الجمعة، 20 أبريل 2012

مكاسب القيامة


مكاسب القيامة

د. جورج عوض إبراهيم

ما المكاسب التي حصلنا عليها من القيامة ؟

أولاً : أعطتنا المسيح الحيّ . دُفن المسيح ثلاثة أيام في القبر، وبدا ان الموت قد إبتلعه مثلما بلع الحوت يونان النبي . في النهاية أخرج الحوت  يونان حياً . هكذا أيضاً الموت تقيأ المسيح حياً. لماذا تقيأ الحوت يونان حياً ؟

لأنه لم يجد في يونان طعاماً مناسباً ، طعامه المعتاد . لقد بدا له يونان انه طعام غير معتاد عليه ، لذلك لم يستطع ان يفترسه ويهضمه . أُجبر ان يًخرجه حياً.

والوحش الذي يُسمى الموت  تقيأ المسيح حياً لأنه لم يجد فيه الطعام الذي يعرفه. طعام الموت هو الخطية. المسيح كان لا علاقة له بالخطية. بالتالي بالنسبة لمِعدة الموت كان المسيح ثقيل جداً ولا يُهضم ( ق.ذهبي الفم ( ΕΠΕ31,294  ) 

بالقيامة خرج المسيح الحيّ الذي هو حجر الزاوية الثمين.

عندما يبتلع أحد حجراً ، أولاً تحاول المعدة ان تفرز سوائل لهضمه . إن فشلت في هذا الأمر ووجدت ان هذا مستحيل، عندئذٍ تتقيأ الحجر بألم شديد.   مثل هذا الأمر حدث مع الموت. حينما بلع يسوع المسيح الذي هو حجر الزاوية ، الحجر الثمين . لم يستطع ان يهضمه ليحلله ويُخفية . أًجبر ان يطرده خارجاً بآلام شديدة.  وهو يتقيأ يسوع المسيح تقيأ معه كل الطعام الذي كان في معدته . أي كل الطبيعة البشرية. بقيامة المسيح  قامت كل البشرية (  ΕΠΕ31,294-296).

ثانياً : بالقيامة خرج الموت ميتاً ! بدلاً من ان يبتلع المسيح أُبتلع هو ذاته : [  وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ» ] 1كو54:1. قيامة المسيح ألقت خارجاً عُقم الموت .

لدينا في العهد القديم ولادات معجزية من نساء عاقرات، مثل ساره أم إسحق، رفقة أم يعقوب ، حِنه أم صموئيل ، أليصابات أم يوحنا السابق . هؤلاء ولدن بطريقة معجزية.

هذه الأحداث المعجزية تشير إلى ولادة الإله المتأنس ليس من عاقر بل من عذراء. إنها ترمز لولادة حشد من الأولاد من كنيسة كانت عاقر قبل المسيح. تشير إلى القيامة من أرض عاقر وقبر عاقر. تشير إلى عُقم الموت. يقول القديس ذهبي الفم : " قد سبق للعاقرات ان تلد لكي تؤكد ولادة العذراء. وليس هذا فقط . لو تفحصنا الأمرجيداً هذا الأمر يصور لنا عُقم الموت " (ΕΠΕ31,296 ) .

ولادة إسحق من سارة العاقر ترمز إلى قيامة المسيح من أرض عاقر. مثلما ولادة إسحق كانت إختبار الإيمان لآبرآم ، هكذا قيامة المسيح هي إختبار الإيمان لكل مسيحي. ومثلما صار إبرآم أب لأناس كثيرين وللأمم ، هكذا المسيح بقيامته صار أب لكثير من المسيحيين. بقيامة المسيح أُصيب الموت بالعقم . كان للموت أجنة في الهاوية . والآن بالقيامة جُرد الموت وصار ميتاً. أيضاً القيامة أبطلت خوف الموت . لن نحيا مرعوبين من الموت . لن نهابه.

ثالثاً : قيامته تمثل ضمان لقيامتنا. يقول القديس ذهبي الفم : " بعدما مات حقاً ، قام. لأجل ذلك أيضاً كان مع تلاميذه لمدة أربعون يوماً لكي يُخبرهم ويُظهر لهم كّم البهاء الذي ستكون عليه أجساد كل المؤمنين بعد القيامة " ( ΕΠΕ31,246)  . بما ان المسيح هو الرأس ونحن جسده ، هل يمكن ان يقوم الرأس ويظل الجسد ميت؟  إذن قيامة المسيح تعني قيامة أجسادنا. وحيث أننا قمنا نرى بالرجاء الحياة. نواجه بجرأة الضيقات والآلام : " نعاني في الحياة الحاضرة من آلام شديدة. إن لم يوجد رجاء في الحياة الأخرى عندئذٍ مَنْ هو الآخر الذي هو أتعس مِنا؟ " ( ΕΠΕ31,602,604).

رابعاً : القيامة أعطتنا أن نحيا حياة جديدة ، فالقيامة تُعيد إحياء الإنسان . العالم يجعلنا نشيخ أما المسيح يعيد إحيائنا مرة أخرى. المسيح بقيامته من القبر أخذنا نحن الخطاه العجزة والذين على وشك الموت وجعلنا شباب وأُمراء لممالك. منحنا الشباب الأبدي.

إذن ثمار القيامة هي :

إماتة الموت
رجاء الحياة الأبدية
حضور المسيح الحيّ
ربيع الحياة الروحية
السلام الحقيقي والفرح الحقيقي

 

                                                                   


ا


الجمعة، 13 أبريل 2012

سر القيامة


سر القيامة


ألكسندر شيميمن- عن كتاب " القيامة والحياة " مجموعة مؤلفين ، إصدار أرموس ، أثينا 1996 ، ص89-100 – ترجمة د.جورج عوض إبراهيم

·      "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذُبح لأجلنا" (1كو7:5).

·      "...ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن إبن الإنسان. لأنه يُسلم إلي الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه. ويجلدونه وفي اليوم الثالث يقوم" (لو31:18ـ32).

أثناء فترة الأربعيين المقدسة من كل عام ـ "نصعد" مرة ثانيةً "إلى أورشليم" لكي نصير شهود هذا الحدث الفريد والذي ليس له مثيل ـ لكن عندما تكلم عنه فادينا للرُسل "وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا وكان هذا الأمر مُخفى عنهم ولم يعلموا ما قيل" (لو14:18). على العكس, اليوم قد أُعلن لنا مفهوم كل هذا داخل الكنيسة.

الآن ومنذ الفين عام, تبشر الكنيسة بموت الرب وتعترف بقيامته. الكُل قد أُعطّى لنا والكل أُعلن أمام أعيوننا. حقاً, اليوم قد تعايشنا مع هذه الرسالة, إذ قد عرفناها جيدًا وقد سمعناها وقد إستلمناها مرات كثيرة, وقد صار مفهوم هذه الرسالة جزء طبيعي ولا يتجزأ من حياتنا. البصخة للأسف لدينا الآن هي عيد "فلكلوري", "تقليد ثقافي" حيث لا أحد يتصور أن لها تأثير تجديدي عميق في حياتنا, أو أنها نُصرة المسيح داخلنا وحولنا. ولكن هذا هو بالضبط ما تطلبه الكنيسة منا.

داخل أسبوع الآلام, لا تحاول الكنيسة ببساطة أن تقدم لنا "رموز" مادية للتزيين, لكن تتمم ذبيحة الذكري, والتي إليها كل واحد منا مدعوا للمشاركة.

أي شيء آخر كان العشاء السري إلا الشركة السرائرية في الجهاد (الصراع) الآتي للرب الذي أُعطى لنا في نفس الليلة التي بذل جسده لحياة العالم, حدث يذكرنا بخميس العهد, بارامون آلامه؟ "هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكري... هذه الكأس هو العهد الجديد بدمي الذي يُسفك عنكم" (لو19:22ـ20). أي شيء آخر يمكن أن يعني هذا إلا أن هذا الخبز وهذا الخمر كانا شركة التلاميذ في موت الرب الآتي ، وأن الموت الذي تأخذه كطعام يصير حياة لنا. من هذه الليلة وبعد ذلك, لكي تصير مسيحي يعني فوق كل شيء أن تكون مشارك ومشترك في موت المسيح لكي تُقام معه في الحياة الأبدية. إن موته وقيامته أُعطي لنا في العشاء السري وأنه أزليًا (أبديًا) مُعطى في كل مرة نشترك في التناول من جسده ودمه. بالتالي , في اليوم الذي أُسس هذا السر ـ عيد خميس العهد, والذي كان في الكنيسة الأولي يوم مصالحة التائبين بالكنيسة وعودتهم إلي الإشتراك في حياة الكنيسة ، هو البداية الحقيقية للثلاث أيام, التي تمثل المبادئ الأساسية لإيماننا.

لقد خرج يهوذا من العشاء السري لكي يخون معلمه, "وكان ليلاً" (يو30:13) عندما خرج. هذه الليلة, والتي يتكلم لنا عنها يوحنا الإنجيلي, هي الظلام الأخير, الإنتصار الأخير لظلمة الخطية والموت والتي كان علي إبن الله أن يغزوها من أعماقها تدوي الكلمات الأولي للإنتصار "الآن تمجد إبن الإنسان وتمجد الله فيه" (يو31:13). هذا هو أول إنجيل من الإثني عشر مقطع من الأناجيل والتي تقدم لنا في الجمعة العظيمة. لقد ذهب ربنا مع تلاميذه خارجًا إلي جبل الزيتون ـ إلى الآلم والموت ـ فرحيله الذي تكلم عنه لهؤلاء هو منبعث من نور الغلبة الذي يقترب: "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو33:16). إن الساعة التي تكلم هو نفسه عنها وقال أنه "لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة" (يو27:12), إنها قريبة والرب يعرف ويؤكد أن هذه الساعة هي ساعة النصر والمجد لكن الإنتصار والمجد أتيا فقط بسبب الذبيحة الأخروية والكاملة, والتقدمة الذاتية الأخروية, وهكذا كل شيء قد صار ذبيحة. لذلك بعد الصعود الإنتصاري إلي جبل الزيتون "إبتدأ يحزن ويكتئب" (مت37:26), وهذا "الحزن والإكتئاب" سيزداد حتي الدقيقة الأخيرة, حتي إحساس الهجران الكامل من الله فوق الصيب "إهي إهي لماذا تركتني" (مت46:27).

في حقيقة آلام المسيح, وفي جهاد المسيح أمام الموت, تُكشف لنا الأهمية المنسية للموت نفسه, غير ذلك يظل موت المسيح غير مفهوم. نتكلم دائمًا عن "توفيق" συνδιαλλαγή"" مصالحة مع الموت, ونفعله بطريقة طبيعية جدًا ونُسلم به كـ "ناموس طبيعي" للحياة. لكن حينئذٍ ماذا يكون مفهوم الرسالة المسيحية عن الإنتصار على الموت وقيامة الأموات؟ التعليم عن القيامة لا يمكن أن يُعتبر مرادف لعقيدة "خلود النفس" والتي أحيانًا نحصر المسيحية فيها. إن التعليم عن خلود النفس هو مشترك في ديانات كثيرة, هو تبرير للموت وأحد المبررات الكبيرة لصالح المصالحة معه.

لكن إذا كان هذا هو الموضوع, فببساطة سوف لا يوجد سبب للقيامة وسيكون من الصعب أن نفهم لماذا تُوجد القيامة في مركز الإيمان المسيحي. وعلى الأغلب التحويل المستمر للمسيحية إلى "ديانة طبيعية" لها بدايتها في مثل هذا التناول لمشكلة الموت, لو فتشنا على وسيلة لنتخطى خوفنا من الموت ونفلح في "فهم" و"تبرير" الموت يجب أن نقبل أنه يمكن أن تُوجد هذه الطريقة خارج الديانة. "الأبطال" يُضحون عن وعيَّ بحياتهم, لم يكن عندهم أي خوف من الموت ، وبالتالي وجدوا نجاح وعذوبة في صيرورتهم ضحايا. ربما يُقال بيقين أن كل محبة قوية وكل إعتقاد قوي لهما مقدرة أن يتخطيان خوف الموت. عندئذٍ, ما هو مفهوم "حزن حتي الموت" الذي للمسيح عندما إقتربت ساعته؟ بالتأكيد لم تكن "ضعف إنساني". كان خوف الواحد, الذي هو حقيقةً الحياة نفسها, يعرف أن الموت هو عدو الله الذي يدوس إرادة الله في العالم, مدمرًا ومذلاً مخلوقاته. لأن الموت هو إنفصال النفس عن الجسد وهذا الإنفصال هو شر, لأن الله قد وحدّهما لكي يحيان ، في هذا الاتحاد تتحقق حياة الإنسان ، مَنْ يفصل اللذين وحّدهما الله؟ من يُدمر هاذان اللذين خلقهما الله؟ الله لم يخلق الموت. يدعو كل الأشياء إلي الحياة. فرِح بمخلوقاته والحياة التي قد أُعطيت "نور للناس" (يو4:1).

دخل الموت إلى العالم بسبب الخطية. فوق مملكة الحياة سيطر الموت، عالم الله تغير إلى قبر لا حد له حيث ناموس الموت, الإنحلال والإنفصال والفساد صار ناموس الحياة "ناموس الطبيعة". هذا يعني أن ذاك الذي أبطل الله, الذي يُدمر عمله, قد إنتصر في العالم وبالتالي الشيطان هو "رئيس هذا العالم". فقط ننطلق من "الغيرة نحو الله", من الإيمان بالله الخالق, إى الله المُحيّ, يمكن للمرء أن يفهم موقف المسيحية أمام الموت كعدو لهم. لماذا بكى إبن الله على موت لعازر والذي سوف يُقيمة, لماذا "بدأ يحزن ويكتئب" (مت37:26) عندما إقتربت الساعة لكي يذوق الموت. كان حزن الإبن وهو يشاهد عمل أبيه يُداس. كان إمتعاض خالق عالم المجد وهو يشاهده وهو يصير غنيمة شريرة. نتيجة ذلك, أتى ليس لكي يصالحنا بالموت لكن لكي يدوس الموت ويُدمر (يُبطل) تأثيره . أتى وذاق الموت بكل حرية: الحياة أعطت ذاتها إلى الموت لكي تدمر في المعركة الأخيرة قوة الموت الآن : " دينونة هذا العالم" الآن طُرِحَ رئيس هذا العالم خارجًا ( أنظر يو31:12).

لكن, فلنرجع ثانيةً إلى الهيكل حيث الجمع صرخ "أصلبة, أصلبه" وبيلاطس كان قد أعلن قراره. الكل قد هجرة هجروه هؤلاء الذين سبحوه قائلين "أوصنا", وقبلوه كملك لأنه في شخصه رأوا المسيا الأرضي وإنتظروا من مملكته المادية (العامية), تحرير أرضهم, إعادة المُلك لإسرائيل. لم يستطيعوا أن يغفروا له طمس تطلعاتهم الأرضية. لقد هجروه الجنود الرومان لأنهم كانوا ينفذون الأوامر. تركوه التلاميذ ليس لأنهم لم يؤمنوا أنه كان إبن الله, لكن لأن فِرق الملائكة لم تفلح في الإسراع لإنقاذه. لكن هكذا كان يجب أن يحدث كل هذا, لأنه كان من الضروري أن تكون النصره فقط بواسطة إبن الإنسان, لأنه لا يمكن أن يقبل معونة, حتى لا يعني هذا أن ذبيحة إبن الله لم تكن الخلاص الوحيد لهذا العالم. اليوم, بالتأكيد, نحن معه ونندهش بهجران الرُسل له, ورفض بطرس, وقسوة الجنود, وهيجان الجموع. لكن فلنسأل ذواتنا: علي أي جانب سنذهب وقتذاك؟ أليس كل هذا الذي نشتهية ونرجوه من المسيح هو بعيد جدًا عن هؤلاء الذين قدموا الهجران, والقسوة والهيجان؟

الموت يحتفل بنصرته. ساعة الحزن البشري, والحب الأرضي والثقة, وساعة يوسف ونيقوديموس والنساء حاملات الطيب تقترب. دهنوا جسد المسيح بروائح شديدة, ولفوة في كفن, ووضعوه في قبر جديد لم يسبق لأي إنسان أن يُوضع فيه وأغلقوه بحجر على مدخلة. هؤلاء والتلاميذ "لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" (يو9:20).

"وكان يوم الإستعداد (الجمعة παρασκευή) والسبت يلوح" (لو54:23) الليلة التي تسبق السبت العظيم, نحن الذين نتبع الإيمان الأرثوذكسي, نتجمع في الكنيسة حول الكفن لكي نسبح داخل الصمت الرسمي للراحة السبتية, رثائنا إلى الله. داخل هذه الصلاة الليلية, والتي هي قمة الإبدع اليتورجي للأرثوذكسية الشرقية, ألمنا البشري الذي يخصنا ينطلق بالتدريج ليتغير إلى فرح ونبدأ نفهم سر القبر.

الصلاة تبدأ بالمزمور الجنائزي 118. في كل آية تُضاف آيات أخرى تُعبر عن الرهبة, والخوف وحزن الخليقة كلها وهي تشاهد موت الرب. نسأل لكي نتعلم, داخل سؤالنا تشع الإجابة.

"الحياة كيف تموت"؟ الحياة والموت هما متناقضين, لقد رأينا الحياة تموت وتدخل في القبر, تُدفن بلا نفس وتقبل التكفين من أيدي قابله للموت. ليس, المنطق الإنساني المحدود لا عليه أن يتوافق مع التناقض المخيف ولا يمكن أن يتحمله مثلما لم يستطع الرسل "ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل ولكن مع هذا كله اليوم له ثلثة أيام منذ حدث ذلك" (لو21:24). والمشتركون في صلاة باكر البصخة يلمسون هذا النور الملتهب والذي تدريجيًا كل شيء ويشعرون بأن "قلبهم ملتهب فيهم", هذا السر يُعلن. وفي نهاية الصلاة, هذه هي المعجزة لا تسمع بعد مدائح أو رثاء, لكن نسمع النشيد الأول للنصرة " أي أطياب ودموع لنسوة... أرايتم القبر...".

لكن هذا هو شعاع النور الأول والذي فورًا يُميز سهرتنا الطويلة في القبر تستمر ومع هذا النور تدريجيًا ينبلج. يأتي السبت العظيم ونفهم بوضوح أن نياحة الرب في القبر هي راحة سبتيه (ذلك السبت) الذي تحقق فيه الخليقة الجديدة للعالم: "إن موسى العظيم, قد سبق فرسم هذا اليوم سريًا بقوله: وبارك الله اليوم السابع, لأن هذا هو يوم السكون والراحة, الذي فيه إستراح, إبن الله الوحيد من كل أعماله, لما سَبَتَ بالجسد بواسطة سر التدبير المكمل بالموت, ثم عاد بواسطة القيامة إلى ما كان. ومنحنا الحياة الأبدية بما أنه صالح ومحب البشر"[1].

بموته جمّع ربنا كل أعماله. نزل إلي الجحيم لكي يحرر الكل . هذا وَعد القيامة، قد دخل الآن في الصلاة وكل لحظة صارت قوية, ومفرحة ، نسمع الآن النبوة القديمة لحزقيال  (1:37ـ14) [كانت علىّ يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظامًا. وأمرني عليها من حولها وإذا هي كثيرة جدًا على وجه البقعة وإذا هي يابسه جدًا. فقال لي يا إبن آدم أتحيا هذه العظام. فقلت يا سيد الرب أنت تعلم. فقال لي تنبأ على هذه العظام.... فتنبأت كما أُمرت وبينما أنا أتنبأ كان صوت وإذا رعش فتقاربت العظام كل عظم إلى عظمة. ونظرت وإذا بالعصب واللحم كساهما وبسط الجلد عليها من فوق وليس فيها روح. فقال لي تنبأ للروح تنبأ يا إبن آدم وقل للروح... فتنبأت فدخل فيهم الروح فحيوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا.. ]

نسمع كلمات الرسول بولس عن الخميرة الصغيرة التي تخمر العجين كله" (1كو6:5) ونتعلم أن موت المسيح داس الموت نسمع "هليلويا" الذي يبدو أنه نشيد قيامة "قام الله وتشتت أعداؤه".

في هذا الفرح والسكينة النقية للسبت العظيم عندما يقف الكل حول القبر الحيّ نعلم أنه من الآب ولاحقًا كل قبر هو وحده مثال للقيامة وأن "وقت الحزن قد بَطُلَ" لأن "أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية".

تُتمم الكنيسة الأولي عِماد الموعوظين في ليلة السبت العظيم وهذا هو السبت الذي جعل صلاة السبت العظيم مازال لها - إلى اليوم - طابع عمادي. لذا تُقرأ قراءات من العهد القديم تحمل هذا الطابع وأيضًا البولس من رومية الإصحاح السادس. ويغير الإكليروس ملابسهم إلى اللون الأبيض المُفرح وبدلاً من التسبيح بـ "قدوس الله, قدوس القوي" يُسبحون "كل من تعمد في المسيح قد لَبِسَ المسيح...". هذا الربط بين المعمودية والسبت العظيم ليس فقط أمر كنسي تقليدي كان يُجرى في الكنيسة الأولي, لكن هو الإعلان الأخير لقيامة المسيح.

لقد تكلمنا حتى الآن, عن موت المسيح. أتت القيامة بعد الموت ونحن نتابع السبت العظيم يأتي الفوز الإنتصاري الشخصي الذي يخصنا وفرح البصخة، مِن أين ينطلق مصدر الفرح؟ لماذا يشعر به كل واحد مِنا عندما نسمع رسالة "المسيح قام" وأبواب الكنيسة هي مفتوحة والليل يصير مُنيرًا أكثر من وضح النهار؟

حقيقةً, هذا الفرح الشخصي سيكون مستحيل أو سيكون خادع لو أن كل واحد منا ليس مشارك ـ بواسطة معموديتنا ـ في موت وقيامة ربنا يسوع المسيح "أم تجهلون أننا كل من أعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك  نحن أيضًا في جدّة الحياة. لأنه أن كُنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية. فإن كُنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه. عالمين أن المسيح بعد ما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا. لا يسود عليه الموت بعد. لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة والحياة التي يحياها فيحياها للّه" (رو3:6ـ10).

سوف ننهي حديثنا كما بدأنا: البصخة ليست فقط ذكري قيامة المسيح, لكن أيضًا, شهادة وضمان ـ مثال قيامتنا في المسيح, عيد مشاركتنا نحن في بصخة المسيح. لأن, لكل واحد منا,  المعمودية قد تمثلت لنا في السبت العظيم: الأحياء والأموات "لأنكم قد مُتم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله" (كو3:3). لكن المسيح قام ويظل دائمًا معنا على الدوام: بالتالي لا شيء, لا الموت ولا الحياة يمكن أن تفصلنا عن محبة المسيح. بسبب محبة الذي أقامنا وفدانا, نحيا في الكنيسة. في الكنيسة الماضي والحاضر والمستقبل هم متحدين سريًا, فالأزلية دخلت في الزمن.

عن كتاب "القيامة والحياة" مجموعة مؤلفين, إصدار أرموس, أثينا1996 من ص89-100.

              

           



[1]  ورد النص من خدمة جناز المسيح ص883, طريق الأمان لأبناء الإيمان, المنشورات الأرثوذكسية, طبعة ثانية 1991، هكذا :
[ ما هذا المنظر الذي نشاهده؟ ما هذه الراحة الحاضرة؟ لأن ملك الدهور, بعد أن أكمل سر التدبير بالآلام, سَبَتَ وإستراح في القبر, فمنحنا سبتًا جديدًا, فلنهتف إليه : قم يالله وأحكم في الأرض لأنك أنت تملك على مدى الدهور, أيها المالك الرحمة العظمى].

الخميس، 12 أبريل 2012


 


الصليب


    د.جورج عوض ابراهيم

ليس هو من الذهب أو الفضة . الصليب  مصنوع  من الخشب ، لكن يزن في قيمته ما هو أكثر من كل ماس وكل ذهب العالم.

إن المادة الأولى التي صُنع منها الإنسان هو الطين . والمادة الأولى لإعادة خِلقة الإنسان هي الخشب . 

في الخِلقة الأولى  الطين شُكِلَ بواسطة يدي الخالق . في إعادة الخلق خشب الصليب رُويّ بدم البريء والذي بلا خطية يسوع المسيح ، وأعاد تشكيل الإنسان .

الصليب ......خشبة يا لها من قيمةٍ !!!

نقطة واحدة من الدم المقدس في بورصة القيم الروحية تستحق الكثير ، العالم كله لا يستحقها

لقد سأل مرةً الرب : " مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" مر 37:8

هل توجد  عُملات تشتري نفس الإنسان ؟

هل يوجد بديل للقلب الخاطيء الذي تعطل ؟

 نعم يوجد بديل واحد فقط : الدم!

شكل الصليب ليس هو ذات تصميم فني كبير.

رفعوا الصليب مثبتاً على الأرض ، والمسيح عليه ،إنه مشهد  مدهش.

لكن البشر لم يتأثروا من هذا المنظر ولا سجدوا له . شكل الصليب بسيط . خشبتين مسمرتين . لكن هذا الشكل قد مَلَكَ على كل البشر.

إنه الشكل الذي يعبر عن محبة الله غير المحدودة . لقد نزل من السماء وحَضَنَ كل الأرض

 عَبّر المرنم عن محبة الله غير المحدودة على شكل الصليب ، قائلاً : " لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه . كبُعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا " مز11:103-12.

هذا الشكل حُدد كأنه رمز النصرة.

الصليب – الشمس

الشمس الطبيعية هي مخلوقة من مخلوقات الله . الصليب هو عرش الله . يلمع  بلا حدود بأكثر قوة.

الشمس الطبيعة لا تتدنس من قذارة الأرض ، هي أخفت شعاعها  تأثراً من منظر المصلوب. لم تتحمل ان ترى خالق العالم معلقاً  من جحود العالم . لمدة ثلاث ساعات حيث ظل المصلوب على الصليب مغمور في آلامه ، أحتجبت الشمس : " فكانت ظلمة على الارض كلها إلى الساعة التاسعة وأظلمت الشمس " لو 44:23-45

الشمس إحتجبت يوم الجمعة العظيمة أيضاً لسبب آخر .  لأنه حينما تشرق الشمس في الصباح ،  تختفي نجوم الليل  . وفي الحقيقة لم تنطفيء هذه النجوم ، بل بهاء الشمس غطى لمعانهم .

و نفس الأمر ، عندما رُفِعَ  الصليب أختفت الشمس الطبيعية . وفي الحقيقة لمعان الصليب غطى على لمعان الشمس : " تلألأ الصليب وظهر بهاءه بأكثر قوة من الشمس والقمر " ق.يوحنا ذهبي الفم.

لصوص الليل يكسرون لمبات الطريق ، لكن لا يستطيعون ان يطفئوا الشمس . هكذا العالم يستطيع ان يشتم المسيحيين ويستطيع قتلهم ،  لكن بهاء الصليب ألفين عام لم يتمكنوا من إطفائه . إنهم يرفعون رموز بل نجوم أخرى ويلقون عليها مصابيحهم ، المصابيح يُحتاج إليها في الليل أما في الشمس فلا حاجة للمصابيح . إنها لا تحتاج لأحد ينيرها بل هي تنير . لا تقترض نورا بل تهب النور. أنوار البشر المقترضة سوف تنطفيء . أما الصليب فسوف ينير في الدهور ، ينير خطواتنا " والظلمة لم تدركه " يو 35:12

الصليب – سلاح



الشعب المهووس أتى بسكاكين وعُصي للقبض على يسوع المسيح.

كانوا يمسكون عُصي من الخشب لكي يمسكوا ذاك الذي بالسلاح الخشبي سينتصر على الشيطان . ألم يستخدم الشيطان سلاح خشبي لكي يأسر الأنسان بقيود الخطية والموت؟

ثلاثة أشياء رموز هزيمتنا من جانب الشيطان : عذراء وخشبة وموت.

عذراء هي حواء التي لم تكن قد عرفت العلاقة الجسدية.

الخشبة ، الشجرة التي مَدَ إليها يده الإنسان الأول العاصي لكي يذوق ثمرة الخطية.

الموت هو بالضبط ثمرة الخطية .

هذه الثلاثة أشياء قد إستخدمها الله لكي ينتصر على الشيطان:

إستخدم العذراء مريم إبنة الطاعة

إستخدم خشبة الصليب

إستخدم موت جسده كمثل طُعم لكي يجرد الموت من سلاحه ( القديس ذهبي الفم Ε.Π.Ε. 36,74)

نحن أمام خشبتين ، شجرة الفردوس وخشبة الصليب :

الأولى كانت مزروعة في الفردوس ، لكن أخرجت الإنسان من الفردوس.

الثانية ، خشبة الصليب كانت في الأرض ، لكن أدخلت الإنسان إلى الفردوس.

أسفل شجرة الفردوس إنتصر الشيطان على آدم ، وفوق خشبة الصليب إنتصر آدم الجديد ( المسيح ) على الشيطان.

بسلاح الصليب حققنا نصراً عظيماً : " من الموت صِرنا غير أموات ، من السقوط صِرنا قيام ، من الهزيمة صِرنا منتصرين " ( القديس ذهبي الفم Ε. Π.Ε. 36,76 ) .

ونص القديس يوحنا ذهبى الفم الذي يشرح  فيه هذه الأمور-  بكل وضوح - فى عظته عن "الصليب"  ، هو : [إذا عرفت بأي طريقة انتصر المسيح، سوف يصير إعجابك أعظم. فبنفس الأسلحة التي غلب الشيطان بها الإنسان، انتصر المسيح عليه. واسمع كيف؟ عذراء وخشبة وموت هي رموز هزيمتنا. العذراء كانت حواء، لأنها لم تكن قد عرفت رجلها. الخشبة كانت الشجرة (التي أوصى الله آدم بألاّ يأكل منها) والموت كان عقاب آدم. لكن العذراء والخشبة والموت التى كانت رموزًا لهزيمتنا، صارت رموزًا للانتصار. لأن لدينا مريم العذراء بدلاً من حواء، ولدينا خشبة الصليب بدلاً من شجرة معرفة الخير والشر، ولدينا موت المسيح بدلا من موت آدم. هل رأيت، فالشيطان هُزم بنفس الأسلحة التي انتصر بها قديمًا؟!] انظر كتاب "الصليب" عظتان للقديس يوحنا ذهبى الفم، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، ود. جورج عوض إبراهيم، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ابريل 2004، العظة الثانية، ص 28و29.

أيضًا القديس كيرلس الأورشليمى يقول عن أبوينا الأولين: [ وإن كانا قد طُردا من الفردوس بسبب أكلهما من شجرته ، أفلا يكون أسهل على المؤمنين الآن أن يدخلوا الفردوس بسبب شجرة يسوع] عظات للموعوظين 2:13، ΒΕΠΕΣ 39, 153.

الصليب – ذبيحة


الصليب هو مذبح . الله في العهد القديم أعطى وصية لإبرام ان يقدم ابنه الوحيد ، إسحق.

 إنه أمر قاسي . لكن أطاع إبرآم . مضى لكي يقدم إسحق ذبيحة. لكن في النهاية لم ينفذ الأمر ( أنظر تك10:22-12) .  لقد أعطاه وصية ، ليس لكي تُنفذ بل لكي يصور  لنا ذبيحة أخرى. لم يترك الله إبرآم يقدم إبنه الوحيد ذبيحة.

الله لا يطلب من الإنسان ان ينفذ أموراً قاسية بل  من ذاته يطلبها.

عندما أمسك ملاك الله يد إبرآم حيث كان متأهباً ليذبح إبنه ، نظر إبرام بعينه فرأى كبش ممسكاً في الغابة بقرنيه ( أنظر تك13:22) . ربط الكبش من قرنيه في الغابة مشكّلاً هيئة الصليب.

صورة من الذبيحة العظيمة .

المسيح هو الكبش ، الخروف ، حمل الله ، الذبيحة التي بلا عيب .

الصليب هو المذبح الذي قُدم عليه بكونه الذبيحة المقدسة ، إبن العذراء مريم.

 يقدم ويُقّدم.  هو الذبيحة والكاهن ، ذبيحة بحسب بحسب الجسد ، كاهن بحسب الروح ( ق. ذهبي الفم ).

ذبيحة المسيح فريدة . في نفس الوقت المسيح هو الجاني والضحية والقائم على الخدمة وهو الخدمة ذاتها.

ذبيحة فريدة لأن الذي ذُبح هو بريء  بلا خطية . ذبيحة فريدة لأن الذي ذُبح سال منه دم محرر .

 ذبيحة فريدة لأن الذي ذُبح ذُبح لأجل خطايا آخرين ، او  بالحري لأجل خطايا الكل .

ذبيحة فريدة لسبب آخر : لأنها ذبيحة جامعة . تألم المسيح خارج سور أورشليم لكي يبين انه لم يقدم ذاته ذبيحة لأجل اليهود بل للجميع ( ق. ذهبي الفم ΕΠΕ36,12) .

المصلوب ينتظر

 بالرغم من أن ذاك قدم حياته . بينما نحن نريد حياة لأجل الراحة والرفاهية

نقول للمسيح أننا نتبعه ، لكن  نمقت صليبه ،  ونرفض حياة الصليب !

أي تضحية في الحياة لا نفعلها .

شيء ينتظره منا الرب المصلوب

ماذا تطلب مِنا  يا رب ؟ 

هل تطلب مِنا ورود وعطور وتيجان  في جُمعة آلامك؟

 لا .

إنه يريد شيء آخر

ينتظر دموعنا ، لأن كل يوم ننكره .

أنكره تلميذه وبكى بكاءً مراً .

أما نحن لم نبكِ أبداً

ينتظر منا ان نطلب منه الصفح لأننا كل يوم نُسمره بخطايانا

ينتظر ان نقول له مثلما قال اللص : " أذكرني ، يا رب " . اللص قالها لأنه آمن بملكوته

ينتظر توبتنا

ينتظر ان نتعهد له قائلين :

يا رب ، بقوتك ونعمتك سوف نتبع  - في حياتنا  - صليبك