الجمعة، 29 يونيو 2012

الإنسان في الإيمان المسيحي







      د. جورج عوض ابراهيم

أ)ـ خلق الإنسان:

كما ذكر سفر التكوين، خلق الله في البداية الكائنات الحسية المادية وغير العاقلة بكلمة واحدة: " قال الله ليكن نور فكان نور" (تك3:1)، " وقال الله لتجمتع المياه تحت السماء إلي مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان ذلك" (تك9:1). كذلك أنظر (تك20:1-24).

وعن خلق الإنسان يعلن الكتاب المقدس: " وقال الله نعمل الإنسان علي صورتنا كشبهنا" (تك26:1). هذه الخصوصية التي في إطارها خلق الله الإنسان تُظِهر أن كل الكائنات المخلوقة هي "حسنة" بكونها مخلوقات الله الصالحة، أما الإنسان يمثل قمة خليقته الممتازة والضرورية. لأجل هذا أيضًا يذكر النص المقدس أن الخالق ذاته، بعد خلق الإنسان وصف خليقته. بـ "حسن جدًا".

ب)ـ تحديد نموذج الإنسان τοῦ Αρχἑτυπου”:

بحسب الفكر الكتابي لم يتقرر فقط خلق الإنسان بل حُدِد أيضًا غايته «λόγος»  أو نموذجة الأصلي «ΑΡχἑτυπο»  حسنًا، وفق تقليد الكنيسة التفسيري، تضمن القرار الذي أخُذ قبل الأزمنة بأن الأقنوم الثاني للثالوث، الإبن وكلمة الله المتأنس، المسيح حُدد كنموذج للإنسان ὡς"  "ἀρχετυπικός λόγος τοῦ ἀνθρώπου. ويعلق القديس ذهبي الفم علي هذا الأمر، قائلاً: "أولاً صَّور كل ما للمسيح بحسب الجسد (كإله متأنس) وبعد ذلك خُلِق آدم (بحسب صورة نموذجة)"[1].

ج)ـ خلق العالم:

استلزام آخر لخلق الإنسان كان خلق العالم الذهني (الملائكة) والعالم الحسي (الكائنات غير العاقلة). استباق خلق العالم الذهني والحسي كان شرط لخلق الإنسان الذي، كمخلوق مركب، حسي وذهني (جسد ونفس)، ينبغي عليه أن يكون عامل رابط لكل المخلوقات، ك"عالم صغير" أو بالحري ك"عالم كبير". وبتعبير القديس غريغوريوس اللاهوتي "كعالم ثاني في الصغر عظيم"[2].

بالإضافة إلي ذلك، خُلِق العالم المادي ك"طعام" للإنسان المادي الروحي. ومن الواضح الإشارة الموجودة في نص سفر التكوين عن إهتمام الإنسان الخالق لإطعام الإنسان: وَقَالَ اللهُ: "إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا" (تك 29:1)، "وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً" (تك16:2).

بهذا المفهوم، اعتنى الله بإطعام الإنسان وضمان سلامته. هكذا خلق العالم المادي قبل أن يخلق الإنسان، لم يحرص الله فقط بأن يُطعِم الإنسان، بل أيضًا حرص علي حمايته وتأمينه. بهذه الطريقة، ظهر الله كمدبر صالح للإنسان، جهَّز له "عشاء عظيم" (لو16:14)، "منذ تأسيس العالم" (مت34:25).

1ـ طبيعة وملمح وهدف خلق الإنسان "بحسب الصورة":

أ)ـ منح الإنسان خواص الطبيعة الإلهية:

يؤكد سفر التكوين أن الإنسان خلقة الله "بحسب صورته"، التي تعني أن الإنسان يكون شبيه بالله, أى مثل أصله. هذا التماثل لا يمكن أن يكون تماثل جسدي، أي لا يخص ملامح جسدية لله، لأن الله بكونة غير مادي وغير جسدي ليست لديه مثل هذه الملامح الجسدية[3]. بالتالي، التماثل بين الإنسان والله يخص خواص الطبيعة الإلهية غير المادية التي مُنحت للإنسان أثناء خلقه. أمثال هذه الخواص هي الإدراك، حرية الإرادة، السيادة، الإبداع، عدم الموت...إلخ. بمثل هذه الخواص التي تتصف بها الطبيعة الإلهية غير المخلوقة، زيّن الخالق الطبيعة البشرية طبعًا بدرجة وقياس نسبي. هذه الخواص هي بمثابة التاج الذي توّج به الله الإنسان قمة خليقته، حتي يكون بالحق صورته وإبنه الأصيل "بحسب النعمة" "κατά χάριν".

بسبب أن قائمة الخواص والخيرات الروحية التي منحها الله للإنسان هي كبيرة، لأجل هذا أيضًا الكتاب المقدس أوجزها كلها في عبارة "بحسب صورة الله", معلنًا بذلك أن الإنسان خُلِق وفق صورة الله. هذا يعني أن طبيعة الإنسان المخلوقة "بحسب صورة الله" تتماثل وتتآلف مع كل ما هو حسن[4]. وكون أن الصورة تخص الخواص الإلهية يبرهنه التقليد التفسيري الأرثوذكسي من إختلاف الفعل الذي يستخدمه الكتاب المقدس أثناء وصف خلق الإنسان. بالنسبة لخلق الجسد المادي يقول الكتاب، إن الله: "ἔπλασεν": جَبَلَ، بينما بالنسبة لإعطاء الصورة الإلهية في الإنسان يقول، إن الله: "ἐποίησεν":خَلق أو أبدع.

ب)ـ الملمح الروحي المقدس لنعمة الخلق "بحسب الصورة":

لكي يعبر سفر التكوين عن طريقة منح الصورة الإلهية للإنسان يستخدم الصورة البشرية للنفخ، " نفخ في وجه نسمة حياة" (تك7:2).

هذه الصورة الرمزية تشير إلي الوظيفة البشرية للشهيق والزفير التي هي مألوفة للبشر. لكن الله ليس لديه جسد مادي ولا رئتين. بالتالي "نفخ" لا تتجاوب مع الوظيفة الجسدية المعروفة لنا، بل مع الفعل الإلهي. بحسب التقليد التفسيري الأرثوذكسي، هذه الصورة الرمزية تشير إلي الأفعال الإلهية غير المخلوقة التي مُنحت للإنسان من الروح القدس.

هذا التفسير مدعوم من شهادة العهد الجديد المتماثلة حيث يُذكرَّ أن الرب بعد قيامته نفخ في وجه تلاميذه وقال لهم: خذوا الروح القدس (أنظر يو22:20).

بالتالي نعمة الخلق "بحسب الصورة" هي الخواص التي منحها الروح القدس "نسمة الله" للإنسان أثناء الخلق كزينة إلهية للطبيعة البشرية.

ه)ـ هدف نعمة الخلق "بحسب الصورة":

سريان النعمة الإلهية في الإنسان، في اللحظة التي خُلِق فيها، له ملمح ديناميكي. من جهةٍ يهدف إلي تعضيد الإنسان لكي يتحرك تجاه التغيير الحسن لطبيعته، ومن جهةٍ أخري لكي يحقق هدفه المعين مسبقًا، الذي هو كمال طبيعته القاطع والحاسم والنهائي. أي يكون "بحسب مثال الله".

إنتقال النعمة الإلهية هو مسح الطبيعة البشرية بأفعال الله غير المخلوقة. هذا السريان أو الإنتقال لديه هدف أن يقود الإنسان إلي نموذجه ρχέτυπό του. إتحاد الإنسان بحسب النعمة مع نموذجه سيكون أيضًا إكتمال لطبيعته، لأنه عندئذٍ سوف يكتمل الإنسان كشخص. إن طبيعة الإنسان سوف تُكتَّمل عندما يتحد بالإبن إتحادًا قاطعًا ونهائيًا "بحسب النعمة: κατά χάριν" .

لأن نعمة الخلق "بحسب الصورة" أعُطِيت للطبيعة، ولا يُمكن أن تُفقَد. أما نعمة "بحسب المثال" لأنها تعتمد علي الإختيار الحُر ومسيرة الإنسان يمكن أن لا تتحقق.

و)ـ المرأة ونعمة الخلق "بحسب الصورة":

المرأة، الشخص الثاني للطبيعة البشرية لديها أيضًا نعمة الخلق "بحسب الصورة" مثل الرجل، إلا أن الإختلاف هو في الطريقة التي بها نالت نعمة الخلق "بحسب الصورة". المرأة خُلِقت ليس من "التراب" بل "من جنب آدم" (تك21:2). حواء لم تكن آخر أو مخلوق غريب بل مخلوق مثيل، الشخص الثاني للطبيعة البشرية. هكذا نالت حواء نعمة الخلق "بحسب الصورة" مِن آدم. لأجل هذا أيضًا القديس يوحنا ذهبي الفم يُسمي المرأة "صورة الصورة". بالتأكيد هذه التسمية تستند علي ما قاله بولس الرسول عن الرجل بأنه صورة ومجد الله والمرأة صورة ومجد الرجل:" فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ" (اكو 7:11ـ9).

الطريقة المختلفة التي بها نالت المرأة في شخصها نعمة الخلق "بحسب الصورة" ضمنت من جهةٍ التماثل والمساواة بين الشخصين، ومن جهةٍ أخري، حددت ترتيب هيرارخي بينهما والذي أُعلِن كخضوع طبيعي للمرأة تجاه الرجل. هذه المساواة والكرامة بين الأثنين فُقدت بالسقوط، والنتيجة خضوع المرأة للرجل صار إجباريًا وإلزاميًا بواسطة الناموس اليهودي[5]. في زمن ما بعد السقوط، المساواة والكرامة بين الأثنين نالتهما المرأة في الكنيسة بواسطة سر الزواج. هذا يعني، أن المساواة والكرامة للاثنين هما حصريًا حالة مواهبيه وبدون النعمة الإلهية لسر الزواج، لكانت المرأة تزال موجودة تحت السيادة الإجبارية للرجل[6].

2ـ محتوي نعمة الخلق "بحسب الصورة":

الإنسان هو الصورة المخلوقة والمثيل المخلوق لله غير المخلوق، ليس لأنه يشبه ملامح الله الجسدية (التي هي غير موجودة، كما قلنا) بل لأنه يشترك في خواص الطبيعة الإلهية غير المخلوقة. هذا يعني، أنه أعُطيت للإنسان الخواص الإلهية، من جهةٍ بحسب النعمة ومن جهةٍ أخري بالدرجة النسبية، كما سنري:



أ)ـ الإدراك الذهني (العقل):

الله هو كائن ذهني، العقل المطلق ("مَنْ يعرف فكر (ذهن) الرب؟" رو 34:11), والإنسان يشبه الله، كصورته ومثاله، لأنه أيضًا خُلِق كموجود ذهني. بالتالي، الإنسان هو الكائن المخلوق الوحيد الذي لديه هذه الموهبة الإلهية، بدرجة نسبية. الإنسان لديه إمكانية أن يعرف وأيضًا أن يدرك، أي لديه موهبة المعرفة والحكمة. هكذا، يستطيع أن يعرف ذاته، بأن يكون لديه وعي بذاته، وأن يعرف العالم والله[7].

تأتي أيضًا الكلمة (النطق) في علاقة مباشرة مع العقل، الكلمة المنطوقة والمغروسة. الإنسان هو الوحيد المخلوق المادي الذي لديه نطق، يفكر ويتفوه ويتلفظ. أيضًا منطقيه الإنسان ترجع إلي إبداعه، كذلك أعماله وتطور العلم والحضارة[8].  الإنسان كمخلوق عاقل يشترك في أربع خصائص إلهية:

ـ في الوجود: " كائن τό ὄν" له وجودة.

ـ في الحياة: "كائن دائمًا ἀεί όν" مخلوق علي غير فساد.

ـ في الصلاح: " المحبة ἀγάπη" كائن مُحِب.

ـ في الحكمة: " σοφία" كائن حكيم متعقل.

الإنسان الأول كان لديه، منذ البداية، معرفة ذاته وقدراته. ثم بعد ذلك كان يعرف طبيعة وهدف التعيين السابق لكل الحواس والكائنات غير العاقلة. ظهور هذه الخاصية المعرفية وتطبيقها كانت في إعطاءة أسماء للحيوانات التي أشار إليها سفر التكوين. هذه التسمية لم يفعلها الله بنفسه كخالق لكل المخلوقات بل ألقاها علي عاتق الإنسان (أنظر تك 19:2ـ20). نستطيع، هكذا، أن نقول بأن تسمية الحيوانات كان إنشغال الإنسان العلمي الأول (بداية المعرفة العلمية).

علي الجانب الآخر، الإنسان الأول كان لديه قدرات التمييز، أي كان يستطيع أن يميز بين الخير والشر. هنا، يجب أن نتحدث عن "شجرة معرفة الخير والشر" (تك17:2).

يوجد فكر خاطئ بأن وصية الله "وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها" (تك17:2) تمثل برهان علي أن الله ليس فقط لم يعطي للإنسان موهبة المعرفة بل حَّرم عليه أي إمكانية للمعرفة. من هذا الفكر الخاطئ أتت العبارة المعروفة "آمن ولا تبحث" تلك العبارة التي لا توجد في الكتاب المقدس.

المفهوم الصحيح لوصية الله هي الآتي:  

يبدو من تسمية الحيوانات منذ البداية أن الإنسان ليس فقط لم يكن محرومًا من المعرفة بل أيضًا قدرته المعرفية كانت متسعة. ثم بعد ذلك، وصية تحريم المعرفة (الخير والشر) ليست لديها مفهوم المعرفة النظرية أو مفهوم التمييز بين الخير والشر. لأن الإنسان لديه من طبيعته إمكانية هذا التمييز، إذ أنه خُلِق "بحسب صورة الله ومثاله". النفس العاقلة أو العقل هو موهبة قد أعطيت منذ البداية للإنسان لكي يميز القيمة الأخلاقية للأشياء، كما قلنا. إذن، الله بالوصية لا يحرم الإنسان من أن يكتسب المعرفة أو بأكثر دقة، أن يعرف الخير والشر. هي "أن يعرف" في الكتاب المقدس عادةً تعني مفهوم خبرة العمل. بالتالي، التحريم بأن يعرف الإنسان "الخير والشر" يشير إلي رغبة الله الصالح أن لا يكتسب الإنسان خبرة الخير والشر معًا، فاعلاً الخير والشر.

كان لدي الإنسان الأول إمكانية معرفة الله (موهبة المعرفة الإلهية). الإنسان يعرف الله ليس نظريًا بل عمليًا ومباشرة، أي خبرة شخصية وحيَّة. فالإنسان الأول لم يكن يؤمن بالله بل كان يعرف شخصيًا الله، فكان يصنع شركة وعلاقة معه يوميًا. علي الجانب الآخر، الإنسان الأول كان يعرف الله ليس فقط من خلال الخبرة الشخصية المباشرة بل أيضًا من حقيقة أن الله أعلن تدريجيًا ذاته للإنسان. الإنسان كمخلوق، لم يكن بالطبع يمكن أن يعرف ويدرك إدراكًا مطلقًا خالقه. الله يُظهر ذاته فقط لهذا المخلوق العاقل والمحسوس، بقدر ما كان يستطيع أن يعرف وأن يدرك.





ب)ـ السلطة السيادية:

الموهبة الثانية لنعمة الخلق "بحسب الصورة" تأتي كنتيجة للموهبة الأولي: الإنسان هو قائد وملك علي ذاته وعلي الخليقة، لأنه أعُطي له العقل. لن يكون آدم رئيسًا للخليقة إن كان ليس لديه العقل والحكمة، لأن غير ذلك لن يعرف كيف يقود[9]. سفر التكوين يذكر الرئاسة τό ἀρχικόν كموهبة الإنسان الأولي والأساسية: " وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ". (تك 26:1). ينبغي أن نؤكد علي أن الله هو فقط سيد وله السيادة علي الخليقة المخلوقة. الله ليس لديه بداية أخري فوقه إنه الأول [ أنظر " أنا الألف والياء، الأول والأخير، البداية والنهاية" رؤ13:22], هو الوحيد الذي يسود علي هذا الكون. أما الإنسان يسود علي الأرض كصورة وممثل عن الله[10]. بالتالي الإنسان يشترك في سيادة الله القيادية، فسيادته هي بالمشاركة. الإنسان هو الرئيس المخلوق للكائنات المخلوقة، فهو ممثل ومدبر ورئيس عن الله. والمخلوقات تقدم الطاعة للإنسان. القديس يوحنا ذهبي الفم يَصِر علي أن عظمة نعمة الخلق "بحسب الصورة" تُوجد في "موهبة السيادة".

ج)ـ حرية الإرادة "τό αὐτεξούσιον":

الكلام هنا عن موهبة الحرية الأخلاقية التي زود بها الله الإنسان. والحرية هي واحدة من الملامح الأساسية لنعمة الخلق "بحسب الصورة".

وفق الفلسفة اليونانية القديمة، تحديد الإرادة لكل من الآلهة وللبشر هي من أعمال النصيب أو القدر ἡ Μοῖρα. الآلهة والبشر كانوا خاضعين للحتمية. لكن وفق الفكر المسيحي، الكائنات العاقلة لديها إرادة حُرة. إرادة الطبيعة لا تخضع للإحتياج أو الحتمية. الإرادة هي قوة الجوهر التي تجعلها موجودة ومعروفة، وموجودة وجود فعَّال ونشط. الإرادة، علي الجانب الآخر، هي رغبة الإنسان الشخصية والعميقة لإنفتاح طبيعته علي الوجود الكامل. فالإنسان خُلِق لكي يكون حُر, ولا يخضع لأي حتمية طبيعية. هكذا الإنسان هو الذات الحُرة لأفعاله ولفكره ولإرادته ولقدرته الحسية ولنشاطه[11].  

كان من الممكن لآدم أن يعمل أي شئ يفكر فيه بحُرية. وكان لديه القوة والقدرة أن يفحص ذاته، أفكارة ورغباته وأعماله. هكذا كان لديه القدرة علي الإختيار وعمل الخير والشر[12].



د)ـ الميل الطبيعي للإرادة تجاه الصلاح (عدم فعل الخطية):

خلق الله إرادة الإنسان حُرة لكن ليست هذه الإرادة أخلاقيًا محايدة. علي النقيض، خَلقَ من البداية الإرادة ولديها ميل طبيعي تجاه الصلاح. هذا يعني، من جهةٍ، لم يكن أن الإنسان لديه من طبيعته الشر ولا الميل أيضًا تجاه الشر. ومن جهةٍ أخري، إرادة الإنسان كانت متجهة ومنسقة بالإرادة الإلهية (الإرادة الصالحة لله).

(هـ) عدم الفساد:

طبيعة ـ جوهر الله هو عديم الفساد وعديم التغير: (أنظر مز25:102) "مِنْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ". (عب11:1ـ12) "هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى، وَكَرِدَاءٍ تَطْوِيهَا فَتَتَغَيَّرُ. وَلكِنْ أَنْتَ أَنْتَ، وَسِنُوكَ لَنْ تَفْنَى". لكن كان لدي الإنسان الأول إمكانية عدم الفساد بينما كل الكائنات المخلوقة غير العاقلة كانت قابلة للفساد, لقد أعطي الله لطبيعة الإنسان (النفس والجسد) إمكانية عدم الفساد.

(و) الخلود: (عدم الموت):

الله هو فقط له عدم الموت, إنه خالد, ليس لديه بداية, وهكذا ليس لديه نهاية.

إذن كل المخلوقات لديها ميل طبيعي للرجوع إلي العدم. هذا يعني أن كل المخلوقات توجد في حالة فناء. بالتالي, الفناء هو خاصية كل المخلوقات. علي الجانب الآخر، إعلان الكتاب المقدس بأن: "الله خلق الإنسان علي غير فساد" (حكمة سليمان 23:2)، ليس لديه مفهوم أن الإنسان خُلِق منذ البداية غير فاسد، لأنه لو خُلِق بطبيعة خالدة فإنه كان لا يمكن له أن يموت، لكن كان قابلاً للخلود وهذا مرهون أو يعتمد علي إستخدامه الحسن لحرية إرادته. آدم كان لديه الرجاء في عدم الموت، أي ُوعِد بعدم الموت والخلود. علي الجانب الآخر، الحياة هي عطية الفعل الإلهي غير المخلوق المحيَّ، كنتيجة شركة الإنسان بالله غير المائت "بحسب النعمة". في سفر التكوين، هذه الحالة رُمِز إليها ب"شجرة الحياة" (تك22:3)، التي كانت توجد في الفردوس والتي منها تناول الإنسان. عنصر آخر ينبغي أن نذكره هو ان الله ليس هو مسبب للموت الذي بعد السقوط كان يسري علي كل البشر. الإعلان الذي أعلنه الله للأبوين الآولين " وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تك17:2).

كان لدي هذا الإعلان ملمح إخباري مسبق ويُظهِر بأن الإنسان سوف يظَّل غير مائت لو لم يُخطئ (أنظر حكمة سليمان 13:1 , 23:2ـ24).

إن حامل عدم الموت ليس هو الجسد الفاني (التراب) بل النفس كحامل للحياة: " إذ ليس الموت من صنع الله ولا هلاك الأحياء يسره. لأنه إنما خلق الجميع للبقاء فمواليد العالم إنما كّونت معافاة وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم علي الأرض" (حكمة سليمان 13:1ـ14). النفس هي غير مائتة لأن تكوينها غير المادي يرتبط بفعل الله المحيَّ، كما قلنا. لأن النفس لديها الحياة في طبيعتها وجوهرها، لأجل هذا، عندما ينحل الجسد، فالنفس لا تنحل معه بل تظَّل غير مائتة.

خلود النفس يمثل خلود طبيعي وبالتالي حتمي بالنسبة للإنسان. والذين في الجحيم يوجدون للأبد علي أساس خلود النفس لكن وجودهم الأبدي لأنه هو طبيعي وإجباري، إنه "موت"[13].

هكذا الموت يناسب الخطاة " مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو12:5). أما بالنسبة للقديسين يتناسب ليس فقط الموت الطبيعي بل الموت الناتج عن الإستشهاد للمسيح وموت الشهادة للمسيح بالحياة الفاضلة. فالقديسون يستشهدون بالدم وبالحياة.

3ـ الكمال النسبي للطبيعة البشرية الأولي:

أ)ـ التمييز بين الكمال المطلق والنسبي:

الجوهر الإلهي هو غير مخلوق ويُوجد في حالة الملء والكمال المطلق.

خَلقَ الله طبيعة أو جوهر الكائنات العاقلة (الملائكة والبشر) في حالة كمال نسبي. هذا يعني أن الله، أثناء زمن خلق الملائكة والبشر، لم يصنع طريقة الشكل الكامل الوجودي لطبيعتهما. لكن خلق الله الشكل الوجودي لطبيعة الكائنات العاقلة بإمكانية الكمال.

بالتالي، الجوهر الإلهي يوجد في حالة غير متغيرة ونهائية للكمال المطلق، بينما الجوهر البشري يوجد في حالة الكمال والملء النسبي. هذا يعني أن الطبيعة البشرية لديها إمكانية التغيير تجاه حالة الملء والكمال.

ب)ـ التمييز بين الكمال النسبي للكائنات العاقلة وحالة المخلوقات الحسية غير العاقلة:

    بينما طبيعة الكائنات العاقلة (الملائكة والبشر) خُلِقت من البداية في حالة كمال نسبي، كما قلنا، إلا أن طبيعة الكائنات الحسية غير العاقلة خُلِقت من البداية، من اللحظة الأولي في حالة غير متغيرة من جهة النوع.

    هذا يعني، أن الكائنات الحسية والتي ليست لها نفس (العناصر الطبيعية والنباتات) يظلون غير متغيرين. الكائنات الحية (الحيوانات) تنمو وتتكاثر كل بحسب جنسه. لكن هذا التكاثر هو تكرار مستمر ونسخ من نفس النموذج الأول داخل إطار "النوع". إذن، نستطيع أن نقول أن طبيعة كل الكائنات الحسية وغير العاقلة هي أمر مسلم به ونهائي ليكون هكذا دائمًا.  

نسبية مواهب نعمة الخلق "بحسب الصورة":

أ)ـ المعرفة النسبية":

    الله هو الحكيم الوحيد (أنظر رو27:16) وكلُي المعرفة. الحكمة الكلية والمعرفة الكلية هي من خصائص الجوهر الإلهي. موهبة المعرفة التي أُعطيت للإنسان بنعمة الخلق "بحسب صورة الله" جعلت الإنسان قادرًا علي أن يعرف ذاته، والعالم والله. لكن هذه القدرة المعرفية للإنسان الأول لم تكن مؤمَّنة تأمينًا مطلقًا لكن كانت مؤمَّنة نسبية[14]. خُلِق الإنسان في حالة حكمة نسبية. علي الجانب الآخر، كان الإنسان الأول، لديه إمكانية لتطوير ونمو موهبة المعرفة مثل المواهب الأخرى، وهذا يُؤكَّد أيضًا من التطور العلمي ونمو الإنسان بعد السقوط.

ب)ـ الحرية النسبية:

    الله هو حُر حرية مطلقة. لكن الإنسان، كمخلوق بحسب صورة الله، هو حُر حُرية نسبية, لأن طبيعته خُلقت بواسطة الله وفي حالة نسبية. وسيكون الإنسان بعد كمال طبيعته حُرًا نهائيًا، أي بعد أن يصير من شركاء الطبيعة الإلهية.

ج)ـ سلطة سيادية نسبية:

    الله هو الوحيد الرب (أنظر اتيمو 15:6) وسيد علي الخليقة. أما الإنسان كمخلوق بحسب صورة الله يشترك في سيادة الله. فالإنسان جعله الله ملك علي الخليقة. لكن سلطته هذه هي معطاة من الله. الإنسان هو مخلوق ورئيس الكائنات المخلوقة, إنه نائب عن الرئاسة الإلهية. حين أشار يسوع المسيح لأشخاص يعملون في وظائف سيادية يصفهم ك"مدبرين" (لو42:12) بينما يدعو الله الآب "رب البيت" (لو 25:13).

د)ـ الكمال الأخلاقي النسبي:

    الله هو الوحيد الصالح كما أعلن المسيح (أنظر مت 17:19). أي بالنسبة إلي الله لا يوجد حالة تردد بين الخير والشر أو موضوع الإختيار ما بين الصلاح والشر (أنظر يع17:1). أما الإنسان خُلِق في حالة عدم فعل الخطية النسبي. هذا يعني أن الله خلق إرادة الإنسان بحيث يكون لديها ميل طبيعي تجاه الصلاح. من الجانب الآخر، إرادة الإنسان مازالت متغيرة. أي كان يستطيع أن يلتف تجاه الصلاح، لكن يستطيع أيضًا أن يختار الشر. علي الجانب الآخر، مفهوم عدم فعل الخطية النسبي هو:  إختيار وإلتفاف إرادة الإنسان تجاه الصلاح لم يكن تام ونهائي.



 ه)ـ عدم الفساد النسبي:

    الإنسان خُلِق في حالة فساد نسبي. هذا يعني أن الطبيعة البشرية، كطبيعة مخلوقة كانت أيضًا فاسدة. بالتالي عدم الفساد لم يكن طبيعي، لم يكن خاصية الطبيعة البشرية، لكن موهبة النعمة الإلهية غير المخلوقة والمحيية.

و)ـ الخلود (عدم الموت) النسبي:

    الإنسان خُلِق في حالة عدم فساد نسبي. هذا يعني أن موته أو خلوده لا يعتمد علي طبيعته، بل علي حرية إرادته. هكذا خلود النفس يختلف عن خلود الله بقدر إختلاف المطلق عن النسبي والمخلوق عن الخالق[15].

نهاية حالة الإنسان الأولى (السقوط):

    الإنسان الأول كان لديه كل الأساسيات والمؤن (أجنحة النعمة الإلهية) لكي يرتفع عن الأرض ويتحرك في الإتجاه الصحيح الذي سوف يقود طبيعته إلى هدفها النهائي المُعين لها، وكمالها. لكن للأسف حدث العكس تمامًا: الإنسان إنحرف بسفينة وجوده تجاه الإتجاه المضاد. هذا الإتجاه كان مضاد ليس فقط للإتجاه الذي قد أعطاه الله لوجوده بل مضاد أيضًا لطبيعته ذاتها المزينة بالجمال الإلهي. كان إختيار خاطئ تمامًا والذي في التعليم اللاهوتي يُدعىَّ "السقوط" أو " الخطية الجدية   "Προπατρικό Αμάρτήμαأي الإخفاق الشخصي للأبوين الأولين.

    (أ) إمكانية السقوط:

     حركة الإنسان هذه تجاه السقوط كانت واردة وليست مستحيلة. وهذا لأنه كانت توجد معطيات معينة جعلت إختيار الإنسان الخاطئ وارد وممكن.

    أحد هذه المعطيات، أولاً حالة الكمال النسبي للطبيعة البشرية. هذه الحالة شملت إمكانية الإخفاق. فميوعة وعدم ثبات ونقص الطبيعة البشرية الأولى كانت عناصر جعلت حركة الإنسان الخاطئ واردة ومحتملة.

    ثانيًا: يوجد أيضًا حرية الإرادة αὐτεξούσῖο. حركة الابوين الخاطئة كانت عمليًا برهان لحريةحركة إرادته. لو أن الأبوين ليسا لديهما إمكانية الإختيار، لكان سوف لا يقدران على إختيار الخير ولا أيضًا الشر.

    ثالثًا: عنصر آخر من المعطيات كان تدخل الشيطان. بالرغم من أن الطبيعة البشرية كانت قابلة للتغيير وغير ثابتة إلا أن كان لديها الإستنارة الإلهية لكي تختار إختيارًا صحيحًا وتتحرك تجاه الإتجاه المستقيم. هذا يعني، أن السقوط يرجع إلى أسباب خارجية وكان نتيجة تدخل الشيطان، "عدو الإنسان" (مت28:13). فالشيطان كان ذاك الذي دمرَّ مركبة الإنسان من علو مجدها الأول. وبالرغم من أن السقوط لم يأت من أسباب داخلية لكن من أسباب خارجية، من هجوم الشيطان, إلا أنه لا ينبغي أن ننسى أن الكمال النسبي وحرية طبيعة الإنسان الأول كانتا مصحوبة بالنعمة الإلهية غير المخلوقة التي كانت تمده بالقوة الإلهية.

ب)ـ نتائج السقوط في علاقة الإنسان بالله :

أ)ـ إنقطاع المعرفة الإلهية:

    الإنسان، أثناء الفترة الفردوسية كان لديه موهبة وإمتياز المعرفة الإلهية، بمعني كان لديه الشركة الحُرة والمفرحة  مع الله. نص سفر التكوين يشير إلي هذه الشركة بطريقة رمزية: " وسمعا صوت الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار" (تك 8:3). هكذا كانت هناك إمكانية للشركة مع الله يوميًا، شركة مباشرة وجهًا لوجه.

    لكن الخطية الجدية كان لديها كنتيجة أخلاقية أولي، إنقطاع هذه الشركة. يجب، من البداية التشديد علي أن إنقطاع المعرفة الإلهية لا ترجع إلي الله ولم تكن مبادرة من الله. الإنفصال صار من جانب الإنسان وليس من جانب الله. بالتالي، إنقطاع المعرفة الإلهية لم تكن مبادرة فعل الله بل نتيجة سلبية جراء إبتعاد الإنسان عن الله.

    عند الأقدمين وأيضًا في العهد القديم يسود الفكر الذي ينادي بأن الإنسان حين يخطئ فإن الله يدير وجهة بعيدًا عنه ويهجره ويُعاديه ويمقته ويعاقبه بقسوة بدون رأفة. لكن هذا الرأي لا يتجاوب مع الحقيقة. فالحقيقة هي أن الله لا يترك فقط الإنسان الذي يخطئ بل يُحبه كثيرً جدًا ويُحَامي عنه بالأكثر. فالله لم يهجر الإنسان بل الإنسان هجر الخالق، والرفيق والمحسن وإنفصل عنه. لم يقطع الله علاقته بالإنسان، بل الإنسان ذهب بعيدًا عن الله.

ب)ـ الإبتعاد عن الإتجاه الصحيح للوجود البشري:

    نتيجة أخلاقية أخرى للسقوط كانت إبتعاد الإنسان عن إتجاهه الصحيح. كلما كان الإنسان محدقًا تجاه الله، كلما كان وجوده متجهًا إتجاهًا صحيحًا. لكن بسقوط الإنسان بدأ يضل ويتوه في طرق غير معروفة ومهلكة وخطره والتي قادته إلي اللا مخرج. الخطايا التي يفعلها الإنسان بعد السقوط ليست إلا نتيجة التوجه الخاطئ لوجوده, أيضًا نتيجة أخرى لعدم توجه الإنسان الصحيح كانت عبادة الأوثان   " وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو23:1ـ25).

ج)ـ الجهل والنسيان وخوف الله:

    عندما إنفصل الإنسان عن الله, كان طبيعي جدًا أن ينساه. البشر بعد السقوط، عندما توقفوا أن يروا الله بأعينهم ويسمعونه بآذانهم، فقدوا تدريجيًا الإحساس بحضوره. بالنسبة لهؤلاء، الله توقف أن يوجد ( أنظر مز1:14 " قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا" )

    حقًا، بعد السقوط، الأغلبية العظمي من البشر قد فقدت الإحساس بالله كوجود حيَّ وحقيقي. هذا الجهل عن الله كان كنتيجة للخوف من الله. لقد بدأ البشر يخافون من الله ومن حضوره (أنظر تك10:3). هذا الخوف تدريجيًا تحول إلي كراهية وعداوة ضد الله.

الإجراءات التي إتخذها الله لكي يخلص الإنسان:

1)ـ الوظيفة البيولوجية للجنسين (الزواج)

    الزواج هو الإجراء الأول الذي إتخذه الله، بعد السقوط، لكي يخلص الجنس البشري : 

أ)ـ الوظيفة البيولوجية "إمكانية ἐν δυνάμει" و"تفعيل ἐν ἐνεργεία":  

    كان يتوقع الله، كعارف بكل شئ، بإخفاق الإنسان في تحقيق الهدف المعين مسبقًا (كمال طبيعته)، لذا قد خلق من البداية الوظيفة البيولوجية للجنسين. هذه الوظيفة البيولوجية في الحالة الأولي كانت موجودة فقط كإمكانية. هكذا، فإن الأبوين الأولين، في الحالة الأولي، لم يستخدما هذه الوظيفة البيولوجية.

    أما بعد السقوط فقد سمح الله لهذه الوظيفة أن تعمل بيولوجيًا. يذكر سفر التكوين رمزيًا تفعيل وإستخدام الوظيفة البيولوجية من جانب الأبوين الأولين، بعد السقوط:" فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ." (تك7:3).

    أيضًا يخبرنا الكتاب نبويًا عن أمور مستقبلية (بعد السقوط)، عن إستخدام الوظيفة البيولوجية " لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا." (تك 24:2).

ب)ـ الزواج كتشريع هام لمرحلة بعد السقوط (ترياق الموت):

    تفعيل الوظيفة البيولوجية في الطبيعة البشرية كان عمليًا أمرًا هامًا لإستمرار الجنس البشري في فترة التاريخ البشري بعد السقوط. طالما البشر فضَّلوا طريقة الحياة البيولوجية ("شجرة أخرى" وليس شجرة الحياة" أي الله)، هذه الطريقة للحياة تتضمن أيضًا الوظيفة البيولوجية للجنسين. هكذا، تحديد الزواج كتشريع هام في زمن ما بعد السقوط يتعلق بموت البشر الجسدي، الذي هو النتيجة الأساسية للسقوط.





3)ـ توبة الإنسان كعامل حاسم لكمال طبيعته:

أ)ـ ندم (رجوع) الأبوين الأولين:

    الأبوين الأولين ندما علي خطاياهما. ندمهما يتمثل في الاعتراف بإختيارهما الخاطئ.

    أعلن الأبوين الأولين بندمهما أهمية تغير الطبيعة البشرية. فالإنسان يستطيع أن يلتف تجاه العدم، لكن يستطيع أن ينحاز أيضًا تجاه الله. هكذا الإنسان لديه إمكانية إختيار طريقة الحياة. لكن لأن الإختيار هو حر، فالإنسان يشعر أنه مسئول عن إختياره. وهذا الإحساس بالمسئولية، عن الإختيارات التي يفعلها الإنسان أمام الله والبشر، تنشأ أعمال إيجابية للإرادة البشرية. ولأن الإنسان ليس هو حيوان غير عاقل ولا هو روبوت،  فإختياراته وأعماله تمسه بأكثر عمقًا, تمس الوتر الأكثر تأثرًا لوجوده: الناموس الأخلاقي المغروس، ووعية. علي هذا الفعل الداخلي  تتأسس توبة الإنسان.

ب)ـ التوبة لا تقَّوم الطبيعة:

    التوبة تصدر إشارة واضحة للإتقان الحاسم وتغير الإنسان نحو الإتجاه الصحيح، نحو الله. التوبة لديها ملمح أخلاقي. تقَّوم الإختيار الخاطئ، لكن لا تستطيع أن تُصلِح الطبيعة البشرية المتغرية بعد السقوط، كما قلنا. علي هذا الموضوع، الآباء هم واضحون: التوبة تغفر الخطية لكن لا تقَّوم الطبيعة البشرية. التوبة لا تُبطل الفساد والموت الذي أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط .

    بالتالي، قَبِل الله توبة الأبوين الأولين وغفر خطاياهما. لكن، تصحيح طبيعتهما المتغربة لم تكن مجرد مطلب . فالتغرب العميق للطبيعة البشرية كان في إحتياج لإعادة خلق وإعادة تغيير وإعادة تجديد.

التجسد كان يمثل الإمكانية الجديدة والدعوة التي قدمها الله للإنسان لكي يتشبه بنموذجه المنظور :

ب)ـ إتحاد النموذج بصورته:

    بالتجسد إتحدت الطبيعة البشرية ليس بالفعل غير المخلوق المحيي، أي النعمة الإلهية بل بطبيعة إبن الله الإلهية. الإتحاد الأول أثناء خلق الطبيعة البشرية كان "عربون ἀρραβών"، أما الإتحاد الٌإقنومي في التجسد كان "زواج γάμος"، أي كمال وإكتمال الطبيعة البشرية. هذا يعني أن الله الكلمة أخذ عناصر الطبيعة البشرية التكوينية وجعلها تتحد بالأقنوم الإلهي. بهذا المفهوم، التجسد كان بمثابة تطهير وتجديد للطبيعة البشرية. فالله الكلمة نزل من السماء إلي الأرض، ونقب في الطين حيث كانت صورته ملقاه ومسودة وأخذها بيده وبدأ تدريجيًا وبصبر ينظفها ويعيدها إلي جمالها الأول   "ἀρχαῖο κάλλος".

    التجسد أيضًا كان بمثابة إعادة خلق للطبيعة البشرية. الصائغ يلقي الذهب غير النقي في النار (أنظر حكمة سليمان 6:3), وداخل هذه النار يتنقي المعدن النفيس من الشوائب ثم بعد ذلك يصب الذهب الخالص في قوالب ليصنع تُحف جديدة وأواني.

    هكذا أيضًا الله الكلمة، كصائغ سماوي أخذ الطبيعة البشرية الترابية وغير النقية (الناسوت)، وألقاها في قمين نار الطبيعة الإلهية (اللاهوت) وبهذه الطريقة نقاها من دنس الخطية (السقوط). ثم بعد ذلك صبها في قالب أقنومه الأول وبهذه الطريقة طبع فوقها جمالها الأول.

    كذلك التجسد كان بمثابة شفاء للطبيعة البشرية. فالله الكلمة، كطبيب وسامري صالح (لو30:10، وما بعده) أخذ بيديه الإنسان الواقع بين يدي اللصوص (الشيطان والشهوات) ونقي جراحه (من الخطايا) وأودعه للفندق (الكنيسة).

    وصف أشعياء الحالة التي فيها وَجَدَ المسيح الطبيعة البشرية:     " كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْتِ" (أش 5:1ـ6). لكي يصف الرسول بولس نتائج التجسد علي الطبيعة البشرية يستخدم صورة التطعيم. فالزارع يأخذ فرع من شجرة زيتون جيدة ويزرعها في شجرة زيتون برية. فينمو الفرع الجيد في الزيتونة البرية وتتحول كلها إلي زيتونة جيدة: "  فَإِنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ بَعْضُ الأَغْصَانِ، وَأَنْتَ زَيْتُونَةٌ بَرِّيَّةٌ طُعِّمْتَ فِيهَا، فَصِرْتَ شَرِيكًا فِي أَصْلِ الزَّيْتُونَةِ وَدَسَمِهَا......"(رو17:14ـ24). ترمز الزيتونة البرية للطبيعة البشرية التي طُعمت بإتحادها الأقنومي في الزيتونة الجيدة " وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ" (أنظر أش1:11)، أي طبيعة الله الكلمة جعلها تصير زيتونة جيدة.

    هكذا الإنسان الذي نال الخليقة الجديدة من خلال الإيمان والمعمودية ومسحة الروح القدس والتناول من جسد المسيح ودمه أُعيدت له كل الإمكانيات التي فقدها جراء السقوط والإبتعاد عن الله مصدر الحياة. وأصبح له إمكانية أن يتمتع بحياة الشركة مع الله، وبالتالي حياة المصالحة مع الله وأخيه في الإنسانية والوسط المحيط، أي تذوق عربون الحياة الفردوسية.





[1] PG59,699
[2] PG 36,312D.
[3]  C. Dratsells, Man In His Original State And In The State Of Sin (αντυπον) θΕΟΛοΓΙΑ  1971,16.
[4]  أنظر المرجع السابق، ص241.
[5]  Θ. Ζήση, Ἄνθρωπος καί κόσμος, κατά τόν ἱερόν χρυσόστομον, θεσσαλονίκη 1971, 80.
[6]  المرجع السابق، ص145.
[7] C. Dratsellas, 29.
[8]  Κ. Κορνιτσέσκου, ὁ ἄνθρωπος, κατά τόν χρυσοστομον, θεσσαλονίκη 1971, 35,37.
[9]  C.Dratsellas, 24.
[10]  أنظر القديس يوحنا ذهبي الفم، العظة الثامنة علي سفر التكوين: 61B
[11]  D.Staniloae, τό ἀνθρώπινο σῶμα, στή Σύναξη 1982, τ.4,9
[12]  C. Dratsellas, 24.
[13]  Ι.Ζηζιολας, στη Σναξη 1983, τ.σ.σελ.83.
[14]  C.Dratsellas,29.
[15]  Μ. ρΦανο, ψυχ κα τ σμα το νθρπου, Εκδ. Ανάλεκτα Βλατάσων, Θεσσαλονίκη 1974, σελ. 129.

الخميس، 21 يونيو 2012

مواصفات الرؤساء بحسب الآباء



مواصفات الرؤساء بحسب الآباء


                                                    
 د. جورج عوض إبراهيم

مَا الذي يجب ان يكونوا عليه الرؤساء   ؟

كيف يجب ان يتمموا أعمالهم ؟

هل من ضرورة لوجودهم ؟

سوف نجيب بقدر الإمكان على مثل هذه الأسئلة من كتابات الآباء :

حتمية وجود الرؤساء وخطورة السلطة :


هل يمكن ان تُوجد دول بدون رؤساء ؟

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم : " يجب ان يوجد رؤساء لكي لا يأكل الواحد الآخر مثلما يحدث مع الأسماك " (PG 54, 596)

أيضاً يقول : " منح لنا الله الرؤساء لكي يكون لدينا نظام ولا نتصرف الواحد مع الآخر بلا معقولية تفوق الوحوش غير العاقلة ، سلطة الرئيس هي تُشبه الفارس المتحكم في اللجام وقائد السفينة " (PG 55, 491)

وفي نفس الوقت يشدد على : " أنه من الأفضل ان لا يُدار شعب بواسطة أي أحد عن أن يُدار بواسطة رئيس شرير "(PG 63, 231)

وللأسف كان يشدد في موضع آخر على : " أن الرؤساء عادةً هم فاسدون " (PG 59, 274).

دعونا ننصت الآن لصوت القديس باسليوس الكبير : " يُوجد الرؤساء لا لكي يفتخروا بأهمية المكانة التي حصلوا عليها بل لكي يكرموا ويحترموا هم أنفسهم هذه المكانة " (PG 32, 497).

لذلك " كل الذين يحيون في الفضيلة لا يفرحون ويهرولون على نوال مناصب عامة . على النقيض ، الذين يهدفون لإكتناز الأموال ويحبون المجد الباطل يسعون للحصول على السلطة لأنها بالنسبة لهم خير عظيم وفرصة للحصول على كل ما يشتهون " (PG 32, 1041)

" عمل الرؤساء هو التصدي لفوضى الشعب ، ان يوّجهوا الشعب إلى الطريق الصحيح ، لكن عندما يكونوا هم أول من يخالفون القانون ، كيف يستطيعوا ان يرشدوا وان يقوّموا الآخرين "

(PG 56, 24)

لذلك : " رؤساء كثيرون عندما يسرقون يُجبروا على ان يكونوا متساهلون مع الآخرين لأنهم فقدوا بتصرفاتهم هذه شجاعتهم "(PG 51, 309)

يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي على نفس الموضوع : " رؤساء كثيرون يهدرون أموالاً لا حصر لها لكي يصنعوا أثاثات فاخرة وآخرون يقتنون عطور باهظة الثمن ويستمتعون بالحفلات الموسيقية الماجنة بدلاً من ان يشاركوا شعوبهم في معاناتهم وآلامهم " (PG 35, 961).

لذلك يُوجه القديس لهؤلاء حديثه ، قائلاً : " إحترموا مكانتكم . إعلموا ان عملكم كم هو هام وخطير ومدى عظمة السر الذي يُوجد حولكم . العالم بأكمله يوجد تحت سيادتكم . صيروا مثل الآلهة ( في فعل الصلاح ) بالنسبة لرعاياكم " (PG 36, 277).

ما هو العمل الذي يجب ان يتممه الرؤساء ؟

يقول القديس باسليوس الكبير : " يجب على الرؤساء ان يدافعوا عن حقوق الله ويعاقبوا المخالفين "  (ΒΕΠΕΣ 53, 125). ويكمل القديس يوحنا ذهبي الفم ، قائلاً : " لا يجب ان يطلبوا كرامة لذواتهم بل يجب ان يسعوا للمصلحة العامة " (PG 62, 671) ، " لا يُميّزون بسبب ملابسهم بل بسبب أنهم يدافعون عن المتألمين ، ويقوّمون ما بهم من شرور ويعاقبون فاعلي الظلم ولا يسمحوا بأن يُبتلع البار " » (PG 52, 678).

 ما هي المميزات التي يجب ان يتحلى بها الرؤساء ؟
يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي : " يجب ان يتخطى ويتفوق الرؤساء كثيراً عن الآخرين ، أن يصيروا أسمى ، أن تكون لديهم قيّم وفضائل تليق بمكانتهم "(PG 36, 547) . والقديس يوحنا ذهبي الفم يقول : " يجب على الرئيس ان يحيا حياة ليس بها أي عوار حتى يأخذوه الجميع قدوة لهم "(PG 62, 547) ، " ذاك الذي يمارس سلطة سياسية لن يستطيع ان يصنع عدلاً لو كان لا يستطيع ان يدبر ذاته كما يجب ، ولا يحفظ بدقة شديدة ويطبق القوانين السياسية والنواميس الدينية " (PG 61, 508). " ذاك الذي في موضع ان يرأس ويترأس ، هذا سوف يستطيع ان يقود أيضاً أسرته . ذاك الذي يستطيع ان يحكم ويقود بيته سوف يستطيع ان  يحكم ويقود مدينة ، وسوف يستطيع ان يحكم ويقود كل المسكونة "(PG 60, 366). وفي موضع آخر يقول القديس يوحنا ذهبي الفم : " الرئيس في هذا يجب ان يرأس ، في ان ينتصر بفضيلته ، لو هُزِم لن يكون بعد رئيس " (PG 62, 99).لذلك " الرئيس الحَسِن يجب ان يكون غيرمتساهل تجاه ذاته وفي أداء أعماله "(PG 58, 668 . " يجب على الرؤساء ان يكون لديهم فطنة وذكاء عالي ، عليهم ان يتحدثوا بجرأةٍ ، وأن يحتقروا الإنشغالات المعيشية والرفاهية ، أيضا يجب ان يكرهوا الخبث ، وأن يكونوا لُطفاء ومحبين للناس "  (PG 52, 678). ويكون لديهم إلتزام " ان يتناسوا مصالحهم الشخصية ويعتنون بمشاكل شعوبهم " (PG 55, 306

مثل هؤلاء هم الرؤساء : قادرون على تحمل المسئولية

                              غير فاسدون

                              محبي للناس

                             محبي للأوطان

                             يتحلون بفضائل سامية ومقبولون لدى شعوبهم



 .





















 












الأحد، 3 يونيو 2012

الروح القدس وأنهار ماء حي


الروح القدس وأنهار ماء حي
       د.جورج عوض

 


مقدمة:

"الماء الحى" هو الموهبة المحيية التي للروح القدس (يو10:4)

أثناء تفسير القديس كيرلس للإصحاح الرابع لإنجيل يوحنا حول حديث المسيح مع السامرية[1] عدد 10 " لو كنت تعلمين عطية الله، ومَن هو الذي يقول لكِ أعطينى لأشرب، لطلبت أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًا" يُعلن أن المسيح يدعو الموهبة المحيية التي للروح القدس بـ" الماء الحى " ويشدّد على أن الطبيعة البشرية المتعطشة والمجردة من كل فضيلة تشتاق إلى العودة إلى جمالها الأصلى لتنهل من النعمة الواهبة الحياة. وهذه النعمة الواهبة الحياة تمنح الصالحات والفضائل. ويستشهد القديس كيرلس بالكتاب المقدس ففي إشعياء20:43ـ21 : " يمجدنى حيوان الحقل. الذئاب وبنات النعام لأنى جعلت في البرية ماءً أنهارًا في القفر، لأسقى شعبى مختارى، الذي جبلته لنفسى ليحّدث برفعتى "، ويذكر نص آخر عن القديسين يقول إن نفس البار ستكون " كشجرة مثمرة وتنبت كالعشب في وسط المياه، وتغدوا كالصفصاف بجانب المياه الجارية " (أر12:31س).



موهبة التعليم هى ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية ص14:4


            عندما يفسر القديس كيرلس عدد14: " ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أُعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية"، يؤكد على أن موهبة التعليم الإلهى هى هذا الينبوع الذي ينبع إلى حياة أبدية وينالها مَن يشترك في نعمة الروح القدس، لذا يقول القديس كيرلس [ " فلا يعود يصبح بحاجة إلى أن يُعلمه الآخرون، بل بالحرى يتوفر لديه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض لا يزالون والرسل، وورثتهم في الخدمة الرسولية، الذين كُتب عنهم " فتسقون مياهًا بفرحٍ من ينابيع الخلاص " إش3:12 ].



المسيح هو النهر[2]:

            " وفي اليوم الأخير، العظيم من العيد، وقف يسوع ونادى قائلاً: إن عطش أحدًا فليقبل إلىَّ ويشرب " (يو37:7).

            يشرح القديس كيرلس عن سبب قول المسيح في هذا العيد " إن عطش أحدًا فليقبل إلىّ ويشرب"، وذلك عن طريق الحقيقة التاريخية لهذا العيد، عيد المظال. ففي رأيه أن هذا العيد يشير إلى الاشتياق إلى القيامة، وأن أخذ الأغصان وثمر الأشجار البهجة والأشياء الأخرى (لاو39:33ـ40) تعنى استعادة الفردوس الموشك أن يعطى لنا بواسطة المسيح، ثم يؤكد قائلاً: [ إن ربنا يسوع المسيح كان يقارن بنهر فيه نجد كل مسرة وتمتع في الرجاء وفيه نفرح فرحًا إلهيًا وروحيًا ] إذن في رأى القديس كيرلس، قال المسيح " إن عطش أحدًا فليقبل إلىّ ويشرب" لأن المسيح أراد أن يُبعد ذهن اليهود عن الفهم الحرفى ومحاولة رؤية هذه الأشياء والتي تحدث في هذا العيد ويصفها سفر اللاويين39:33ـ40 " وتأخذون لأنفسكم في اليوم الأول ثمر أشجار بهجة وسعف النخل وأغصان أشجار غبياء وصفصاف الوادى (النهر)". أراد المسيح ـ بحسب القديس كيرلس ـ أن يقول [ إننى أنا " النهر " الذي سبق وأعلن عنه معطى الناموس في تنبؤه عن العيد ]. المؤمن لا يكتفى بقبول عطايا الروح ولكن يفيض على الآخرين. عدد 28:  " مَن آمن بى، كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حىّ ". إن الإنسان المؤمن لا يستقبل فقط عطايا الروح ولكن يفيض أيضًا على قلوب الآخرين لذا يقول القديس كيرلس: [ مَن يؤمن سينعم بأغنى نعمة الله. لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادرًا أيضًا على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذي يفيض بالخير المعطى من الله على جاره أيضًا ].

            إن الإنجيليين والمعلمين في الكنيسة هم خير مثل لدى كيرلس لأنهم     [ يفيضون بغنى على مَن يأتون إلى المسيح بالإيمان، بكلمة التعليم الموحى به فيفرحونهم روحيًا، ولا يجعلونهم بعد عطشى إلى معرفة الحق، وبأصواتهم الحكمية، يصيحون عاليًا في قلب أولئك الذين قد تهذبوا بالتعليم. وإذ يتهلل المرنم بالروح ينادى قائلاً عنهم " رفعت الأنهار يا رب، رفعت الأنهار صوتها " (مز3:93)، فعظيمة هى ومقتدرة كلمة القديسين و" في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم " كما هو مكتوب (مز4:19) ].

            هكذا فإن النعمة التي تُعطى بالروح هى التعليم والحكمة، فأى إنسان ـ بحسب رأى القديس كيرلس ـ يحب الله سيصير " كجنة ريا وكنبع مياه لا تنقطع مياهه " (إش11:58).



حلول الروح القدس بين العهد القديم والجديد


            لقد تسائل القديس كيرلس أمام قول يوحنا الحبيب: " قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، أن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد"، كيف يقول: " الروح لم يكن قد أُعطى بعد " ولدينا خورسًا كبيرًا من الأنبياء كان قد أعده الرب لينطق بالروح بالأسرار الإلهية التي تخص المسيح بكلمات كثيرة، ويشهد الرب يسوع عن داود أنه كان بالروح ينطق بالأسرار؟. يُعطى القديس كيرلس إجابة تحليلية على هذا التساؤل مبتدأ بالخلق ومرورًا بالسقوط ثم بعد ذلك الفداء. يتكلم عن الخلق قائلاً: [ إن الإنسان قد خُلق منذ البدء في عدم فساد. وأن عدم الفساد وبقائه في الفضيلة يرجع إلى أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله " نفح في وجهه نسمة حياة " كما هو مكتوب (تك7:2)].

            أما عن السقوط يقول: [ بسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في العلو في هذه الأمور، ومع ما تبقى لديه من أمور صالحة عانى من فقدان الروح، وفي النهاية أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عرضة أيضًا لكل الخطايا ". هكذا نتيجة السقوط فقد الإنسان عطية الروح، لكن يؤكد القديس كيرلس أن الله أراد أن يرد من جديد طبيعة الإنسان إلى حالتها الأولى ووعد بأن يعطيها من جديد الروح القدس: [ لذا جدّد وقت حلول الروح القدس علينا إذ قال في يوئيل 28:2    " في تلك الأيام إنى أسكب روحى على كل بشر"]. التجسد عند القديس كيرلس كان هو الحل الجذرى لاستعادة هذه الروح التي فُقدت، لذا يقول    [ كان المسيح أول من قبل الروح كباكورة الطبيعة المتجددة، لأن يوحنا شهد قائلاً : " إنى قد رأيت الروح نازلاً من السماء فاستقر عليه " (يو32:1)]. وكعادته يطرح سؤالاً ثم يتطوع هو بالإجابة، فيقول: [ هل كان المسيح بغير روح؟ لأن الروح هو روح الابن الذاتى، ولا يعطى له من خارجه ]، ويعطى القديس كيرلس إجابة قائلاً: [ قيل عن (المسيح) إنه قَبِل الروح لأنه صار إنسانًا، ويوافق الإنسان أن يأخذ. وهو، ابن الله الآب، مولود من جوهره حتى قبل التجسد، بل قبل الدهور، فليس من الخزى أن يقول الله الآب له حين صار (الابن) إنسانًا " أنت ابنى أنا اليوم ولدتك " (مز7:2). لأن لذلك الذي هو الله قبل الدهور قد وُلد منه، يقول إنه ولده في هذا اليوم،حيث يدخلنا فيه إلى البنوة، لأن الطبيعة البشرية كلها كانت في المسيح، إذ أنه كان إنسانًا. لهذا قال (الآب) للابن الذي له روحه (الذاتى) إنه يعطيه الروح، حتى يمكننا أن ننال الروح فيه هو ]. ويستطرد القديس كيرلس متكلمًا بكل وضوح عن أن: [ الابن الوحيد لم يقبل الروح القدس لنفسه. لكن حيث إنه قد صار إنسانًا، فقد صارت له كل طبيعتنا في نفسه، لكى يرفعها كلها مغيرًا شكلها إلى حالتها الأولى ].

            يكرر القديس كيرلس مسألة السقوط قائلاً: [ لأنه إذ قد حاد جدنا آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية. فلم يحفظ نعمة الروح، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطى لها من الله ]، والحل الجذرى عند كيرلس كما ذكره من قبل هو التجسد: [ لهذا لزم أن الله الكلمة غير المتحول، يصير إنسانًا، حتى إذا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام ].



البراهين الكتابية:

            دائمًا يدعم القديس كيرلس شرحه بأدلة كتابية، ويقول: [ ودليلنا في تفسير هذه الأسرار، هو المرنم الإلهى نفسه إذ يقول للابن " أحببت البر وأبغضت الاثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز7:45)]، وبالطبع يفسر كيرلس هذه الآية خريستولوجيًا،       [ فالابن لأنه بار فقد أحب البر ولأن كراهية الخطية كامنة في طبيعته، لذلك فقد أبغض الاثم. بناء على ذلك فإن الآب قد مسحه لأنه يملك البر الذي لا يتغير كامتياز طبيعته الخاصة، ولا يمكن أن يميل إلى الخطية التي لا يعرفها، لذا فالمسيح يحفظ بدون شك ولصالح الطبيعة البشرية ـ إذ صار إنسانًا ـ المسحة المقدسة من الله الآب أى الروح ]. لذلك فإن القديس كيرلس يعقد مقارنة كتابية رائعة بين آدم الأول وآدم الثانى قائلاً: [ فكما إنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب ].

            ويتساءل بعد ذلك قائلاً: [ لماذا دُعى المخلص بواسطة الكتب الإلهية آدم الثانى. لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشرى إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فسد، لأنه كسر الناموس الإلهى. ففي آدم الثانى (المسيح)، قد قام (هذا الجنس) مرة أخرى إلى بداية ثانية، ويُعاد تشكيله مرة أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد، لأنه " إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة " كما يقول بولس (2كو17:5)].



لماذا أُعطى الروح القدس بعد القيامة؟


            يجيب القديس كيرلس قائلاً: [ إن المسيح قد صار وقتئذٍ باكورة الطبيعة الجديدة، حينما أبطل قيود الموت عاش ثانية (قام) كما قلنا توًا. فكيف ينبغى إذن لأولئك الذين جاءوا بعده أن يحيوا مثل الباكورة، لأنه كما أن النبات لا يزهر من الأرض، إن لم يطلع أساسًا من جذره الخاص به لأن هذا هو بدء النمو، كذلك كان من المستحيل أننا إذ لنا ربنا يسوع المسيح وجذر عدم فسادنا، تُرى الآن، بعد القيامة من الموت " نفخ في تلاميذه قائلاً: " اقبلوا الروح القدس" (يو22:20). إذ كان زمن التجديد حقًا على الأبواب حينذاك، أجل، بل كان بالحرى داخل الأبواب].

            ويبرهن القديس على ذلك من الكتاب كعادته: [ لأنه في البدء، كما قال الناموس، المتسربل بالروح، إن خالق الجميع، إذ أخذ (من تراب الأرض) وخلق الإنسان " نفخ في أنفه نسمة حياة " (تك7:2). وما هى نسمة الحياة، سوى أنها بالتأكيد روح المسيح الذي يقول " أنا هو القيامة والحياة "       (25:11). لكن حيث إن الروح القادر أن يجمعنا ويشكلنا إلى الرسم الإلهى، قد غادر الطبيعة البشرية، فإن المخلص يعطينا هذا الروح من جديد، ليأتى بنا مرة أخرى إلى الكرامة القديمة مجددًا خلقتنا إلى صورته الذاتية، لهذا يقول بولس أيضًا للبعض " يا أولادى الذين أتمخض بكم ثانيةً إلى أن يتصور المسيح فيكم " (غلا19:4)].

 


الفرق بين أنبياء العهد القديم ومؤمنى العهد الجديد


            بخصوص أنبياء العهد القديم، يقول القديس: [ إنه في الأنبياء القديسين بريقًا غنيًا خاصةً، يستمدونه من مصدر الاستنارة من الروح القدس، القادر أن يقودهم إلى إدراك أمور عتيدة ومعرفة أنباء مخفية ]، أما عن مؤمنى العهد الجديد يقول: [ ولكننا نثق أن الذين يؤمنون بالمسيح، لا يكون لهم مجرد استنارة من الروح القدس، بل الروح نفسه يسكن ويجعل إقامته منهم].

            ويبرهن القديس كعادته من الكتاب متسائلاً: [ من هنا دُعينا بحق بهياكل الله أيضًا، رغم أن أحدًا من الأنبياء القديسين لم يدع أبدًا بالهيكل الإلهى ]، لذا أيضًا يضيف بسؤال قائلاً: [ وماذا نقول حين نسمع مخلصنا المسيح يقول: " الحق الحق أقول لكم لم يقيم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه؟" (مت11:11)].

            ويفسر القديس معنى " ملكوت السموات" تفسيرًا رائعًا. إذ يقول: [إنه عطية الروح القدس التي قيل عنها " ملكوت السماء في داخلكم " (لو21:17)]. وسر تفوق الأصغر في ملكوت السموات على يوحنا المعمدان في رأى القديس كيرلس أن يوحنا المعمدان من مواليد النساء أما الأصغر في ملكوت السموات أى المُعمَّد حديثًا فهو " مولود من الله " كما هو مكتوب، وقد أصبح " شريكًا للطبيعة البشرية " (2بط4:1)، إذ قد سكن فيه الروح القدس ودُعى بالفعل هيكلاً لله. ويختم القديس كيرلس تفسيره لهذه الآية قائلاً: [حينما يقول الإنجيل لنا " لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد"، فلنفهم أنه يعنى سكنى الروح القدس في البشر سكنى كاملة وبالتمام ].



1 أنظر القديس كيرلس في تفسيره لإنجيل يوحنا الجزء الثانى، مايو 1995م، ترجمة واصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص 59ـ60.
2 كل آراء القديس كيرلس أخذناها من شرحه لإنجيل يوحنا، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار مركز دراسات الآباء، أغسطس 1998، ص 299ـ310.

الجمعة، 1 يونيو 2012

هل يمكن تطبيق الديمقراطية في ظل رئاستكم ؟


   هل يمكن تطبيق الديمقراطية في ظل رئاستكم ؟


                                              د جورج عوض

                                                   

تهرول القوى الثورية الوطنية لأخذ ضمانات من مرشح الأخوان للرئاسة متجاهله النسق الفكري الذي يحرك أتباع الإخوان . إن الضمانة الوحيدة هي أخذ موقف صريح من مفهوم الديمقراطية التي أوصلت هذا المرشح  للخطوة قبل الأخيرة للرئاسة . تعهده بمشاركة كل القوى السياسية في الحكم ليس هو الضمان ، الأهم  هوالإطار الفكري الذي يتحرك  داخله النظام الرئاسي والبرلماني . وللأسف رأينا في الشهور الأخيرة كيف يعمل البرلمان الذي تسود عليه الأغلبية من الأخوان والسلفيين .
 إننا نرى ضرورة عقد مناظرة تلفزيونية بين أحد مفكري الثورة من الليبراليين ومرشح الأخوان لكي يجيب أمام الشعب على مثل هذه الأسئلة التي  نجدها في مدونات الليبراليين وتجول بخاطر الذين يحلمون بدولة مدنية  ديموقراطية  تحترم الدين وتقدره :



هل الديموقراطية في نظركم هي مرفوضه بإعتبارها مخالفة للإسلام والشريعة الإسلامية ؟

هل ترون حكم الشعب الذي تنادي به الديمقراطية هو مخالف لحكم الله، لأن التشريع و التحليل و التحريم و النهي هو  لله  وليس لمخلوق ؟.

 هل الديمقراطية  تعني " سيادة الشعب " وهذا في رأيكم  كفر ومن قال به كافر، إذ لا سيادة إلا لله ؟.

 هل نظام الحكم الديمقراطي بحسب رأيكم مناقض لنظام الحكم الإسلامي ." والحكم الإسلامي " يُعطي لجماعة من المسلمين المؤهلين الحق أن يضعوا النظم الإدارية التي يرونها أصلح و أنفع وأكثر خيرا . " ؟

هل في ظل نظم الأحكام الوضعية - الديمقراطية - تكون السيادة للشعب أي للبشر و بذلك تكون بحسب مفهومكم قد نازعت الله سلطانه و لذلك يجب استبدال حكم الشعب أو ممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا بحكم جماعة من المؤهلين ، رجال الدين، الذين يضعون النظم الإدارية و القوانين التي يروها هم أصلح و أنفع و أكثر خيرا للناس ؟.

هل حزبكم الديني  وافق على المؤسسة البرلمانية والإنتخابات العامة، فقط كوسيلة للوصول إلى الحكم عن طريق صندوق الإقتراع وليس إيمانا منه بالديموقراطية ؟.

 هل تعلمون وتوافقون أن الديمقراطية تلتزم  :

 بحقوق الإنسان

وبمبدأ التمثيل السياسي للجميع

ومبادلة السلطة بناء على انتخابات حرة تمثل أكبر قطاع ممكن من أفراد الشعب وبالمساواة القانونية.

  بحرية الفكر والدين والعقيدة. فلكل إنسان الحق والحرية التامة في الإنتماء إلى أي دين يريد وأي عقيدة يختارها وأي حزب يريد، وأن يغير دينه حسب ما يراه متماشيا مع فكره وإيمانه، دون أن يتعرض للإضطهاد أو المسائلة من أي جهة كانت، قانونية أو غيرها.

  بالتمسك بمساواة النساء الحقوقية بالرجال وألا تعتبر قضايا المرأة خارج الحقل السياسي.

هل عندما تنادي الديموقراطية  بمبدأ أن الشعب بمختلف أديانه وطوائفه وأصوله، هو صاحب الحق في التشريع وفي الحاكمية تكون في نظركم نقيض للفكر الديني ولمبدأ الحاكمية الإلهية ؟.

 هل أسلمة الدولة وحصر مصدر القوانين بالشريعة الإسلامية هو بحسب قناعاتك رفض صريح للديموقراطية  ؟.

 هل أسلمة الدولة بحسب فكركم تعني حرمان قطاع كبير من الشعب من صفة المواطنة وتصنيفهم خارجها بصفتهم في ذمة المسلمين، كالمسيحيين ؟

هل أسلمة الدولة  بحسب فكركم تخرج من المواطنة مسلمين يرفضون الإلتزام بما يسمى الشريعة الإسلامية، أو من يرفض الإنتساب لأي دين، وترفع الدولة حمايتها عنهم وتسمح بقتلهم كمرتدين عن الإسلام ؟.

هل عندكم " الردة"، هي أخطر جريمة تهدِّد دين الإنسان وتنقضه ، ومن يرتد عنه فعليه عقاب الردة وهو الموت ؟.

هل يكفي في رأيكم أن تقوم مجموعة من رجال الدين بإصدار فتوى بأن فلان كافر ومعاد للدين الإسلامي حتى يحل دمه ويعطى الحق لأي  مواطن  بقتله ؟

 هل أنتم مع ما  أعلنه الشيخ الغزالي، وهو من المرجعيات المعتمدة في شهادته المدافعة عن قاتل المفكر المصري فودة، " أن من لا يرى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية يعتبر مرتدا عن الدين الإسلامي، وأن الحكم عليه هو القتل، وأنه إذا لم يقم أولو الأمر بتطبيق هذا الحد على المرتد فمن حق أي مسلم أن يطبقه ولا عقاب له في شرع الله."  ؟

هل بعد هذا ترون أنه يمكن تطبيق الديموقراطية في ظل رئاستكم ؟