية السابق وعندما سأل بولس الرسول أهل أفسس، كما يقول لنا في النص الرسولي الذي سمعناه في (أع1:19ـ8)، السؤال الذي قدمه هو: "«هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ:«وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ» (أع2:19). بالتالي، معمودية يوحنا، معمودية التوبة، ليست إكتمال للمسيرة نحو الخلاص. معمودية التوبة، كما قلنا، هي الباب الذي يجب أن نمر من خلاله وأنه هو شرط غير قابل للانتهاك لأنه لا يوجد طريق آخر تجاه ملكوت الله. لكن إن توقفنا هناك عند باب التوبة لن ندخل ملكوت الله. الروح القدس يُعطَّي بواسطة المعمودية التي هي بواسطة الروح القدس هذا يحدث في هذا الذي نسميه " الكنيسة".

ما الأكثر الذي يقدمه الروح القدس من ما تقدمه معمودية التوبة؟

 الروح القدس يُوصف في العهد الجديد بملامح معينة. من بينها:

1ـ إنه الروح القدس الذي يُحضِر ملكوت الله في العالم، في التاريخ أي يُحضر الأخرويات في التاريخ كما يصف سفر أعمال الرسل يوم الخمسين، مستخدمين نبوة يوئيل، الروح يأتي في أواخر الأيام. ويُحضر الأخرويات في التاريخ. أي يُحضرنا لنكون أمام في ملكوت الله ويدعونا أن ندخل إلى ملكوت الله.

2ـ والملمح الآخر للروح القدس هو أنه يمثل الشركة ـ يُحضر شركة الروح القدس إلى العالم خالقًا بالضبط جماعة الكنيسة! عائلة أولاد الله (أنظر يو12:1).

هكذا، لا يمكن للمرء أن يكون عضو لملكوت الله أن يتقدس، أن يصير قديس! إن لم يوجد أولاً في الكنيسة. وثانيًا إن لم يعيش في الكنيسة الخلاص في المسيح، أي لا يشارك في عشاء الملكوت الذي هو الإفخارستيا. بالتالي، الإفخارستيا هي تلك التي تحقق ملكوت الله في التاريخ وتدعوا كل الذين مروا من الباب الضيق للتوبة أن يذوقوا ثمار الروح القدس، أن يذوقوا الفرح وبهجة عشاء الملكوت. لأجل هذا أيضًا تُتَمَم الإفخارستيا دائمًا في الكنيسة كحدث فرح وبهجة ولا تُتَمَم أبدًا في أيام وفترات الصوم مثلما يكون في الأربعين المقدسة. لأجل هذا أيضًا ترتبط بالقيامة وبيوم الأحد. لأن كل تتميم للإفخارستيا هو تكرار ليوم الرب. إنه عشاء الملكوت!!!

الروح القدس يُحضر الأخرويات، ملكوت الله إلى التاريخ، إنه يدعونا: أن نتذوق مسبقًا الملكوت طالما أننا قد مررنا من باب التوبة الضيق. لأجل هذا تضع الكنيسة دائمًا شروط لأجل المشاركة في الإفخارستيا.

أيها الأخوة الأحباء، أود أيضًا أن أشدد على أنه لا يكفي التوبة. لأنه يوجد تيار يجعل التوبة عامل مثالي. نعم، أكرر: أنها شرط لكن ليست هي نهاية الرحلة. لو توقف المرء وإنتظر عند محطة التوبة لن يستفيد شيئًا. أقول هذا مرات كثيرة كمثال:  لو أن مريم المصرية التي كل حياتها، قد خصصتها في توبة قاسية، لم تشترك في الأسرار المقدسة قبل موتها، أتسائل هل كانت ستكون قديسة؟ هل كانت ستخلص؟ أقول هذا، لأنه توجد تيارات معينة وارتباكات في هذا الموضوع. لكن أعتقد أن نص الإنجيل اليوم والنص الرسولي هما اللذين يجيبا بخصوص هذا الموضوع.

معمودية التوبة! نعم مصطلح هام لأجل السير عكس اتجاه السقوط، وأيضًا تتبعها الخطوة الأكبر، المعمودية في الروح القدس، التي تعني المشاركة في الروح القدس. المشاركة في ملكوت الله في هذا العالم، وفي التاريخ، الروح يُحضر الملكوت لتُقدمه الكنيسة لأجل هذا قال الآباء: خارج الكنيسة لا يوجد خلاص. هل يمكن للمرء أن يتوب في قلايته كل حياته، هل يمكن أن يصل لقمة النسك، إسمحوا لي أن أقول، القمة التي يمكن أن يجدها المرء خارج الكنيسة وخارج المسيحية هي قمة نسك رهيبة لكن في ماذا يفيد، إن لم يذوق المرء ملكوت الله في الكنيسة؟

إذن يا إخوتي كم هي ضرورية، الكنيسة. أمرًا نحن ننساه، نهمشه مرات كثيرة وبالحري في عصرنا.

إذن ـ يجب أن نقيم الكنيسة في ضمائرنا وفي الحياة اليومية للجسد الكنسي، الذي فقد ـ مرات كثيرة ـ إدراك هويته. لا يعرف ما هي الكنيسة، هل هي مؤسسة خيرية؟ هل هي مؤسسة قومية؟ هل هي سور أيديولوجي؟ هل هي مكتب سجلات؟ هل هي عيادة نفسية؟

الجسد الكنسي، طبقًا للقراءات التي سمعناها، هو: الجماعة الإفخارستية التي تقدم لنا شركة الروح القدس وبهذه الطريقة تعطينا تذوق ملكوت الله.

أيها الأخوة الأحباء، كنت أود أن أقول هذه الأقوال بكل تواضع وأنا بينكم في الدير حيث معمودية التوبة، التوبة تمثل الهدف الأساسي للوجود ولحياة الأخوة النُساك، حيث أيضًا لا يُهمل قداسة الإفخارستيا.

دعونا نمجد الله، ليتنا نترجاه كنيستنا ـ الجسد الكنسي، كل جماعة كنسية ـ أن تجد الطريق الصحيح، التوازن الصحيح، أن تجد هويتها.

هكذا بهذه الطريقة، بواسطة شفاعة يوحنا النبي السابق والمعمدان، ستكون كنيستنا أيقونة لملكوت الله في داخل العالم، الذي يسير بدون بوصلة.

القديس يوحنا السابق الذي إعترف بأن معمودية التوبة لا تكفي بل الحاجة إلى معمودية الروح القدس، ليته يتوسط لأجلنا حتى بنعمة الرب أن نمر من باب التوبة الضيق ونتذوق بالفعل من هذه الحياة، ملكوت الله في داخل الكنيسة ونستحق أن نحياها في الملء عندما يأتي الله لكي يثبت ملكوته آمين.

المصدر: www. Pemptousia. gr       

 

الجمعة، 29 مايو، 2015

الروح القدس بين العهدين


الروح القدس


بين العهدين القديم والجديد

د. جورج عوض إبراهيم

 

مقدمة

          الروح القدس ليس مجرد قوة بل هو الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس، وهو واحد مع الآب والابن في الجوهر. وبما أنه أحد الأقانيم الثلاثة فهو غير الآب والابن. فالروح القدس ليس هو الآب كما أنه ليس هو الابن، ومع هذا فهما إله واحد وهذا ما نردده في البسملة "باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد آمين". وأفعال الروح القدس كما أعلنها الوحى الكتابى هى كثيرة، نذكر منها الآتى:

          + الروح القدس يفحص كل شئ: " لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله" (1كو10:2).

          + الروح القدس يعرف: " لأن مَنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله" (1كو11:2).

          + الروح القدس يشاء ويعمل: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء" (1كو11:11).

          + الروح القدس يحزن: "ولا تُحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء" (أف30:4).

          + الروح القدس يعلم ويذكر: "وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو26:14، أيضًا لو12:12، مت10:23).

          + الروح القدس يوّجه: "وبعدما اجتازوا في فريجية وكورة غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا في آسيا..." (أع6:16ـ7).

          + الروح القدس يقود: " لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رو14:8).

          + الروح القدس يُعين ويشفع: "ولذلك الروح أيضًا يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها" (رو26:14).

          + الروح القدس يُحب: " فأطلب إليكم أيها الاخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معى في الصلوات من أجلى إلى الله" (رو30:15).

          + الروح القدس يتكلم من خلال الأنبياء: " لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2بط21:1. راجع مت43:22ـ46، أع16:1، 25:4، 25:25ـ26، عب15:10، 2صم1:23ـ3، حز2:2، 1:11، ميخا8:3).

          + الروح القدس المعزى:" أما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى ..." (يو26:14).

          + الروح القدس عندما يتحدث يستخدم ضمير "أنا": "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح االقدس افرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه"(أع2:13، انظر يو26:15، أع27:15ـ18).

          + يُدعى الروح القدس "الرب": " وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية" (2كو17:3).

          + الروح القدس يُحيي ويُعطى حياة: "وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم" (رو11:8).

          + الروح القدس يشهد للمسيح: "ومتى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى" (يو26:15).

          + الروح القدس يقود إلى الحق: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية" (يو13:16).

          + الروح القدس يعلن "كل الحق" أى محتوى الإيمان: " فأعلنه الله لنا نحن بروحه" (1كو10:2).

 

عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم

          إن عمل الروح القدس في مؤمني العهد القديم هو مختلف عن عمله في مؤمني العهد الجديد. فالروح القدس في العهد القديم كان مع المؤمنين. أما في العهد الجديد هو داخل المؤمنين كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي: (يو17:1).

          أيضًا في العهد القديم أُعطى الروح القدس إلى أناس محددين لفترة زمنية محددة ولخدمة معينة[1]. والآن نسرد بعض الأشخاص الذين أُعطى لهم الروح القدس:

+ لقد أُعطى الروح القدس إلى يوسف لكي يعرف تفسير أحلام فرعون: تك 40:38.

+ الروح القدس أُعطى إلى بصلئيل لكي يصنع خيمة الشهادة: خر1:31ـ3.

+ الروح القدس أُعطى للسبعين شيخًا لكي يحكموا مع موسى شعب إسرائيل: عد24:11ـ29.

+ الروح القدس أُعطى لبلعام لكي يتنبأ: عد5:23ـ6.

+ الروح القدس أُعطى ليشوع بن نون بوضع أيدي موسى لكي يقود إسرائيل: تث9:34.

+ الروح القدس أُعطى لـ عثنئيل لكي يقود إسرائيل: قض9:3ـ10.

+ الروح القدس أُعطى لجدعون لكي يحرر الشعب من المديانيين: قض34:6.

+ الروح القدس أُعطى ليافث لكي ينتصر على العمونيين: قض29:11.

+ الروح القدس أُعطى لشمشون لكي يقتل أسد: قض5:14ـ6.

+ الروح القدس أُعطى لصموئيل ومسحه ملكًا: 1صم10:10.

+ الروح القدس أُعطى لداود ومسحه ملكًا: 1صم13:16.

+ الروح القدس أُعطى لداود وألهمه ليكتب المزامير: 2صم2:23.

+ الروح القدس أعطى لزكريا القوة والشجاعة ليقول لأناس عصره إنهم مخالفون لوصايا الله: 2أخ20:24.

+ الروح القدس أتى إلى حزقيال لكى يتنبأ إلى بنى إسرائيل: حز1:2ـ2.

+ الروح القدس أتى إلى دانيال وفسر الأحلام: دا5:4.

+ عامةً الروح ينير أنبياء العهد القديم: 2بط21:1، زك12:7، أع26:28، إش9:6ـ10، أع16:1.

+ يوحنا المعمدان ارتكض بالروح القدس بينما كان مازال في بطن أمه: لو15:1ـ16.

+ أليصابات امتلأت بالروح القدس وتنبأت بأن مريم هى أم الرب: لو41:1ـ44.

+ زكريا الكاهن قد امتلئ بالروح القدس وتنبأ عن ابنه يوحنا: لو67:1.

+ سمعان الشيخ بوحى الروح القدس عرف الطفل يسوع فى الهيكل: لو26:2ـ28.

 

الروح القدس والمسيح

          العهد الجديد مملوء بشواهد عن حضور الروح القدس من البداية إلى النهاية. المسيح أُعلن في الأناجيل أمام عيوننا بالمعمودية، عندما أخذ الروح القدس. هذا الروح قاده إلى الصحراء حيث صارع مع الشيطان وانتصر عليه لأجل خلاصنا. ودخل المسيح إلى المجمع، وهناك علَّم وهو مملوء بروح الله. كل تاريخ المسيح المدون في الأناجيل ليس شيئًا آخرًا إلاّ البرهنة على أن يسوع حامل للروح القدس ومنتصر على الشيطان والفساد والموت، والجهل والخطية والجوع والبؤس والشقاء. أيضًا سفر أعمال الرسل الذي يحكي عن استمرارية المسيح في العالم ليس شيئًا آخرًا إلاّ حقيقة الروح القدس داخل الكنيسة. في عظات الرسل نجد هذه العبارات: " حينئذٍ امتلأ بطرس من الروح القدس وقال.." (أع8:4)، أو عندما يصنعون معجزات أيضًا " بقوة الروح القدس" (رو13:15)، وكذلك " باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش" (أع6:3). فالروح القدس كان يقود الرسل في كل خطوة.

          كان المسيحيون لا يستطيعون أن يدخلوا بلدة ويتجهون ناحية الشمال، أو ناحية الشرق أو ناحية الجنوب إلاّ بقيادة الروح القدس.

          أتى الابن باسم الآب إلى العالم لكي يعلن الآب ويتمم مشيئته. والروح القدس أرسله الابن لكي يشهد له، لكي يُظهره ولكي يُكمل بمواهبه عمل المسيح في المؤمنين. فالمهمة الأساسية للروح القدس هى أن يعلن شخص المسيح ويجعله حاضرًا، ويعطي شهادة عنه ولكي يجعلنا متحدين به[2].

          لكن بينما المسيح يجمع ويكمل الطبيعة البشرية عن طريق إتحاد المؤمنين في جسده، فالروح القدس يخص الأشخاص كلٍ على حدة ويملأهم بعطاياه بطريقة فريدة وشخصية لكل واحدٍ. هذا ما حدث يوم الخمسين حيث حلَّ الروح القدس في كل واحد من الحاضرين، في شكل ألسنة نار (أع3:2)[3].

          وفق إرسالية المسيح إلى العالم فإن علاقة البشر بالروح القدس قد تحققت بواسطة المسيح فقط و"في المسيح". بينما بعد يوم الخمسين فإن العلاقة بالمسيح تتحقق فقط بواسطة الروح القدس[4]. الروح القدس كان يعمل بطريقة مختلفة في العهد القديم عنه فى العهد  الجديد. عندما كان يعمل في العهد القديم لم يكن يمثل مصدرًا لقداسة النفس، "للإنسان الداخلي" بل شفاءً للجسد. بهذا المفهوم يُسمى ذهبي الفم بركة بيت حسدا نعمة[5]، ففي العهد الجديد نعمة الروح هى قوة الولادة الجديدة التي تشفي مرض النفس وتعين المؤمنين على خلاصهم في المسيح[6].

          دعنا نرى الآن دور الروح القدس في حياة يسوع المسيح.

الروح القدس طهَّر وقدَّس والدة الإله من لحظة الحمل المقدس. لذلك يتحدث آباء كثيرون على سبيل المثال

          القديس غريغوريوس اللاهوتي يقول عن هذا الحدث العظيم: [وُلِدَ (الكلمة) من العذراء التي تقدست نفسها وأيضًا جسدها بواسطة الروح ـ لأنه كان يجب أن تُكرم الولادة وأيضًا تكرم العذراء مسبقًا ـ لكن ظل هو إلهًا بعدما أخذ الطبيعة البشرية][8].

          وأيضًا يقول القديس باسيليوس الكبير: [ غير الجسدي أتى إلى عالمنا المنظور، وأخذ جسدًا لذاته ليس غريب عن الذي لنا، لكن من العذراء الطاهرة، كوّنه بواسطة الروح القدس، وصار لباس خيمة للكلمة، لكي يبطل بواسطته ناموس فساد البشر، والكلمة الذي خلق من البداية الإنسان بحسب شبهه الخاص، أعاده مرة ثانية إلى شبهه، بأن تشبّه هو نفسه بخليقته][9].

في عماد المسيح ظهر الروح القدس على شكل "حمامة" (مز10:1، لو21:3، يو32:1، مت16:3) وفق القديس إيرينيوس فإن الآب هو ذاك الذي يمسح، المسيح هو ذاك الذي يُمسح والروح القدس هو المسحة[10].

          عن ظهور الروح القدس مثل حمامة يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: [ ظهر مثل حمامة... والسبب هو أنه منذ القديم أحضرت الحمامة أخبار مفرحة عن انتهاء الطوفان][11].

بعد العماد انقاد المسيح بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4، مر12:1، لو1:4ـ2):

          الروح القدس قاده إلى البرية لكي يجاهد ضد الشيطان[12]

 

بدأ المسيح نشاطه الجهارى وهو ممسوح من الروح  القدس

          انظر (لو16:4ـ21، مت18:12، لو14:4، أع38:10، رو4:1). وعن نزول الروح القدس فوق الابن يتحدث النبي إشعياء11:11. ذُكر في الكتاب المقدس أن المسيح مُسح بالروح. هذه المسحة تخص طبيعته البشرية ولا تخص كلمة الله الأزلي الذي هو مساوٍ للآب في الجوهر. ولقد قبل المسيح المسحة برهانًا لإخلائه الفائق وغير الموصوف. المسيح مُسح كإنسان بينما كإله هو نفسه له الروح القدس (روح الابن) وهو مانح الروح للخليقة[13].

 

المسيح أخرج الشياطين بواسطة الروح القدس: مت28:12

          ويفسر القديس باسيليوس هذا المقطع قائلاً: [ الروح القدس، كما تعرفون، صار مسحة وهكذا كان دائمًا متحدًا بجسد الرب. ومنذ ذلك الوقت كان حاضرًا فيه بدون انفصال كما هو مكتوب. وإذا تحدثنا عن التدابير الخاصة بالإنسان التي تمت بواسطة إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح (تي13:2)، فمَن يمكنه أن ينكر أنها تمت بنعمة الروح القدس؟! فهل تريد أن تفحص الموضوعات الأولية مثل: بركات البطاركة والمعونة التي حصلت بنزول الشريعة، الرموز، النبوات، قوة الأبطال في الحروب، معجزات الأبرار... أو ما حصل في تدبير مجيء ربنا في الجسد. الكل تمَّ بالروح في المقام الأول صار الروح المسحة وصار حاضرًا بلا افتراق في جسد الرب، كما هو مكتوب " الذي ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه  فهذا هو ابني الحبيب" (يو33:1، مت17:3) و" يسوع الناصري الذي مسحه الله بالروح القدس" (أع38:10). ومن ثم كان الرب يتمم كل أعماله بالروح. وكان معه حتى عندما جربه الشيطان، فقد كتب " أُصعد يسوع بالروح إلى البرية ليُجرب" (مت1:4) وكان معه بلا افتراق عندما صنع الأعمال العجيبة (مت22:7)، لأنه مكتوب: " إذا كنت أنا بروح الله أُخرج شياطين" (مت28:12)، ولم يفترق عنه عندما قام من بين الأموات. لأنه لما أراد أن يجدد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله والتي فقدها الإنسان الأول قال: " اقبلوا الروح القدس، من غفرتم..." (يو22:20)][14].

          هكذا كل أفعال المسيح صارت دائمًا بتعضيد الروح. لقد كان الروح معه وعندما جُرب يسوع من الشيطان ـ كما يقول الكتاب ـ انقاد بواسطة الروح إلى البرية لكي يُجرب (مت1:4). وعندما فعل معجزات، كان غير منفصل عنه، طالما هو نفسه يقول: " إن كنت بروح الله أخرج الشياطين" (مت28:12)[15].

الرب وَعَدَّ تلاميذه بأنه بعد رحيله سوف يرسل لهم الروح لكي يعطيهم قوة ويقودهم ويُعلمهم ويجعلهم شهودًا له، ويدين العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة (يو37:7ـ39).

          وعن سؤال لماذا لم يُعطَ الروح قبل صلب المسيح؟ يرد القديس يوحنا ذهبي الفم قائلاً: [ لأن البشرية كانت تعيش في الخطية وفي العثرات، وفي البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذي حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالي، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعني أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح " إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" (يو17:16). يقول إن لم أنطلق ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزي][16].

 

المسيح بعد القيامة أعطى الروح القدس إلى تلاميذه (يو21:20ـ22)

          يشرح لنا القديس كيرلس هذه الحقيقة قائلاً: [ لقد أعلن المسيح أنه سيرسل لنا من السماء المُعزي عندما يصعد إلى الله الآب وبكل يقين فعل هذا، لأنه بعد صعوده سكب الروح بغزارة على كل الذين كانوا يرغبون قبوله. لأن كل إنسان يستطيع قبول الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة كما قال النبي " سأسكب من روحي على كل جسد" (يوئيل28:2)]. ويستمر القديس كيرلس في حديثه موضحًا سر نفخة المسيح لتلاميذه قائلاً: " كان من الضروري بالنسبة لنا أن نرى الابن يمنح لنا مع الآب الروح القدس... لأن الله الآب في البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه  ["ونفخ في أنفه نسمة الحياة" (تك7:2). ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستُعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان في البدء]. ويتساءل القديس كيرلس قائلاً: كيف جدده الابن؟ فيجيب هو نفسه: [ بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشري إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا]. ويأتي القديس كيرلس إلى كشف سر النفخة شارحًا بكلام واضح وصريح، إذ يقول: [ولكي نعلم أنه هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى "نفخته" للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة. وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندما جدَّد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله. ولا يوجد لدينا أدنى شك في أن الروح القدس هو الذي يختم صورة المخلّص على قلوب الذين يقبلون المخلص[17].

 

خاتمة: حضور الروح القدس

          إننا نرى عمل الروح القدس فينا بطرق مختلفة، منها

          + سُكنى الروح القدس في أعضاء الكنيسة يجعل هذه الأعضاء قادرة على أن تعترف معًا في كل الأرض وفي كل الأزمنة بألوهية المسيح. هذا الاعتراف المشترك يدل على حضور الروح القدس الذي يبنى وحدة الكنيسة الجامعة والشاملة.

          + الصلاة لأجل بعضنا البعض ولكل العالم يمثل الظهور الدائم لحضور الروح القدس في الكنيسة.

          + شركة القديسين عبر الأزمنة هو بمثابة اعتراف للخبرة الحياتية لحضور الروح القدس الفعّال داخل البشرية المتحدة في المسيح.

          + قوة الروح القدس تُعاش بالمحبة الشديدة تجاه الله والقريب.

 

 





[1] انظر الرسالة الأولى عن الروح القدس للقديس أثناسيوس إلى سرابيون A:5


[2] Boris Bobrinskoy, Τό Ἀγίο πνεῦμα εἰς την θείαν Λειτονργίαν, περιοδ. Ἐκκλησία 15.5. 1965, p. 294.


[3] Π. Ευ δοκίμωφ, το Αγίο πνεῦμα στὴν ορθόδοξη παράδοση, Θεσσαλονίκη 1973, σσ. 111-112.


[4] المرجع السابق ص115.


[5] انظر ذهبي الفم، عظة عن البصخة 5، PG 52, p. 771


[6] Στόγιαν Γκόδεβιτς, Η περί θείας χάριτος διδασκαλία Ἰωαννου τοῦ χρυσσοστόμου. περ. θεολογία 1956, 6. 224.


[7] المديح الأول على رقادها، 4، 1ـ3 PG 96, 700


[8] Λόγος ΛΗ' 13, ΕΠΕ 5, σ. 59.


[9] ΑΤΑΠ 10, σ. 67.


[10] Π. Ευδοκίμωφ, Η ορθοδοηία… σ. 198.


[11] Λόγος Λθ, ΕΠΕ5 σ. 103.


[12]  تفسير إنجيل متى Π.Ν. Τρεμπέλα، أثينا 1958، ص67.


[13] Ανδρέου θεοδώρου. Η περί εκπορεύσεως τοῦ Αγίου πνεύματος διδασκαλία κύριλλου τοῦ Αλεξανρείας καί Επιφανίου κύπρου, Αθῆναι 1974, 40-41.


[14]  الروح القدس، القديس باسيليوس، ص114ـ115.


[15] عن الروح القدس ΑΤΑΠ 10, σ. 77.


[16] عيد الخمسين، عظات للقديس يوحنا ذهبي الفم. ترجمة د. جوزيف موريس، د. جورج عوض، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية مايو 2004، العظة الأولى ص15.


[17]  القديس كيرلس الأسكندرى، قيامة المسيح، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، أبريل 2003، ص26ـ27.