الاثنين، 14 أبريل 2014

موت الموت



موت الموت
د. جورج عوض إبراهيم
(رو7:6ـ11):  لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ. فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِللهِ. كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَاِ”.
بعد الموت:  ” لأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيَّةِ”(رو7:6).
الموت والقيامة. صليب المسيح ومعموديتنا يفحص بولس الرسول العلاقة بينهما في الإصحاح السادس من رسالته لأهل رومية. هدفه هو البرهنة علي كم هي الخطية مرعبة ومخيفة وغير طبيعية وبأي قوة يحيا المؤمن الحياة الجديدة. بالنسبة للقديس بولس تعبير : مع المسيح «σὺν Χριστῷ» وتعبير في المسيح «ἐν χριστῶ». لهما أهمية خلاصية.
فنحن نوجد كلنا في المسيح.
نحن ننتمي إلي المسيح.
المسيح إشترانا.
لقد مجدنا المسيح.
بالطبع الخطية مازالت توجد في حياتنا. لكن نراها ونواجهها تمامًا بطريقة مختلفة. فإن كل ما يتعلق بإماتة الخطية هو أمر سلوكي في الحياة اليومية. الإماتة هو حدث واقعي من جهة قدرة الله ونعمة المسيح. لكن هو أمر غير محقق بالنسبة لضعف الإنسان. لأجل هذا الكنيسة لا تبقي عند غفران الخطايا بالمعمودية. إنها تقبل أيضًا معمودية الدموع, سر التوبة والإعتراف الذي هو لأجل الخطايا التي تُرتكب بعد المعمودية.
سوف يأتي الوقت الذي فيه الإنسان سيكون من الصعب عليه فعل الخطية. إنها الحالة التي سيكون عليها الإنسان بعد الموت الجسدي. لذا يقول القديس بولس: " لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية" (رو7:6).
التفسير الصحيح لهذه الآية يأتي في السياق الذي هو موجود في الرسالة إلي رومية حيث يوجد موتين للإنسان, الموت الروحي الذي يأتي بالمعمودية والموت الجسدي الذي يأتي بتوقف القلب.
الذي يموت, لا يمكن أن يفعل الخطية. الخطية هي فعل. هذا الفعل له علاقة بالحياة الحاضرة. هنا لديه الإنسان إمكانيتين, إمكانية فعل الخطية وإمكانية إكتساب الفضيلة. هنا يتحرك الإنسان إما تجاه فوق أو تجاه أسفل. هنا المعمل لفعل الشر ولفعل القداسة. هذه الحياة هي للفعل, والحياة الأخرى لمكافأة الفعل. هنا العمل, وهناك الملء. لدينا هنا أيضًا ملء ما لأعمالنا لكن هناك سيكون البر المطلق وإكتمال الملء: " لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو10:5).
إذن الحياة الحاضرة هي للفعل. الحياة الأخرى ليست للفعل ولا لإرتكاب أعمال سرًا. ولا لتُتمم خطايا جديدة ولا الذين في الجحيم يستطيعون أن يفعلوا شيئًا.
ما سوف يحدث بعد الموت الجسدي يجب أن يصير أيضًا بعد الموت الروحي الذي هو المعمودية. نموت عن الخطية. ليتنا نتوقف عن فعل الخطية. لمن يتحدث الرسول بولس؟ يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم, قائلاً: "لكل إنسان يتحدث إليه الرسول مثلما الميت هو حُر من فعل الخطية, طالما هو ميت, هكذا ذاك الذي إعتمد. أي لأن مرة واحدة مات في المعمودية علية أن يظل ميت, طالما أي ميت لا يستطيع أيضًا أن يفعل الخطية. لكن لو مازالت تُفعَّل الخطية عندئذٍ تدمر عطية الله" (ΕΠΕ17,48).
الموضوع هو, هل حقًا قد متنا عن الخطية, هل نعي أننا نحيا حدث المعمودية, هل نجاهد حتى لا نخطئ. الكمال هو الذي قاله الرسول: "الذي مات قد تبرأ من الخطية". إنها قمة القداسة والكمال, إلا أننا دائمًا نوجد في حالة هابطة جدًا إذ نندهش فقط ونُعجب بهذه القمة. نحن نريد أن نحياها لكن للأسف نسقط وتهزمنا الخطية. علي الأقل علينا أن نتوب وأن لا ننسي أن كل خطية لنا هي إنحراف عن طريق المعمودية.
علينا أن نتوب الآن طالما مازالنا علي قيد الحياة. كما أن زمن فعل الخطية هو الآن, هكذا أيضًا التوبة, الآن هو وقتها: "لأَنَّهُ يَقُولُ:«فِي وَقْتٍ مَقْبُول سَمِعْتُكَ، وَفِي يَوْمِ خَلاَصٍ أَعَنْتُكَ». هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ" (2كو2:6). الآن هو وقت العمل: "يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ" (يو4:9). العمل السيئ هو الخطية. والعمل الأقدس هو التوبة: "الذي مات قد تبرأ من الخطية". للأسف في الحياة الأخرى لا توجد توبة لغفران الخطايا.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "عندما تنتقل إلي الحياة الأخرى, أي عمل من الأعمال التي كنت تفعلها لا تستطيع أن تفعلها. لأنك أخذت فرصة كبيرة. لكن لن تستطيع إفادة ذاتك ولا الآخرين. كيف حينذاك وأنت بين يدي الديان ستستطيع أن تنعم بهذه النعمة؟ (ΕΠΕ17,382-384).
الموت والحياة الأبدية
(رو8:6): ” فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ”.
إنه من الصعب أن يظل أحد ميتًا من جهة الخطية. الحاجة إلي جهاد قاسي لإماتة الجسد, والتصرف الجسدي والخضوع لشهوات الإنسان العتيق. لأجل هذا تعتبر الكنيسة أن جهاد النسك هو نوع من الشهادة. لكن يوجد أمرين هامين, بهما لا نيأس:
أولاً: لن نحقق هذه الإماتة بمفردنا بل فقط مع المسيح,بنعمة المسيح «Σὺν χριστῷ» هو نفسه قال هذا الأمر بكل وضوح: " أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو5:15).
ثانيًا: الجهاد ضد الخطية يستمر في هذه الحياة في زمن قليل جدًا لو قارناه بالحياة الأبدية. فزمن الجهاد قليل جدًا أما زمن المكافأة لا ينتهي. الحزن قليل أما المجد فكثير. لا يستحق أن نفقد النعمة غير المحدودة من أجل ألم وتعب في زمن قليل جدًا. إننا بعد زمن قليل سوف نموت, بينما أبديًا سوف نحيا. ليس مجرد أننا سوف نحيا بل سوف نحيا مع المسيح.
هذين الأمرين يشدد عليهما القديس بولس حين يقول:  "فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ" (رو8:6). متنا "مع المسيح". مع المسيح وأداة الربط «σὺν»: "مع" تعني سرائريًا وإنسانيًا.
سرائريًا: الجسد الذي أخذه المسيح نحن أيضًا فيه. مات المسيح مقدمًا لأجلنا جميعًا مات المسيح. بالإيمان سوف نحيا عطية الله هذه.
إنسانيًا: كل جهاد نفعله نفعله بالمسيح وبقوة ذاك. نحن مجرد ننوي ونبذل أقل محاولات. وذاك يضع يديه وقدرته.
هكذا يُشرَّح كيف يظهر الناس الضعفاء أقوياء. داخل إناءهم الضعيف توجد قوة المسيح. هكذا تُدرك إماتة بولس, وتطابق بولس مع حياة المسيح,وقوة بولس غير المحدودة تُدرك من قوله:      " أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (فيلبي13:4).
الموت يظل لفترة قصيرة. إنه عمل قد صار بالفعل "متنا" (رو8:6) يستخدم بولس فعل الماضي. لقليل يظل ألم التدخل الجراحي لكن المريض يفرح لزمن كبير بعد أن يتعافي. لا يستحق الأمر أن يفقد المرء صحته وحياته لكي يهرب من حُزن وضيق ما. الضيقة هي الحياة المصلوبة, إنها إماتة الإنسان العتيق. لكن الحياة التي تنتظرنا هي أبدية. يستخدم بولس زمن المستقبل: ""فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ، نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ" (رو8:6). نؤمن أننا سوف نحيا حياة أبدية. سنحيا في ملكوته. سنحيا معه. يا له من مجد ! أي حضن سوف أنعم به؟ هل يوجد شئ يساوي طوباوية وسعادة هذه الحياة الأبدية لكي أضحي بها؟ لأجل هذا يقول بولس الرسول:     " فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو18:8).
الوحيد الذي له عدم الموت
(رو9:6): ”عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ”.
حياتنا مع المسيح هي أبدية. المسيح هو الوحيد الذي لا يموت بالمفهوم المطلق لهذه الكلمة.
·        لا يموت, طالما بكونه الله هو مصدر الحياة
·        لا يموت, طالما أيضًا بكونه إنسان كان الوحيد الذي غير ملزم بأن يمر في إجراء الموت.
·        لا يموت, طالما هو بلا خطية.
·        لا يموت, طالما أيضًا عندما طوعًا سُلِم للموت, موته كان بمثابة جرح مميت للموت وكمصدر عدم الموت.
·        لا يموت, طالما بعد قيامته ظل الإله الحي إلي أبد الأبدين.
الإختلاف بين قيامة وعدم موت المسيح عن أي قيامة وعدم موت آخر يقدمه بولس الرسول, قائلاً: "عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْد" (رو9:6).
قيامة المسيح هي مصدر كل قيامة. المسيح يقوم قيامة عادية بل قام وقمنا نحن معه (أنظر أفسس6:2). إنها الثمرة الأولي للقيامة, لقد قام لكي نقوم نحن. قام لكي يفتح طريق القيامة للجميع:     " وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِين َ" (1كو20:15). بقيامته إنفتح نبع القيامة الذي لن ينضب حتى نهاية الدهور. طالما أن كل الأموات سوف يشربون من ماء القيامة بلا إستثناء.
المسيح, بتجسده صار إبن العذراء بكرًا, لكن وحيد الجنس بقيامته صار إبن القيامة البكر. القيامة هي الأم كثيرة الأولاد, طالما كل البشر يصيرون أولاد القيامة مثل الجميع هم أولاد من الولادة. لا يوجد إنسان يمر من هذه الحياة بدون أن يكون قد أتي من قبر العدم . هكذا لا يوجد إنسان سوف يمر من الموت والقبر ولا يخرج إلي الحياة الأخرى بالقيامة. قيامة الأجساد هي ناموس إلزامي للطبيعة البشرية, طالما أن يسوع المسيح قام وصار "بكرًا" للقيامة لأجلنا. هو السابق للطريق الجديد: "وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ" (كو18:1).  
قيامة الرب ليست حدث فردي كما يحدث مع قيامات مختلفة ذُكِرت في الكتاب أو كما ستكون قيامتنا في المجئ الثاني, لأن قيامة الرب هي شاملة (جامعة) أي هي حدث شامل ولكل البشر وهذا ما تمثله الأيقونة الأرثوذكسية للقيامة حيث لا تُظهِر المسيح بمفردة قائم. بل تُظهِره صاعدًا من الهاوية. يسحق مملكة الموت. وتوجد أبواب مهشمة وسلاسل وإقفال مكسره. وبيديه الأثنتين يقيم آدم وحواء اللذين يرمزان لكل الجنس البشري.
كل الذين قاموا قبل المجئ الثاني رجعوا إلي الحياة قليلاً ثم بعد ذلك ماتوا, علي سبيل المثال لعازر قام لكن لم يظل قائمًا إلي الأبد علي الأرض بل أتت اللحظة التي دخل ثانيةً فيها إلي القبر, لكي ينتظر القيامة العامة. يختلف المسيح عنه في هذا الأمر, لذا قال بولس الرسول:  "عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْد" (رو9:6). لن يموت أبدًا المسيح, إنه لا يموت. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "لا تعتقد إذن, لأنه مات مرة واحدة بأنه سوف يموت لأنه حقًا لأجل هذا السبب هو لا يموت. موته صار موت للموت. ولأنه مات, لأجل هذا لا يموت طالما هو قَبِل موت الصليب لكي يمحو الخطية"  (ΕΠΕ17,50).
الموت يسود علي كل البشر. إنه المرعب العظيم. أمامه تنحني الشعوب والأمم, العظماء والملوك, الطغاة والحكماء, الديكتاتوريون  والأغنياء, إذ يسلمون أنفسهم له بلا شروط. المسيحي بالطبع يري الموت برؤية مختلفة إنه "القاطع" الذي يقطع هذه الحياة الحاضرة لكن مباشرةً يمنح نور الحياة الأبدية. أما بالنسبة للبشر الذين إنحصر رجائهم وسعادتهم في هذه الحياة المحدودة, فالموت هو الزائر غير المرغوب فيه الذي يُبطل كل شئ.
واحدُ لا يستطيع الموت أن يسود عليه: هو المسيح. لقد إستخدم المسيح سلاح الشيطان الذي هو الموت لكي يسحق مملكته. المسيح قام لكي لا يموت مرة أخرى, "أبدًا لا يموت". آلهة الأرض يموتون. المسيح هو الإله الحي إلي أبد الآبدين. لقد حاربوه ويحاربونه. جدفوا عليه ويجدفون عليه. أرادوا أن يجهلونة ويخفونه لكن أولئك ذهبوا والمسيح ظلَّ وبقي: "وَ «أَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَلكِنْ أَنْتَ تَبْقَى، وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى" (عب10:1ـ11).
"لا يسود عليه الموت بعد".  كونك تدخل معسكر العدو لفترة قليلة لكي تقوم بعمل ما وتسلم نفسك فقط لكي تحتل أرضه, هذا أمر والأمر الآخر المختلف هو أن يخطفك العدو ويجعلك ضحيته وأسيرًا عنده. الموت لم يستطع أن يسود علي المسيح, أراد المسيح أن يدخل قليلاً في معسكره. أراد أن يُسلم نفسه للموت لكي يسحق مملكة الموت ويحرر كل المقيدين. طوعًا "أسلم ذاته لأجلنا" (أفسس2:5).
"لا يسود عليه الموت بعد"
مع المسيح لا يخاف المؤمن الموت.
تعال أيها الموت لن أخاف منك.
لا تسود عليَّ بعد.
علي الأقل قوتك لا ترعبني.
لقد إنتصر عليك ذاك الذي حقًا يسود علي الأحياء والأموات.
مرة واحدة وللأبد:
  لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِللهِ” (رو10:6).
واحد هو الرب القوي والقادر علي كل شئ يحيا إلي الأبد. مرة واحدة مات المسيح. وبذبيحته التي قدمها مرة واحدة منح الحياة الأبدية لكل البشر. هذه الحقيقة العظيمة يشدد عليها بولس الرسول قائلاً: " لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِلله" (رو10:6). لماذا يقول مرة واحدة «εφάπαξ»؟
لكي يُظهِر القوة التي لدي محبة الله.
فإن مرة واحدة أنار الله كلي القدرة الشمس الطبيعية. ليست الحاجة يوميًا إلي إنارة الشمس بفعله الخلاق لكي تنير لكوكب الأرض. يكفي مرة واحدة. هذا الفعل الخلاق والإستناري يكفي أثناء مسيرة هذا الكوكب. هكذا أيضًا صليب المسيح الذي أشرق.
مرة واحدة رُفِع.
مرة واحدة صُلِب المسيح.
ليست الحاجة لأن يموت كل يوم لكل إنسان يُوَّلَد, لكل خطية جديدة, تنبت علي الأرض.
تكفي ذبيحته الواحدة لتنير بنوره الفدائي علي الأرض.
هكذا تعبير "مرة واحدة" يظهر حضور المسيح, الحضور الإلهي الإنساني وشمول نتائج ذبيحته علي الصليب. مَنْ صُلِب؟ المسيح, أي الجسد الإلهي الإنساني, الذي فيه يوجد كل البشر. إذن الذبيحة الواحدة تسري علي الكل. لماذا صُلِب؟ لأجل الخطية, لأجل كل الخطايا. " لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِلله" (رو10:6). هذا الذي مات, أي جسد المسيح, مرة واحدة مات ومات لأجل الخطية. واحدة هي الذبيحة, "مرة واحدة" لكن تسري علي الكل. هذه الحقيقة يؤكدها مرارًا بولس الرسول في الرسالة إلي العبرانيين:  " فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ. وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ، هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ" (عب26:9ـ28).
يشدد علي "مرة واحدة" لكي يؤكد علي مسئوليتنا إذ بالمعمودية إكتسبنا خلاصنا. تخيلوا شخص يأخذ جوهرة ثمينة "مرة واحدة" ومباشرةً يبددها هباءًا, بلا هدف يفقدها. فرصة أخرى لا توجد بالنسبة له.
إكتسبنا الخلاص مجانًا بالمعمودية. أخذنا نصيبًا, طالما نحن ننتمي إلي المسيح ونحن ورثة ملكوته. مرة واحدة صُلِب المسيح لأجلنا. مرة واحدة إعتمدنا نحن أيضًا: "نؤمن بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا". ليتنا لا نفقد الفرصة, فإن مرة واحدة نعبر من هذه الحياة. وسوف لا نعبر إليها مرة أخري.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "رأيت كيف يجذب إنتباهنا؟ طالما المسيح لا يموت مرة ثانية, لا توجد معمودية ثانية. وأيضًا طالما لا توجد معمودية ثانية فعليك أن لا تميل تجاه الخطية"  (ΕΠΕ17,50).
يشدد بولس الرسول بتعبير "مرة واحدة" علي محبة الله غير المحدودة وأيضًا علي قدرة الخطية. بما أن الخطية لديها مثل هذه القوة حتى أن الذي لم يفعل الخطية قد صعد فوق الصليب, كم بالحري لديها قوة أن تقود إلي الجحيم هؤلاء المذنبين الذين لا يريدون أن يؤمنوا بذبيحة المحبة التي قدمت مرة واحدة ويتوبون طالبين الرحمة؟ يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "بولس الرسول يُظهِر أيضًا بأقواله قوة الحياة التي هي وفق مشيئته الله, كذلك أيضًا قوة الخطية. قوة الحياة, طالما أن المسيح لا يموت بعد, وقوة الخطية طالما الذي لم يفعل الخطية جعلته يموت. إذن كيف سوف لا تدمر الخطية أولئك الذين هم مسئولون عنها لو بالطبع لم يتوبوا؟"  (ΕΠΕ17,52).
تعبير "مرة واحدة" هو في غاية الخطورة لكن بمفهوم آخر: "مرة واحدة" صُلِب المسيح لكي نحيا حياة أبدية. لو إحتقرنا هذه الذبيحة, هل توجد ذبيحة أخرى تستطيع أن تخلصنا؟ مَنْ الذي سوف يُصلَب مرة أخرى لأجلنا؟ هل سوف يصلب آخر لأجلنا؟ من المستحيل. إذن دعونا لا نتجاهل "خلاصًا هذا مقداره" (عب3:2). يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "يذكر بولس الرسول أيضًا مكافئتين البر والموت. موت ليس مثل هذا, لكن مرعب جدًا لأنه, لو لم يمت المسيح, لكنا في الجحيم علي الدوام وننال عقابًا دائمًا. حينذاك لن يحدث الموت الجسدي الذي يريح الجسد ويفصله عن النفس. بل كان سيحدث موت مرعب وأبدي" (ΕΠΕ17,62).
يشدد بولس علي تعبيره "مرة واحدة" بالمقارنة بينها وبين الأبدية: " لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا ِلله" (رو10:6).
مات المسيح مرة واحدة لأجل خطايانا. لكن الآن يحيا "لله", فموته هو حياتنا الأبدية. وأيضًا زمننا القصير في الجهاد لإماتة الخطية تعني حياة "لله". مع الله أبديًا سوف نحيا. إذن جدير بـ "مرة واحدة", واحدة وأفضل من محاولات البشر الكثيرة, ننتهي من مشكلة الخطية. ها نحن نميت  الشهوات. علي الأقل لكي نأخذ مباشرةً قرار للتوبة والتغيير, حتى لو لم نفلح بعد. دعونا لا نفقد "مرة واحدة" الفرصة التي هي الحياة الحاضرة.


أموات أحياء
 ” كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَاِ” (رو11:6).
ينبغي أن نموت لكي نحيا. طالما أيضًا ذاك مات لكي نحيا نحن, فالحياة تمر من الموت. الطفل لكي يُولَّد يمر من قبر البطن الأمومي. الشمس لكي تشرق تمر من الغرب. الماء لكي يتدفق يمر من قبر في أحشاء الأرض. الورد لكي تزدهر تمر من موت البذرة. هكذا أيضًا المسيحي. لكي يحيا مع المسيح يجب أن يموت أولاً مع المسيح: «σὺν Χριστῷ».
الإماتة والحياة في المستوي الروحي يشدد عليه بولس الرسول في (رو11:6): "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَاِ".
يوجد أناس يُعتبروا أحياء ولكن هم أموات, يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "كثيرون من هؤلاء الذين يعتقدون أنهم يتنفسون ويسيرون هم في حالة أتعس جدًا من الأموات"  (ΕΠΕ17,64).
يذكر القديس يوحنا ذهبي الفم أربع أنواع من الأموات:
1.      أموات جسديًا: أموات لأن الجسد مات بينما النفس تحيا.
2.     أموات نفسيًا: لا يحسون ولا يشعرون ولا يتحركون لفعل الصلاح. أموات ولم يدفنوا.
3.     أموات من جهة الخطية: الذين يجاهدون لكي يُميتوا الشهوات.
4.     أموات من جهة الإنسان العتيق: الذين بالمعمودية ومواهب الله يحيون إماتة المسيح (أنظر (ΕΠΕ17,64-66.
الذين يستحقون الرثاء هم الأموات روحيًا. يحيون لكن هم أموات. هم ظلال متحركة. كثيرون اليوم هم أموات غير مدفونون. إنهم أولئك الذين يحيون حياة الضعف والإستسلام حيث لا يملكون قوة المقاومة ويعتمدون دائمًا علي الآخرين. هم موجودات ميته. وهم أيضًا يحيون كحيوانات بطريقة مادية. نفوسهم لا تحيا. بدون مشاعر بدون محبة بدون أهداف سامية بدون نهوض وصعود.
الجدير بالإعجاب هم الذين حققوا ما قاله بولس الرسول: "كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَاِ "(رو11:6). ماذا يعني أن أحسب ذاتي ميت من جهة الخطية؟ يعني ذاك الذي كما يقول بولس الرسول في رسالة غلاطية: " وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ " (غلا24:5).  
لا يوثر فيه عالم الخطية. ميت لا يتأثر بشئ. لا يمد يديه لكي يسرق أموالاً, مهما كانت هذه الأموال أمامه ولا يفتح أعينه لينظر ويشتهي. لا يتأثر من أي شهوة. عدم التأثر هذا ἀπάθεια هو هدف المسيحي في جهاده الروحي. فالميت من جهة الخطية يحيا مع الله. كل مَنْ هو ميت عن العالم, هو حي لله: ""كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَاِ "(رو11:6).
الشركة في حياة الله ليست هي فقط إنجاز بشري. إنها عمل مشترك بين الإرادة البشرية ونعمة المسيح: "في يسوع المسيح ربنا". هذه الحياة مع الله تهدف للسمو بواسطة ممارسة الفضيلة والنعمة مع المسيح معيننا.    

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

التعاليم اللاهوتية لسر الميرون


التعاليم اللاهوتية لسر الميرون

د.جورج عوض إبراهيم


المسحة في العهد القديم كانت الوسيلة الليتورجية التي بها يتقدس الكهنة والملوك. إنه السر الذي بواسطته يُعطى الروح القدس. نجد في نصوص الأنبياء نموذج ومثال ماسيانى يشير إلى أنه في أواخر الأيام سوف يأتى ماسيا ممسوح، كان كرسى داود وكذلك رئيس الكهنة يرمزان إليه. هذه النماذجية الماسيانية تحتل مكانة عظيمة في سفر المزامير.

هذه النبوة تجد تحقيقها في شخص يسوع الناصرى. أيضًا اسم المسيح cristV والذي أُعطيّ للمسيح يعبّر عن هذه الحقيقة بأنه الممسوح. وهذا اللقب صار مقبولاً للمسيح نفسه أمام بيلاطس (مت12:27). على الجانب الآخر فإن نبوة إشعياء كانت تشير إلى المسيح: "روح السيد الرب علىّ لأن الرب مسحنى لأُبشر المساكين أرسلنى لأعصب منكسرى القلب لأنادى للمسبيين بالعتق للمأسورين بالإطلاق" (إش61:1). هنا وصف انسكاب الروح القدس على المسيا الآتى (يو8:4). ويُنسب للمسيح في أعمال الرسل نصوص المزامير (أع34:2، مز1:109، أع25:4، مز1:2) التي تتنبأ عن المسيا، وكل ما قيل عن المسيح يسرى أيضًا على المسيحى.

أقدم شهادة عن سر الميرون[1] نجدها عند ترتليانوس:         [ نُمسح بالميرون المقدس ونحن نأتى إلى جرن المعمودية وفق التقليد القديم بهذا الزيت مُسح كل من هارون وموسى، ومن هذا الزيت دُعيّ اسمه كممسوح "مسيح" الذي أتى من كلمة مسحة. حقًا مُسح بالروح القدس من الآب مثلما ذُكر في سفر أعمال الرسل:     " لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته" (أع27:4). هكذا بالنسبة لنا فإن المسحة تُنقل محسوسة لكن تعمل بطريقة روحية ][2].

هنا لدينا تعليم لاهوتى هام: المسحة السرائرية والتي لها علاقة بالمسحة الكهنوتية للعهد القديم كما وصف لنا سفر اللاويين الاصحاح الثانى والعشرون. على الجانب الآخر، لها ارتباط بالمسحة الملوكية وبالحري بمسحة المسيا (مز2:2). حقًا إلى هذه المسحة يشير نص سفر أعمال الرسل والذي يؤكد على أنها تحققت في شخص المسيح: لكن المسح بزيت العهد القديم ليس هو إلاّ رمز للمسحة الروحية والتي بواسطتها مُسح الابن بالروح القدس. أخيرًا، من هذه المسحة أتى اسم المسيح. بواسطة الميرون المقدس يصير المعمد مسيح جديد.

مسحتم بالروح القدس وصرتم مسيحيين

يشرح القديس كيرلس الأورشليمى أيضًا هذا التقليد القديم قائلاً:      [ طالما صِرتم مستحقين للمسحة المقدسة دُعيتم مسيحيين ومستحقين لهذا الاسم بالميلاد الجديد. قبل أن تكونوا مستحقين لهذه المسحة لم تكونوا بالحق مستحقين لهذا الاسم، لكن أُعطيّ لكم هذا رمز المسحة في العهد القديم. عندما نقل موسى إلى أخيه أمر الله جاعلاً إياه رئيس كهنة، غسَّله في الماء ومسحه. ودُعيّ مسيح من مِسحة المثال. هكذا أيضًا رئيس الكهنة العظيم عندما أقام سليمان في منصب الملك، مسحه حيث أولاً غسله في جيحون. لكن لأولئك كان الأمر رمزيًا. لكن بالنسبة لنا ليس رمزيًا بل حقيقيًا حيث أنكم قد مسحتم بالروح القدس. لأن بداية خلاصكم هو الممسوح بالروح القدس (المسيح)][3].

القديس أمبروسيوس عندما يتكلم عن المسحة المقدسة يذكر مسحة هارون في كتابه عن الأسرار قائلاً: [ بعد ذلك صعدتم إلى الكاهن، فتأملوا ماذا حدث بعد ذلك، أليس هذا ما قال عنه داود: "مثل الطيب على الرأس النازل على اللحية لحية هارون" (مز2:133)، هذا هو الطيب الذي قال عنه سليمان: "اسمك دهن مهراق لذلك أحبتك العذارى" (نش3:1). كم نفسًا متجددة في هذا اليوم أحبتك أيها الرب يسوع وقالت: " إجذبنا وراءك فنسعى إلى رائحة ثيابك" (نش4:1). حتى أنها تتشرب برائحة قيامتك!

تأمل الآن لماذا حدث ذلك، لأن " الحكيم عيناه في رأسه" (14:2)، لذلك ينزل الطيب على اللحية أى على جمال الشباب، ولذلك فنحن ـ لحية هارون أيضًا ـ نصير جنسًا مختارًا كهنوتًا ثمينًا لأننا جميعًا ممسوحون بنعمة روحية لنشارك في ملكوت الله وفي الكهنوت ][4].

المسحة المسيحية تمثل مشاركة عظيمة في المسيح ويتحدث القديس كيرلس الأورشليمى قائلاً: [ بعدما اعتمدتم في اسم المسيح ولبستم المسيح صرتم متمثلين بابن الله. لأن الله، بسبب أنه اختاركم للتبنى جعلكم متمثلين بجسد مجد المسيح. إذن طالما صِرتم مشاركين المسيح فمن الطبيعى أن تُدعوا مسيحيين. صِرتم مسيحيين لأنكم قبلتم الروح القدس. وكل هذا صار لكم رمزيًا، لأنكم أنتم صور المسيح. وذاك اغتسل في نهر الاردن وحيث أنه نقل إلى المياه رائحة ألوهيته، صعد من الأردن وحل عليه الروح القدس، ... هكذا أنتم عندما صعدتم من جرن المياه المقدسة أُعطى لكم المسحة، على مثال المسيح الذي مُسح، أى الروح القدس الذي تنبأ عنه إشعياء قائلاً: "روح الرب علىّ لأنه مسحنى" (إش1:61)[5].

أيضًا يشرح القديس كيرلس الأورشليمى مسحة الروح القدس قائلاً: [الروح القدس أُعطيَّ بواسطة موسى عن طريق وضع الأيدى، وبطرس الرسول بواسطة وضع الأيدى أعطى الروح ][6]. لكن يستمر قائلاً: [ وعليك يا من تعمدت تأتى النعمة، كيف؟ سوف أقول لك ]. هنا نرى بوضوح التمييز الواضح بين المعمودية والميرون. وأن ما فعله بطرس بوضع الأيدى هو إتمام لسر الميرون وليس شيئًا آخر.

وفي عظة القديس كيرلس الأورشليمى عن قيامة الأجساد يقول: [ ثم تعلمتم كيف تطهرتم من خطاياكم وبواسطة الرب بحميم الماء وبالكلمة وكيف صرتم مشاركين للمسيح، وكيف أُعطى لكم ختم شركة الروح القدس][7].

يستمر القديس كيرلس الأورشليمى، قائلاً: [ المسيح لم يُمسح جسديًا بزيت أو بميرون من يد إنسان. لكن الآب الذي أقامه من البداية مخلّص لكل العالم، مَسَحَهُ بالروح القدس، كما قال الرسول بطرس: "يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس" (أع38:10). وكما صُلِب المسيح حقًا وقُبر وقام، هكذا أنتم بالعماد صِرتم جديرين بالمثل قد صُلِبتم ودفنتم ومتم معه، هكذا صار بالمسحة. ذاك مُسِحَ بزيت الفرح الذهنى، أى بالروح القدس، والذي يُدعيَّ زيت البهجة، لأنه كان سببًا للابتهاج الروحى، أنتم قد مُسِحتم بالميرون وقد صِرتم شركاء المسيح ][8].

هنا نجد بوضوح تعريفًا للسر: إنه الاشتراك الحقيقى في فرح المسيح بالتشبه به عن طريق الأسرار. وهذا يتم عن طريق العماد وسر الميرون. وكما أن العِماد يصوّر رمزيًا موت وقيامة المسيح، هكذا المسحة تصوّر مسحة المسيح من الروح القدس. عِماد المسيح وبعد ذلك حلول الروح القدس هو صورة مسبقة لموته وبعد ذلك تنصيبه في الرتبة الملوكية، حوادث يشترك فيها المسيحيين بواسطة سري العماد والميرون[9].

أيضًا القديس أمبروسيوس يقول: [ الختم الروحى يأتى بعد العماد، لأن بعد الولادة ينبغى أن يُتمم الكمال. وهذا يحدث عندما يستدعي الكاهن الروح القدس لينسكب، روح الحكمة والفهم. روح المشورة والقوة. روح المعرفة والتقوى. روح مخافة الله: حيث أن مواهب الروح القدس هم سبعة. وبالتأكيد كل النعم تشير إلى الروح القدس، لكن هذه السبعة هى أساسية. مثل هذه المواهب هى سبعة تأخذها عندما ترسم بالختم ][10]. نفس المعنى نجده عند القديس كبريانوس فهو يرى أن "المعمدين حديثًا يجب أن يحضروا أمام رؤساء الكنيسة لكى يأخذوا الروح القدس باستدعاءه ووضع الأيدى ويتكملون بعلامة ختم الرب"[11]. هنا الختم بعد المعمودية هو نفسه سر الميرون الذي تمارسه الكنيسة بعد العماد.

إن نص القديس أمبروسيوس الذي ذكرناه وكذلك نص القديس كبريانوس يوضحان الهدف من سر الميرون، فإذا كانت المعمودية تعطينا أن نشترك في الروح القدس لأن المعمودية هى بالماء والروح، فإن سر الميرون ـ كما هو واضح ـ يتم بعد العماد هو المتمم والمكمل، إنه سر الكمال. ونجد في صلوات كنيستنا هذا المعنى بكل وضوح في رشومات هذا السر عندما يقول الكاهن: " كمال نعمة الروح القدس، ودرع الإيمان والحق. آمين". وهذا الكمال يتمم بمواهب الروح القدس. فالمسحة ليس هدفها هو نقل الروح القدس لأن هذا الأمر فعلاً قد أُعطى في المعمودية، لكن إنسكاب جديد للروح القدس. هذا الإنسكاب هدفه تكميل القدرات الروحية التي صارت داخل النفس بالمعمودية، وانطلاقها.

هذا الكمال للحياة الروحية قد صيغ من الآباء بطريقتين. القديس أمبروسيوس يربطه بمواهب الروح القدس: " ثم تذكروا انكم قبلتم ختم الروح، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة والتقوى، وروح الخوف المقدس، وحافظتم كل ما قبلتم. الله الآب ختمكم، المسيح الرب قواكم، وأعطى عربون الروح في قلوبكم"[12].

أما القديس كيرلس الأورشليمى فإنه يخبرنا بأن المسحة تتم ليس على الرأس فقط لكن على كل الحواس لكى توقظ فينا الحواس الروحية: "لقد مسحتم أولاً على الرأس لكى تتحرروا من العار الذي جلبه الإنسان الأول المخالف في كل مكان، وبوجه مرفوع ترون كما في مرآه مجد الرب. ثم بعد ذلك على الآذان لكى تكتسبوا آذان تسمع الأسرار الإلهية، ثم على حاسة الشم لكى تستوعبوا الميرون المقدس وتقولون: نحن رائحة المسيح الذكية[13].

ويضيف القديس كيرلس الأورشليمى مسحة أخيرة على الصدر: " ثم بعد ذلك على الصدر لكى تلبسوا الدرع المقاوم لأساليب الشيطان. لأنه كما أن المسيح بعد عماده وحلول الروح القدس، أتى وانتصر ضد المقاوم، هكذا أنتم بعد العماد المقدس وسر المسحة قد لبستم كل أسلحة الروح القدس لتقاوموا المضاد"[14]. لقد احتفظت كنيستنا بهذا التقليد بقصد رشم حواس المعمد وكل أجزاء جسمه، فالكاهن يرشم الرأس والمنخارين والفم والأذن اليمنى والعين اليمنى والعين اليسرى والأذن اليسرى، اى ثمانية رشومات. وهناك أيضًا أربعة رشومات على القلب والسرة والظهر والصلب. وستة رشومات على مفصل الكتف الإيمن من فوق. والابط ومفصل الكوع الأيمن، ومثناه، ومفصل الكف الأيمن وأعلاه. ثم ستة رشومات على مفصل الكتف الأيسر من فوق والابط ومفصل الكوع الأيسر ومثناه، ومفصل الكتف الأيسر وأعلاه. ثم ستة رشومات على مفصل الورك الأيمن والحالب الأيمن ومفصل الركبة اليمنى ومثناه. ومفصل عرقوب الرجل اليمنى وأعلاه، وأخيرًا ستة رشومات على الورك الأيسر والحالب الأيسر. ومفصل الركبة اليسرى ومثناه، ومفصل عرقوب الرجل اليسرى وأعلاه.

كل هذه الرشومات تشير إلى أن الكنيسة تختم على أجزاء جسد المعمد ليكون إناء طاهرًا، لذلك عند انتهاء رشم المعمد يضع الكاهن يده عليه ويقول: [ تكون مباركًا ببركات السمائيين وبركات الملائكة. يباركك الرب يسوع المسيح. وباسمه (وهنا ينفخ في وجه المعمد ويقول) اقبل الروح القدس، وكن إناء طاهرًا من قبل يسوع المسيح ربنا ][15].

أيضًا الرشم على كل أجزاء الجسد والحواس يثبت المعمد في شركته مع الروح القدس ومن هنا دُعى هذا السر: سر التثبيت.

هناك عنصر آخر جديد ركز عليه النص المنسوب إلى ديونيسيوس وهو استخدام الميرون ذو الرائحة العطرة. يؤكد هذا النص على ان هناك اختلاف أساسي بين زيت الموعوظين والميرون الذي يحدث له تقديس خاص يتماثل مع تقديس الإفخارستيا أي تقدمة الإفخارستيا: "يوجد طقس آخر يدعونه المعلمين طقس الميرون. يأخذ رئيس الكهنة الميرون ويضعه فوق المذبح الإلهى ويتقدس بطلبة مقدسة[16]. ومن الجدير بالملاحظة أنه قبل النص المنسوب لديونيسيوس نجد هذا التماثل بين تقديس الافخارستيا والميرون عند القديس كيرلس الأورشليمى: " إحذر، لا تظن أن ذاك الميرون شيئًا عاديًا. لأنه كما أن خبز الافخارستيا بعد استدعاء الروح القدس ليس بعد خبزًا عاديًا لكن جسد المسيح، هكذا هذا الميرون المقدس ليس بعد شيئًا عادى، ولا يمكن للمرء أن يقول عنه أنه عادى، بعد الاستدعاء، لكن هو نعمة المسيح التي بحضور ألوهيته تصير فعّالة بالروح القدس"[17]. هنا نجد تأكيد ق. كيرلس على حضور الروح القدس في المسحة المقدسة، وهذا ما يصليه الكاهن في بداية الصلاة لهذا السر: " أيها القادر وحده، صانع جميع العجائب، الذي لا يعسر عليك شيء، لكن إرادتك وقوتك فاعلة في كل شئ. أنعم بالروح القدس عند نضج الميرون المقدس. ليكن خاتمًا محييًا، وثباتًا لعبيدك، بابنك الوحيد يسوع المسيح ربنا"[18].

من المعروف أن الميرون يتكون من زيت وعصائر عطرية من الأشجار ويُضاف عليه في الشرق عطور أخرى. وهذا ما يميز الميرون عن زيت الموعوظين أى الرائحة العطرية. والعطر له دلالة رمزية[19]، وهذا يظهر بوضوح في صلاة المسحة بالميرون في الليتورجيا السيريانية: "بعد ان قام الكاهن بالعماد باسم الآب والابن والروح القدس يجب أن يمسح المعمد بالميرون المقدس قائلاً: "أيها الرب الإله يا من نشرت رائحة الإنجيل الذكية في كل أرجاء الأمم، اجعل الآن هذا الزيت المعطر ليعمل في المعمد لكى تبقى رائحة المسيح الذكية ثابتة فيه"[20]. هنا الميرون المقدس تفوح منه رائحة الألوهية. ويتضح جليًا ان الميرون هو مثال للمسيح. والقديس غريغوريوس النيصى عندما يعلق على كلمات سفر نشيد الأنشاد: " كرائحة أدهانك الطيبة" (نش3:1)، يقول: "إن رائحة الميرون الإلهية ليست مجرد رائحة عطرية تُدرك بحاسة الشم، لكن بقوة غير مادية تأتى من المسيح وتجذبنا بنعمة الروح القدس[21].

أيضًا نجد مرة أخرى التعليم عن إدراك الأمور الروحية والتي تُقدم بالقياس مع الحواس وخاصةً حاسة الشم. يقول القديس كيرلس الأورشليمى: "قد مُسحتم على الأنف لكى تستطيعوا أن تدركوا مسحة المسيح وتقولوا: نحن رائحة المسيح"[22].

لكن إدراك مسحة المسيح الذكية يتوقف ـ كما يشدد على ذلك النص المنسوب إلى ديونيسيوس ـ على مقدرة الذي يتنسمها أى المقدرة الروحية على فهمهما[23].

إذن المسحة هى للمعمدين، وغير المعمدين ليس لهم مسحة مثلما ليس لهم إفخارستيا. والميرون يأتى بعد المعمودية. فالمعمد فقط يمكن أن يناله. لأن المعمودية هى التي تعطى إمكانية للمعمد لأن يدرك الرائحة الإلهية الذكية، ومسحة الميرون تُفّعل الطاقات التي نالها المعمد بالمعمودية. لذا فالمسحة هى سر الكمال وإدراك الرائحة الإلهية تتناسب مع درجة النمو الروحى للشخص المعمد. وسوف تظل الطبيعة الإلهية بعيدة ولا يمكن البلوغ إليها، واستمتاعنا يكون دائمًا ليس بالعطر نفسه بل ـ كما يقول القديس غريغوريوس النيصى ـ برائحة العطر التي تفوح بحضوره "مادام الملك في مجلسه أفاح ناردين رائحته"[24]. والرائحة الإلهية ـ كما يشرح القديس غريغوريوس النيصى ـ نجدها في العالم المنظور بتناسقه وجماله العجيب[25]. والكنيسة هى ظهور أكمل لإعلان الله، ومن هذا المنطلق فإن الرسول هو: "رائحة المسيح الذكية"[26]. حياة النعمة والقدرات الفائقة هى الميرون الذي ينسكب في النفس بواسطة حضور الله. وكما يشدد القديس غريغوريوس النيصى، إدراك المؤمن لهذه الرائحة الذكية واختبار حياة النعمة يعني أن يتذوق حضور الله المستتر، إنها الخبرة السرائرية[27]. والنمو في حياة النعمة هذه يأتى تدريجيًا ـ كما يؤكد القديس غريغوريوس النيصى ـ فالكرمة نستطيع أن نتلذذ بها أولاً بالأوراق المزهرة وتنسمنا للرائحة الذكية التي تنبعث منها، وثانيًا عندما تنضج الثمرة ونتذوقها، هكذا الإنسان الجديد المولود فينا ينمو تدريجيًا بقدر مقدرتنا على أن يظل داخلنا[28]



[1]  أيضًا أقدم صلاة على الميرون لتقديسه نجدها في خولاجى القديس سرابيون، انظر أبونا أثناسيوس اسحق حنين، تاريخ وطقس سر الميرون، أعمال المؤتمر السنوى السابع للدراسات الآبائية، تحت عنوان "أسرار الكنيسة" سبتمبر 1998، الناشر: المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص67.
[2] De Baot, 7 P.L 1, 1207.
[3] PG33, 1093A.
[4]  القديس أمبروسيوس، الأسرار، ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة، الناشر مؤسسة القديس أنطونيوس ـ مركز دراسات الآباء، الطبعة الثانية 1996م، الفصل السادس ص25.
[5] PG, 33, 1088B-1089A.
[6] PG, 33, 956C.
[7] PG, 33, 1056B.
[8] 33, 1089A-B.
[9] PG 14, 27.
[10] De sacr, III,8 Botte 74-75.
[11] Epist, 83, 90 CSEL, 785.
[12]  أمبروسيوس، الأسرار، مركز دراسات الآباء، ص34.
[13] PG 33, 1092B.
[14] PG 33, 109ZC.
[15]  كتاب صلوات الخدمات، الناشر مكتبة المحبة 1971، ص 61.
[16] PG 1,472D-473A.
[17] PG 33, 1092A.
[18]  صلوات الخدمات، ص59.
[19]  يوسابيوس القيصرى PG XXII, 289D.
[20] Diat. Apost, VII, 44,2.
[21] PG 44, 780D.
[22] PG 33, 1092B.
[23] PG I, 480A, 473B-476B.
[24]  انظر غريغوريوس النيصى PG XLIV, 781D.
[25] PG 44, 784A.
[26]  انظر كليمندس الأسكندرى، المربى II,8.
[27] PG 44, 821A-828B.
[28]  انظر غريغوريوس النيصى PG 44, 828D.