الجمعة، 6 يناير 2012

موقف المسيح من الفقراء والأغنياء - بمناسبة عيد مجىء المسيح إلينا - نقرأ هذا المقال القديم الجديد


موقف المسيح من الفقراء والأغنياء


                                                                                                          د جورج   عوض ابراهيم

                                                                                                        (أ) المسيح ـ بلا تحفظ ـ كان بجانب الفقراء


          إن اهتمام المسيح الكبير للفقراء قد عبر عنه منذ بداية نشاطه العلنى فقد تكلم فى الناصرة كاشفاً مكرراً كلمة نبوة إشعياء (ص61) مبرهناً أن رسالته هى رسالة تحررية للفقراء والمتألمين. "روح الرب على لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالإطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية" (لو18:4).

نفس الكلام قد قاله تقريباً لتلاميذ يوحنا المعمدان عندما سألوه عن هل هو المسيا؟ "اذهبا واخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران، العمى يبصرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون والمساكين يبشرون" (مت4:11ـ5).

لقد التفت المسيح ووضع كل اهتمامه وحنانه نحو الإنسان المتألم. لقد ركز متى الإنجيلى على نشاط المسيح المحب للبشر فى منطقة الجليل " وكان يسوع يطوف فى كل الجليل يعلم فى مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب فذاع خبره فى جميع سورية فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة والمجانين والمصروعين والمفلوجين شفاهم" (مت23:3ـ24).

هنا نجد علاقة متينة بين ملكوت الله ومعجزات المسيح التى أتمها، أى أن معجزات المسيح تمثل برهان على أن عصر الفداء (التحرر) قد بدأ فعلاً. وهذا يعنى دخول المستقبل الاسخاتولوجى فى الحاضر. إن المعجزات وخصوصاً التى تخض إشباع الجياع وشفاء المرضى يظهرون مدى اهتمام المسيح ليس فقط بالنفس ولكن بجسد الإنسان كوحدة واحدة جسد ونفس.

          إن موقف المسيح تجاه الفقراء والمتألمين نجده أيضاً واضحاً فى التطويبات "طوباكم أيها المساكين لأن لكم ملكوت الله. طوباكم أيها الجياع الآن لأنكم تشبعون. طوباكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون" (لو20:6ـ21).

لكن المسيح لا يكتفى بمساندة الفقراء والمجربين فى هذه الحياة بل هو يطابق نفسه بهم، وهذا يظهر بوضوح فى إصحاح 25 من إنجيل متى "تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأنى جعت فأطعمتمونى عطشت فسيقيتمونى كنت غريباً فآويتمونى .. يا رب متى رأيناك جائعاً .. ومتى رأيناك غريباً .. الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتى الأصاغر فبى قد فعلتم.." (مت23:25ـ45).

هنا يطابق المسيح نفسه بالفقراء، بالإنسان المهمش، بالأصغر، بالضعيف، لقد رفع من شأن المرأة وأظهر حباً عظيماً نحو الأطفال، على عكس المجتمع الرومانى واليهودى الذى همش الأطفال لقد أخذ المسيح موقف إيجابى مؤثر تجاههم (انظر مر36:9ـ37 ، 13:10ـ16 ، مت3:18 ،19 ، لو15:18ـ17).

           لقد برر المسيح هؤلاء الذين أظهروا اهتمام عملى بالفقراء والمهمشين، بينما استنكر وأدان هؤلاء الذين لا يبالون بهم حتى لو كانوا كهنة ولاويين وذلك فى مثل السامرى الصالح فالمعيار الذى سوف يدانون به البشر هو موقفهم تجاه الفقير والمتألم وهكذا الذى استضافه: "وقال أيضاً للذى دعاه إذا صنعت غذاء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا أخوتك ولا أقربائك ولا الجيران الأغنياء لئلا يدعوك هم أيضاً فتكون لك مكافأة بل إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجدع والعرج والعمى" (لو12:14ـ13).

نفس الشىء والمعنى توبيخ المسيح للشاب الغنى "يعوزك شئ واحد. اذهب بع كل ما لك وأعط للفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعالى اتبعنى حاملاً الصليب" (مر21:10) أيضاً فى مثل الغنى ولعازر يعبر عن موقف المسيح تجاه الفقراء والمتألمين بطريقة واضحة (لو19:16ـ26). لقد كشف المثل عن الهوة الكبيرة بين الغنى والفقير بين الحياة المتلذذة فى القصور وبين الحالة المحزنة الدرامية التى كانت للعازر. ونستطيع أن نقول بلغة اليوم للشمال الغنى والجنوب الفقير لقد عبر المثل عن الظلم الاجتماعى والذى يهدد دائماً الحياة الإنسانية.

والصورة التى وصفها المسيح عن التغير الجذرى الذى حدث بعد الموت لكل من لعازر والغنى، لعازر يعيش حياة سعيدة والغنى يكتوى من النار بطريقة يصعب التعبير عنها، تعبر عن موقف المسيح الاستنكارى للظلم الاجتماعى منحازاً إلى جانب الفقراء. مرة أخرى يشدد المثل على أن المعيار الذى يدين به الله الإنسان هو موقفه تجاه المتألمين فى هذه الحياة.

(ب) المسيح والأغنياء :

        لقد أدان المسيح الغنى وهذا ظاهر من التطويبات "ولكن ويل لكم أيها الأغنياء. لأنكم قد نلتم عزائكم. ويل لكم أيها الشباعى لأنكم ستجوعون (لو24:6ـ25) ثم بعد ذلك يشدد المسيح على أنه من الصعب على الأغنياء أن يدخلوا ملكوت الله " ما أعسر دخول المتكلين على الأموال ملكوت الله". "مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله" (مر24:1ـ25). إن موقف المسيح السلبى ضد الأغنياء لا يعنى أن هناك خلفية طبقية أى هناك تحامل عليهم، لكن لدى المسيح يتساوى الغنى والفقير فقد قال عن زكا العشار "وهذا أيضاً ابن إبراهيم" (لو9:19). إن موقفه المضاد مرجعه العدالة الاجتماعية "ابعدوا عنى يا فاعلى الظلم" (لو9:19).

          إن عظة المسيح فى الأساس هى عظة ملكوت الله إنها رسالة تحرر وفداء، لذلك يُعطى أولوية مباشرة للمشاكل الوجودية للإنسان ومعنى الحياة الإنسانية. لدى المسيح معنى حياة الإنسان وسعادته ليست فى وفرة الخيرات المادية بل فى سلوكيات الكمال : "كونوا كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل" (مت4:4). لأن معنى الحياة المسيحية لا يوجد فى أن أتملك بل فى أن أكون[1]، لذلك المسيح يحذرنا قائلاً : "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزاً فى السماء حيث لا يُفسِد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب السارقون ولا يسرقون. لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً" (مت19:6ـ21). هذا لا يعنى أن المسيح يدعو الإنسان ليتوقف أن يعمل لكى يحصل على ضروريات الحياة. ولا مفهوم الكلام يعوق التقدم العلمى والتكنولوجى والنمو الاقتصادى ولا حتى رفاهية الإنسان. لكن المسيح أراد أن يشدد على أن مهمة الإنسان الأساسية ليست فى أن يكنز الماديات ولكن أن يدرك جيداً ما يتطلبه أصلاً (انحداره) الإلهى ومكانته وما عينه الله له. عندئذ يستطيع أن يُنظم علاقته بكل شئ بناء على ذلك، بحيث لا يُستعبد لشئ من هذه الأشياء المادية.

إن استعباد الإنسان لما يملكه له نتائج خطيرة، إذ يقود إلى الفشل الذريع كذلك يدين المسيح الطمع "انظروا وتحفظوا من الطمع، فأنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لو15:12) ومثل الغنى الغبى يكشف عن مدى عدم جدوى عبادة الممتلكات فى الحياة" (لو17:12ـ21).

          إن معنى ومفهوم المثل يلخصه المسيح فى عدد 21: "هكذا الذى يكنز لنفسه وليس هو غنياً لله". لأن أى إنسان يضع هدفه الأسمى فى اكتناز الأموال والممتلكات سوف تأتى لحظة الموت وسيرحل عن كل هذا الذى اكتنزه. يركز المثل أيضاً أخلاق "الفقر" أمام الله، استعباد الإنسان للطمع والبحث عن معنى حياته فى الغنى يقود إلى هوة من الإفلاس الأخلاقى والوجودى.

          لأجل ذلك لم يطلب المسيح من الإنسان فقط أن يرفض الاستعباد للماديات لكن يطلب شئ أفضل هو أن يتخلص الإنسان من القلق والصراع لأجل احتياجاته المادية محذراً "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون". الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس. تأملوا الغربان.. تأملوا الزنابق كيف تنمو .. فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا. فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم. وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه. بل اطلبوا أولاً ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم" (لو23:12ـ31).

هنا المسيح يطلب من الإنسان أن يتخلص من القلق والاهتمام الزائد لتدبير احتياجات الحياة. الإنسان الذى يؤمن بالله لا يستسلم لقلق الحياة، على العكس، هناك حيث يُسيطر القلق والصراع والانزعاج المبالغ فيه للغد يغيب الإيمان والثقة فى الله، فالصراع والقلق والانزعاج كلها تتمشى مع الغير مؤمنين.

          سيكون خطأ كبير أن يتصور أحد أن المسيح بهذا الكلام يريد من الإنسان أن يواجه احتياجاته المادية باللامبالاة أو بالقدرية أو بكافة التواكل.

على العكس، المسيح يطلب من الإنسان أن يعمل انطلاقا من إيمانه بالله ومن إيمانه بتحقيق ملكوت الله كإطار أساسى لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما قصده المسيح عندما قال : "اطلبوا أولاً ملكوت الله وكل هذا يزاد لكم" (لو15:12). وهكذا الإيمان بالله الذى يهدف قبل كل شئ إلى تحقيق ملكوت الله هو الشرط الوحيد لأى حلول عملية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. وبسبب هذه الأهمية الجوهرية لاتجاه الإنسان فى الحياة، أما نحو الخيرات المادية أو نحو الله، فقد دعانا المسيح أن نختار بين المال أو الله وقال بالتحديد : "لا يقدر خادم أن يخدم سيدين. لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال" (لو13:16) كلمة المال هنا (mamwnα£j) وهى آرامية وتعنى (مال، ممتلكات، غنى)، لذا يمكن أن تكون (kef£laio) رأس مال. الإنسان مطالب أن يأخذ قرار حاسم أن يختار اختيار نهائى بين الله والمال، إما أن ينتمى لله أو ينتمى للمال، أن يخدم الاثنين هذا مستحيل.

          من كل ما سبق نجد أن المسيح ضد الأغنياء والرأسمالية عامة لسببين هما: ـ

الأول :ـ الرأسمالية هى مع تقسيم الناس إلى طبقتين متضادتين، طبقة القليلين الأغنياء وطبقة الفقراء "اللعازريين" المساكين، وهم الأغلبية يُستغلون استغلالاً رهيبًا من الطبقة الأولى.

الثانى :ـ لأن روح الطمع تُغير اتجاه الإنسان نحو هدفه الأساسى أى أخلاق الكمال، وتقوده إلى إفلاس أخلاقى ووجودى. والشاهد على ذلك قيام الأغنياء من رجال الأعمال بممارسات غير مشروعة من أمثلتها الاستيلاء على قروض دون ضمانات من البنوك والهروب بها للخارج بالإضافة إلى حالات التهرب من دفع الرسوم الجمركية والضريبية، فضلاً عن السلوك الاحتكارى لبعض السلع الاستراتيجية وغيرها من سلوكيات الإفلاس الأخلاقى والوجودى.

وهنا سؤال يفرض نفسه : هل كان المسيح ضد التملك؟

          إن الأناجيل الإزائية لا تعطينا موقفًا واضحًا للمسيح إزاء التملك، فهناك مواقف كان ضد التملك وأخرى لم يكن فيها ضد التملك.

          فقد قال المسيح : "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (مت20:8).ويطلب المسيح من تلاميذه أن يظلوا كما هو : "وأوصاهم أن لا يحملوا شيئاً للطريق غير عصا فقط، لا مزوداً ولا خبزاً، ولا نحاساً فى المنطقة" (مر8:6) ونفس الشئ طلبه من السبعين رسولاً : "لا تحملوا كيساً ولا مزوداً ولا أحذية ...." (لو4:10) ومن الغنى الشاب الذى سأله كيف يصير كاملاً : طلب منه المسيح أن يوزع ماله على الفقراء. "اذهب بع كل ما لك وأعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال اتبعنى حاملاً الصليب" (مر21:10). من هذه الأقوال نستنتج أن المسيح كان ضد اكتناز الأموال والممتلكات، لكن يوجد حالات ظهر فيها المسيح غير ذلك. فالمسيح لم يطالب زكا العشار بما طلبه من الشاب الغنى. لقد أظهر المسيح سعادته ورضاه لأجل عودة العشار الغنى ولكن لم يطلب منه أن يبيع كل ما له ويعطى الفقراء : "فوقف زكا زقال للرب ها أنا يا رب أعطى نصف أموالى للمساكين وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف. فقال له يسوع اليوم حصل خلاص لهذا البيت إذ هو أيضاً ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو8:19ـ10).

أيضاً لقد تبع المسيح أناس كانوا يساعدونه من أموالهم : "وعلى اثر ذلك كان يسير فى مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الإثنا عشر وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة وأمراض. مريم التى تدعى المجدلية التى خرج منها سبعة شياطين، ويونا امرأة خورى وكيل هيرودس وأخر كثيرات كن يخدمنه من أموالهن" (مت1:8ـ3 أيضاً انظر مر40:15ـ41). فالمسيح لم يأخذ موقفاً سلبى تماماً ولا إيجابياً تماماً من قضية التملك، لكن الموقف الأساسى للمسيح يظل هو الاحتياج للتحرر من سيطرة المال. فالمسيحى يمكن أن يكون لديه ثروات ومال ولكن لا يمكن أن تسيطر عليه، لأن الاستخدام الأمثل للمال هو فى شفاء احتياجات الإنسان وخدمته.

المسيح يرفض أن يصير المال وسيلة للقهر وسيطرة أقلية على الأكثرية[2] وعظة (123) للقديس كيرلس لإنجيل لوقا عن كيف يخلص الغنى؟ يوضح كيف أن المسيح لم يغلق الباب تماماً أمام الأغنياء، وأنه مهد لهم طريق للخلاص إذ نجده يقول : "ما أعسر دخول ذوى الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من دخول غنى إلى ملكوت الله". ولا يقصد المسيح بالجمل ذلك الحيوان، إنما ذلك الحبل الغليظ لأنها كانت عادة أولئك المتمرسون أن يسموا الحبل الغليظ جملاً. لكن لاحظوا أنه لم يقطع تماماً رجاء الأغنياء بل حفظ لهم موضعاً وطريقاً للخلاص، لأنه لم يقل أنه يستحيل على الغنى أن يدخل ملكوت الله بل قال أنه يمكنه إنما بصعوبة.

عندما سمع التلاميذ الطوباويين هذه الكلمات اعترضوا قائلين : فمن يستطيع أن يخلص؟ وكان احتجاجهم لصالح أولئك الذين لهم أموال ومقتنيات لأنهم (التلاميذ) كانوا يقولون أننا نعرف أن لا أحد سيقتنع بأن يتخلى عن ثروته وغناه، فمن يستطيع أن يخلص؟ لكن بماذا أجاب الرب!! "غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله". لذلك فقط احتفظ لأولئك الذين يقتنون ثروات، بالإمكانية أن يحسبوا مستحقين لملكوت الله لو أرادوا، لأنه حتى ولو كانوا يرفضون تماماً التخلى عما هو لهم، لكن يمكنهم أن يبلغوا تلك الكرامة بطريقة أخرى. والمخلص نفسه أظهر لنا كيف وبأى طريقة يمكن أن يحدث هذا إذ قال : "اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم فى المظال الأبدية" (لو9:16). لأنه لا يوجد شئ يمنع الأغنياء لو أرادوا أن يجعلوا الفقراء شركاء ومقاسمين لهم فى الغنى الوافر الذى يمتلكوه. ما الذى يعيق من له مقتنيات وافرة من أن يكون رءوفاً وممتلئاً بتلك الشفقة الكريمة التى ترضى الله. إننا سوف نجد أن الحرص على تتميم هذا العمل ليس هو بلا مكافأة ولا عديم النفع، لأنه مكتوب : "الرحمة تفتخر على الحكم" (يع13:2).[3]

          هناك أيضاً سؤال يفرض نفسه : هل أدخل المسيح برنامج معين أو نظام معين لحل المشكلات الاجتماعية؟ لكى نعرف الإجابة على هذا السؤال لابد أن ننطلق مما قاله المسيح فى (لو13:12) عندما سأله أحد أن يقاسمه الميراث مع أخيه، فقال له : "يا إنسان من أقامنى عليكما قاضياً أو مقسماً" وأكمل قائلاً : "انظروا وتحفظوا من الطمع فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لو15:12).

لا يعنى هذا أن المسيح لا يبالى بالمشاكل الاجتماعية لأنه مما سبق وجدنا كيف أن المسيح أظهر اهتماماً شديداً للفقراء وللعدل الاجتماعى. البداية لفهم موقف يسوع هو ما طلبه المسيح نفسه : "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم" (مت33:6) لقد أراد المسيح بهذا الطلب أن يقول أنه أتى إلى هذا العالم لكى يكرز بملكوت الله : "فقال لهم ينبغى أن أبشر المدن الأُخر أيضاً بملكوت الله لأنى لهذا قد أُرسلت" (لو43:4).

          إن الشرط المهم لحل المشكلات الاجتماعية لدى المسيح ـ هو التمسك بملكوت الله فى حياة الفرد والمجتمع الإنسانى . فالمشكلة الاجتماعية لا تُحل فقط بمتغيرات خارجية لكن الحل الأساسى والمُرضى لهذه المسألة هو ممكن بالاحتفاظ بملكوت الله فى قلوب الناس.

          فلو تكوّن هذا التغيير العظيم والثورى فى داخل الإنسان ، ولو انتزعت الكراهية من النفس وحلت محلها المحبة، عندئذ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ستجد لها حلول . وهذا هو مفهوم ما قاله المسيح : " اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم " (لو31:12).

          لابد أن نكرر على أن موقف المسيح هذا لا يعنى أن المسيحى يجب أن يأخذ موقف سلبى تجاه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التى يواجهها الإنسان . على العكس عندما شدّد المسيح على " اطلبوا أولاً ملكوت الله " فهو يطلب موقف فعّال من جانب المسيحيين لكى تُحل المشكلة الاجتماعية. وهكذا لو أن أحدًا استلهم وانقاد بروح ملكوت الله لا يمكن إلاّ أن يسأل ويفتش ويبحث دائمًا وبطرق كثيرة مقدمًا الحل الأكثر صحة للمشاكل التى تشغل المجتمع . إذن وصية المسيح(اطلبوا أولاً ملكوت الله) لا تعنى التمنى والدعاء فى طلب ملكوت الله ولكن المحاولات العملية والمساهمة الفعّالة للمسيحيين فى تحقيق ملكوت الله الذى هو تحرر البشر من الألم والفقر والظلم والقهر والمرض مثلما كان يفعل المسيح على الأرض ، إنها رسالة الكنيسة اليوم. فالكنيسة تشجع المؤمن أن يواجه بشجاعة مشاكله الاجتماعية منطلقًا من محبته الحقيقية نحو الله ونحو أخيه الإنسان وبمساندة المنطق (العقل) والعلم والخبرة والمناهج والمؤسسات التى تجاهد لتقود المجتمع ليصبح أكثر إنسانية ، المطلوب منا أن نفحص أى نظام على هذه التعاليم فلو كانت مثلاً الرأسمالية تُقسم الناس إلى أقلية أغنياء تُسيطر على أغلبية بائسة (لعازريين جُدد) فهى مرفوضة . وإذا كانت الاشتراكية تساعد على الخمول والكسل والتواكل من الأغلبية منتظرة من الدولة الدعم والنصيب وهم غير فعّالين فى المجتمع فهى أيضًا مرفوضة .





[1]  انظر ايريك فروم ـ الإنسان بين الجوهر والمظهر ـ ترجمة سعد زهران ـ سلسلة عالم المعرفة أغسطس 1989.
[2]  انظر قداسة البابا شنودة الثالث ـ العدالة الاجتماعية ـ ص17.
8 القديس كيرلس الأسكندرى، تفسير إنجيل لوقا ـ الجزء الرابع ـ ترجمة د. نصحى عبد الشهيد بطرس ـ إصدار مركز دراسات الآباء نوفمبر 1998 ـ ص 173،172. 

الأحد، 18 ديسمبر 2011

اللاهوت الآبائي والفلسفة - المطران يوحنا زيزيولاس

حوار مع المطران يوحنا زيزيولاس

Ορθόδοξος Τύπος» 4/8/200" ترجمة د.جورج عوض ابراهيم                                                                       سمعت البعض يتهمون اللاهوتيين المعاصريين ، بأنهم يقدمون الآباء كفلاسفة وجوديين . هل هذا الاتهام هو حقيقي ؟

هذا السؤال يضع امامنا مسألة علاقة اللاهوت الآبائي بالفلسفة . من جهة هذا الموضوع ، نقول بإختصار الآتي :
أ‌-        آباء الكنيسة ، لكي يعبروا بكلمات بشرية مخلوقة عن خبرة التأله ، إستخدموا مصطلحات فلسفية كثيرة ومناهج من الفلسفة القديمة وبالأخص الفلسفة اليونانية . هكذا ، في أعمال الآباء المختلفة سوف نجد مصطلحات فلسفية كثيرة ( أساليب إيجابية وسلبية ، أفلاطونية ، رواقية ، ...الخ )  بطريقة مماثلة ، الآباء . بعض المرات يستخدموا المنهج التاريخي اللغوي ليفسروا الكتاب المقدس ، بينما آخرون مرات أخرى يستخدموا المنهج الرمزي او التيبولوجي .لكن  بالرغم من أعتمادهم الظاهري على تيارات عصرهم الفلسفية ، إلا أنهم عرفوا ، ان خبرة التأله، كشركة الانسان المخلوق في الوجود غير المخلوق وغير المبتدأ للثالوث القدوس ، يتخطى كثيراً اي واقع مخلوق ، وبالتالي لا يخضع لأي مصطلح ومنهج فلسفي ، وكذلك لأي دراسة وتحليل علمي ، ولا لأي تفسير منطقي و ضرورة منطقية. هكذا الآباء  ، وهم لديهم ضمير واضح للحقيقة السامية ، استخدموا إنتقائياً تلك المصطلحات الفلسفية ، وتلك المناهج الفلسفية ، لكي يعبروا عن تعليم الكنيسة ، لكن أبداً لم يخضعوا هم أنفسهم لأي مصطلحات ومناهج فلسفية . ببساطة ، بالنسبة لآباء الكنيسة أي مصطلح ومنهج فلسفي صار أداة مناسبة بواسطته  عُبر عن التعليم الارثوذوكسي بدون أبدا ان يصيروا آباء الكنيسة ذاتهم أفلاطونيون ، أو أتباع أرسطو ، أو رواقيون ، ...الخ .
ب‌-    كثيرون من اللاهوتيين المعاصرين – خاصةً الأكادميين – يحاولون ، ان ينسخوا تعليم الآباء السامي ويربطون تعليم الكنيسة بتيارات مختلفة فلسفية وأفكار عصرنا العلمية ( على سبيل المثال يحاول البعض ان يربط التعليم الآبائي بالوجودية ) . ويزعمون بأنهم يستمرون في عمل آباء الكنيسة ، متمشين مع إحتياجات عصرنا والمسائل الميتافيزيقية للأنسان المعاصر ، لكن بالرغم من النيات الحسنة التي لا يوجد أدنى شك فيها ، المحاولات هي – بحسب رأيي – خطيرة ، عندما يشرع اللاهوتي في المضي في هذا العمل بدون ان يكون في حالة التأله الروحية ( عندئذٍ إجبارياً يتبع مسيرة التفكير العقلي والفلسفي المجرد ) ، وليس لديه وعي واضح مطلق لحقيقة ان خبرة التأله تفوق أي واقع مخلوق ، وبالتالي لا تخضع لأي ضرورة عقلية ، ولأي مصطلح ومنهج فلسفي . لأجل هذة الأسباب نحن متحفظون تجاه محاولة الذين يشرعون في ربط الحركة الوجودية الفلسفية بتعليم الكنيسة ، لأنه يوجد دائماً خطر الأخطاء اللاهوتية التي تمثل النهاية الطبيعية لإنعزالنا وإنحصارنا في مناهج ومصطلحات فلسفية ، وكذلك لأن الأنشغال بهذة الانواع من الأعمال هو عمل الآباء ، طالما فقط القديسون يستطيعون ان يتحركوا بأمان لاهوتي داخل تيارات عصرهم الفلسفية . الحالة الكلاسيكية لمثل هذا الانسان ، في أيامنا ، هو المطوب الاب صفرونيوس زاخاروف إنسان – وفق نموذج الآباء – يربط بطريقة ممتازة القداسة بالتربية الفلسفية لعصرنا .
وفق ما قلناه  ، إن محاولة الذين يشرعون في ربط تعليم الكنيسة بحركة الوجودية الفلسفية يجب ان تصير دائماً بتحفظ وحرص شديد . لأنه دائماً يوجد خطر الخطأ الذي يتبعه تغير في التعليم والعُرف الكنسي . الأمور ستكون أفضل لو أعترفنا نحن المدعون لاهوتيون بتواضع بعدم كفاية ومحدودية قدراتنا ونتجنب الإنشغال بمسائل تفوق قدراتنا التفكرية ، وفي التحليل النهائي ولا تخدم خلاص أخوتنا ، بحسب القول الإنجيلي : "  لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ " مت24:27

الخميس، 8 ديسمبر 2011

بشارة والدة الإله


بشارة والدة الإله
                                د. ج.باترونس- استاذ العهد الجديد- كلية اللاهوت جامعة أثينا-ترجمة د جورج عوض
1ـ ناصرة الجليل
كانت الناصرة قرية صغيرة وفقيرة في شمال فلسطين مبنية في وادي علي مسافة حوالي 140كم من مدينة أورشليم, إنها قرية لم تلفت نظر أي أحد. لقد كانت غير معروفة ومجهولة من الجميع في زمن العهد الجديد كذلك لم تكن جديرة لأن يُذكر إسمها ولا مرة واحدة في كل تاريخ الشعب الإسرائيلي الطويل. إن إسم "الناصرة" لم يُشار إليه أبدًا لا في العهد القديم ولا في التقليد اليهودي المُسمي "التلمود", ولا في النصوص التاريخية للمؤرخ يوسابيوس فلافيوس بالرغم من أننا نجد في هذه النصوص قصص نادرة وتفاصيل جغرافية. لكن ها هي "الناصرة" المهمشة والمجهولة سوف تلعب دورًا هامًا في خلاص العالم وفي الوقائع التي حدثت في العهد الجديد, مع أن هذا الإسم ذُكِر بإحتقار شديد "أمِنْ الناصرة يأتي شيءُ صالحُ" (يو46:1).
كانت الناصرة ـ بحسب نصوص العهد الجديد ـ وطن يواقيم وحِنة اللذين أنجبا العذراء مريم, خطيبة "يوسف النجار" الذي من الناصرة ولأنه كان إنسان "بارًا" وصالح إستحق من الله أن يلعب دورًا هامًا في تطور أحداث التاريخ المقدس, حتى أنه قام بحماية الطفل الإلهي وأمه مريم.
هكذا كُرِمت "الناصرة" تاريخيًا, إذ صارت موطن يسوع المسيح, لذا سُمي "الناصري". عاش يسوع هناك مع عائلته أيام الطفولة وفترة طويلة صَمَّت كُتَّاب العهد الجديد في إخبارنا بها حتى اللحظة التي بدأ نشاطه العلني عندما جاء ملء الزمان وكان عمره وقتذاك حوالي ثلاثون عامًا.
نصوص العهد الجديد لا تذكر شيئًا عن والِدَّي العذراء مريم ولا عن طفولتها ولا عن بعض الأحداث المصاحبة لحياتها الشخصية. لكن التقليد الكنسي ونصوص الأبوكريفا تشير إلي هذه المواضيع وتحفظ لنا بعض الأحداث التي صاحبت طفولة فتاة الناصرة. لقد عاشت مريم في منزل فقير ومتواضع في الناصرة مثل كل فتيات سنها وعاشت نفس ظروف الحياة التي عاشتها أغلب العائلات في هذه القرية الصغيرة, وداخل هذا الواقع المتواضع لم يستطع أحد أن يتوقع المستقبل العظيم الذي ينتظر هذه الفتاة الفاضلة والمتواضعة. لقد كانت لمريم إنشغالات روحية إذ كانت مخلصه ووافية للتقليد الديني لآبائها مثل المواظبة علي الصلاة في ساعات اليوم المختلفة, ودراسة الكتب المقدسة وحضور شعائر المجمع التعبدية. لقد ساهم كل هذا في فِلاحة حياتها الروحية وفي التعمق والتأمل وفي تطلعاتها المستمرة لتحقيق النبوات الخاصة بمجيء المسيا المنتظر.
2ـ بشارة والدة الإله في إنجيل لوقا
لقد أشار القديس لوقا الإنجيلي إلي حدث بشارة الملاك لمريم, مشددًا علي أن بحضورها الشخصي وقبولها للبشارة ساهمت في أن نصل إلي "ملء الزمان" لتحقيق نبوات العهد القديم التي تخص مجيء يسوع المسيح المخلص: "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ:«سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ:«مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ:«لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ" (لو26:1ـ32). هذا النص غني بالصياغات اللاهوتية التي بها أيضًا نتعرف علي فتاة الناصرة. كانت مريم "منعم عليها", مليئة بالنعمة والروح ومزينة بعطايا الله الغنية. وبسبب مواهبها هذه دُعيت من الله لتصر أُم لإبنه, لتصر "والدة الإله" في عالمنا هذا وذلك لأجل خلاص البشر. كان لسلام الملاك مغزي خاص:
(أ) أستخدمت من اللغة اليونانية كلمة سلام "χαίρε" الكلاسكية.  
(ب) وفي الغالب أُستخدمت الصيغة القديمة الآرامية "سلام لك". وهذه الصيغة تذكرنا بسلام الرب القائم لتلاميذه ورسله "لو36:24, يو9:2,..الخ". أيضًا تستخدم هذه الصيغة اليوم في بلاد الشرق, فتحية السلام العبرية "شالوم" تعني سلام. لكن هناك إضافة في تحية الملاك وهي عبارة: "الرب معك" إشارة إلي أن السلام الحقيقي لا يتحقق بدون حضور الله. وهكذا إكتسب السلام الإجتماعي الملمح الخلاصي. وبالتالي تحية الملاك "سلام لك" أو "سلام" لا تمثل مجرد سلام عادي بل تعبر عن الحالة المنعمة التي أكدتها زيارة الله إلي عالمنا. إن تجسد الكلمة هو الضمان العظيم لتحقيق الشركة والسلام بين البشر والله. "إضطربت" فتاة الناصرة من زيارة الملاك, إذ سببت لها التحية الملائكية في لحظة "بشارتها" حشد من التساؤلات وأفكار كثيرة وبدأت تتسائل في نفسها "ما عسي أن تكون هذه التحية". إن الطبيعة البشرية لا يمكن أن تستوعب "عظمة السر" الذي بدأ يُعلَّن أمام أعين البشر. العذراء مريم ومعها كل البشرية وُجدت أمام معجزة غير قابلة للتفسير, وقول الملاك لها "لا تخافي يا مريم" تؤكد حقيقة إستحالة التفسير. كل مرة لدينا في العهد الجديد ولوج إلي الحقيقة الخلاصية سواء من جانب شخص معين أو مجموعة من البشر فإن هذه الحقيقة تُصارع بتعبيرات مثل "لا تخف" أو "لا تخافوا" والتي نجدها دائمًا في النصوص المقدسة (أنظر مت21:1, 20:1, مر36:5. لو12:1, 30:1, 10:2, 10:5,...الخ).
والحوار مستمر بين الملاك والعذراء: "فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً. فأجاب الملاك وقال لها الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعي إبن الله" (لو34:1ـ35). عبارة "وأنا لست أعرف رجلاً" تعني بالغة الدارجة لهذا العصر "هذا لا يمكن أن يحدث" أو "هذا لا يمكن أن يحدث حيث ليست لي علاقة أو لم يكن لي علاقة بتاتًا مع رجل" أو كما في بعض الترجمات الحديثة "كيف سيصير هذا حيث أني عذراء؟" 
بالرغم من رد فعل العذراء مريم فإن الملاك إستمر في قوله هذا وشرح لها قائلاً: "الروح القدس يحل عليك.... لأنه ليس شيء غير ممكن لدي الله". إن حدث "الحبل بلا دنس" لا يمكن أن يُفهم بلغة ومصطلحات عالمنا الطبيعي لكن بلغة الإيمان والمعجزة, بمصطلحات لاهوتية. لأن هذا الحدث هو من ضمن الإعلان الإلهي ولا يقع من ضمن الأحداث الطبيعية لعالمنا الساقط. هكذا العذراء مريم التي لم تستوعب في البداية ماذا تعني أقوال رئيس الملائكة جبرائيل, وبالرغم من ضعفها في أن تفسر وتفهم محتوي "البشارة" قدمت طاعة وإمتثال للإرادة الإلهية: "هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك"  (لو38:1). والفهم الضعيف لحدث ما لا يجب أن يعني في نفس الوقت رفضه. وفي حالة العذراء, الطاعة والخضوع لسر الله كان هو العمل الروحي الأكثر برهانًا من تفسير وفهم الإعلان الإلهي الذي يتوق إليه دائمًا الإنسان. معايشة المعجزة وحضور الله هو بلا شك عمل حقيقي وأساسي من هذا الذي ندعوه اليوم "محاولة تفسير الإعلان الإلهي".
3ـ رسالة البشارة في نور التعاليم اللاهوتية لتجسد الكلمة
لدينا بتجسد الكلمة حدث إلهي فوق طبيعي دخل إلي عالمنا الطبيعي والساقط ولا يُدرج من ضمن الأفعال البشرية. بحسب ظروف ونواميس العالم الساقط لهو أمر مستحيل أن يحدث حمل وولادة بدون الخضوع للقوانين الفسيولوجية "لتكاثر النوع" لكن تجسد الكلمة ـ بحسب النصوص المقدسة ـ ليس له مفهوم بقاء آدم الساقط المولود لم يأتي لكي يكمل سلسلة (أبناء الهلاك) لكن جاء بصفته "إبن الله" ولذلك هو بداية الدعوة المقدسة, حيث أنه "ثمرة" "قوة العلي" ـ بحسب النص ـ وبالتحديد "حلول الروح القدس". كلمة (عليكِ) تجعل الحدث هو محدد وشخصي داخل الزمن التاريخي (واقع الحياة). هكذا يسوع المسيح لم يكن ثمرة ووليد آدم الأول والإنسان الساقط. جاء إلي التاريخ بصفته "آدم الثاني والأخير" وصار "بكر" لبشرية جديدة, لنسل جديد لشعب الله أي الكنيسة. لدينا في حوار الملاك مع مريم وفي بشارة ميلاد يسوع المسيح تأكيد من رئيس الملائكة بأن "ليس شيء غير ممكن لدي الله". في كل مرة يتسائل الإنسان غير ممكن أن يحدث هذا؟ تأتي الإجابة "ليس شيء غير ممكن لدي الله". هنا "غير الممكن" التي للطبيعة البشرية "وغير المفهوم" للحدث التاريخي يتُخطون جوهريًا داخل "المنطق الجديد" للمعجزة. هناك الكل يُفهم فقط بفعل القبول وعندما نتحدث هنا عن "المعجزة" لا نعني أي "إبطال" لطبيعة عالمنا ونواميسه حتى إن تخطت بالتحديد "النظام الطبيعي". لأن المعجزة توجد جوهريًا في طبيعة الأشياء.
بالمعجزة لدينا صعود حقيقي للخليقة إلي حقيقتها بحسب الطبيعة, إلي حالة إستعادة ما فُقِد, أي إلي التجديد "الولادة الثانية" للخليقة من التغرب, والفساد, والموت أي السقوط إلي الحالة الأولي الجديدة لملكوت الله.
الكلمة أخذ "جسدًا" بالبشارة ("الكلمة صار جسدًا" يو14:1), وُلِد إنسان, أتي إلي التاريخ وإلي عالم الفساد, مات فوق الصليب لكن لم يكن من العالم الساقط أي "جسد", وفساد, وموت. بجسده وموته أبطل الفساد والموت اللذان جوهريًا مِن خصائص الطبيعة البشرية. هكذا, الشر هُزم وليس له صفة الديمومة. 

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

ماذا عن القديس أغسطينوس وتعليمة؟ المطران يوحنا زيزيولاس- ترجمة د جورج عوض

ماذا عن القديس أغسطينوس وتعليمة؟ المطران يوحنا زيزيولاس

«Ορθόδοξος Τύπος» 4/8/2006 ترجمة د.جورج عوض ابراهيم                          
بعض اللاهوتيون يعتبرون القديس أغسطينوس هرطوقي زاعمين ان تعليمه عن الله هو تعليم غير آبائي. هكذا بحسب رأيهم ، بينما التعليم الآبائي هو أرثوذوكسي ، إلا أن  - في نظرهم - تعليم أغسطينوس هو هرطوقي. لكن لو ان الامور هي هكذا حقاً ، لماذا لم يتهمه أي أحد من الآباء بأنه هرطوقي. لأنه لم يُدان أبداً من المجامع المسكونية بأن تعليمه عن الله هرطوقي. أيضاً ، آباء الكنيسة بأنفسهم لم يدينوا أبداً تعليم القديس أغسطينوس ، إذن بأي منطق يزعم اللاهوتيون المعاصرون بأن تعليمه في مجمله هرطوقي ، هل هم أكثر حكمة من الآباء ويدركون أكثر منهم تعليمه الهرطوقي ؟ 
على هذا الموضوع – بحسب رأيّي – يسري الآتي : أي مسيحي ليس هو معصوم من الخطأ. من هذا القانون العام لا يُستثنى أحد ، لا الرسل ولا آباء ومعلمي الكنيسة ، ولا – بالأكثر – الكُتاب الكنسيين المتنوعين واللاهوتيون الأكاديميون. القديس ايرينيوس أسقف ليون ، بالرغم من أنه سحق بتعليمه هرطقة الغنوسيين المرعبة كان معضداً لأفكار المُلك الألفي. وبالمثل ، القديس غريغوريوس النيصي ، بالرغم من أنه ساهم جوهرياً في إدانة أتباع أريوس ، إلا أنه عضد تعليم " النار المطهره " و" رد كل شييء" واللذين رُفضا من التعليم الأرثوذوكسي . في هذة الحالات ، تختار الكنيسة فقط ، بتمييز شديد داخل عمل الآباء والكتاب الكنسيين ، التعاليم الآتية من استنارة الروح القدس ، أو تعبر عن أصالة إيمانها بأصالة ودقة. هذة التعاليم تقبلها وتعرفها كتعاليم أرثوذكسية وآبائية ومُلهمة وتضمها إلى تقليدها. لكن عندما تتحقق الكنيسة من أخطاء في أعمال الآباء والكتاب الكنسيين ، لا تسير في إدانة الذين أخطأوا كهراطقة ( فيما عدا التطرف الشديد والخاص بخلاص المؤمنين ) ، ايضا تحاول ان لا تتبع أخطائهم .
إذن لأجل هذة الأسباب تعليم القديس أغسطينوس – بينما من الواضح ، انها تحتوي كثيراً من الأخطاء – أبداً لم تعتبرها الكنيسة في مجملها كتعليم هرطوقي ، بينما القديس أغسطينوس لم يُدان من الآباء كهرطوقي ولا من الكنيسة . على النقيض ، أعماله ، بالرغم من أخطائها ، صارت محبوبة من المسيحيين عبر الأزمنة ، وتمثل حتى اليوم قراءات مفيدة ( خاصةً في الغرب ) . على هذا الأساس فالرأي القائل بأن تعليم القديس أغسطينوس تعليم هرطوقي هو رأي خاطيء .
دعونا في هذا الموضوع نأخذ مثال من الآباء الكبادوك ( باسليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ) ، بالرغم من انهم كانوا يعرفون أخطاء أوريجينوس اللاهوتية ، إلا أنهم درسوا أعماله وكانوا يقدرونه كرجل كنسي عظيم ومفسر ويعتبرونه اب روحي لهم ( جدة باسليوس الكبير ، ماكرينا كانت تلميذة القديس غريغوريوس العجائبي الذي كان تلميذ أوريجينوس ) ، وعرفوا النقاط  الارثوذكسية في تعليمه.

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

هل من الضرورة الاستشهاد بنصوص كثيرة من أعمال الآباء لكي يحمل البحث الملامح الارثوذكسية ؟

 هل من الضرورة الاستشهاد بنصوص كثيرة من أعمال الآباء لكي يحمل البحث الملامح الارثوذوكسية ؟ المطران يوحنا زيزيولاس - ترجمة د جورج عوض

Ορθόδοξος Τύπος» 4/8/2006
بالتأكيد ، لا . لكي يُوصف النص بأنه أرثوذوكسي أو آبائي يجب ان يعبر عن أصالة ودقة روح تقليدنا الارثوذوكسي. هذا بحسب رأينا هو المعيار الوحيد الأكيد . من هناك وصاعداً ، كل لاهوتي ينبغي  ان يُظهِر استقامة وأصالة آرائه ، يمكن  عن قصد ، ان يذكر شواهد مكتوبة قليلة أو كثيرة من أعمال الآباء . لكن هذا زاد ومؤن تساعِد في عمله. لكن لو نصه لا يمثل تعبير دقيق وأصيل لروح تعليم القديسيين ، عندئذٍ ، حتى لو المكتوب مصاحب بشواهد كتابية وآبائية كثيرة ، تظل آرائه خاطئة.
على سبيل المِثال ، نصوص لاهوتية لشهود يهوة تحتوي على كثير من الشواهد الكتابية. لكن هذا لا يبرهن بمفرده بأنها تعبر عن أصالة ودقة تعليم الكتاب المقدس عن الله. على النقيض ، نصوص القديس سلوانس الأثونيتي ، على سبيل المثال ، والأب يوسف الهدوئي يستشهدون قليلاً من شواهد الكتاب أو الآباء. لكن بالرغم من ذلك ، هذة النصوص تعبر بأصالة ودقة عن روح التعليم الارثوذوكسي . لا يحتاج القديسون الاستشهاد بنصوص الكتاب المقدس او اعمال الاباء لكي يعلموا بتعليم الكنيسة لأنهم يعرفون التعليم اللاهوتي داخل خبرة الشركة ومعاينة الله .

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

حوار مع المطران يوحنا زيزيولاس – 2 - الشخص وعقيدة الثالوث القدوس

حوار مع المطران يوحنا زيزيولاس – 2 - الشخص وعقيدة الثالوث القدوس
«Ορθόδοξος Τύπος» 4/8/2006 ترجمة د.جورج عوض ابراهيم                                         مفهوم الشخص هل هو نتاج التعليم الآبائي ؟


لكي ندرك إجابة السؤال ينبغي أولاً أن نرى بإيجاز الأفكار الهامة ، على الأقل الأفكار الدينية والاعترافات المسيحية الخاصة بهذا الموضوع . نستطيع ان نقسم هذة الافكار إلى ثلاثة مستويات ، كالآتي :
1-   الكائن الالهي المطلق والأول هو ليس شخص. الذين ينادوا بهذا الفكر هم أتباع الديانات الشرقية . في هذة الديانات نستطيع ان نُدخِل على سبيل المثال تعليم الهندوسية ، البوذية وديانتي الصين المعروفة : الكونفوشيوسية والتاواسموس. كل هذة الديانات تزعم بأنه بسبب أن مفهوم الشخص يمثل واحدة من صفات الوجود البشري ، وله ،بحسب النتيجة المنطقية ، ملمح نسبي ، لذا غير مناسب أن يُعطى هذا المفهوم للكائن الالهي المطلق. هكذا نُزع مفهوم الشخص عن وجود الله ويقدمون الله في تعاليمهم على أنه اله عالمي غير مشخصن وقاسي بلا شفقة " ناموس للعالم " والذي ينظم حياة البشر وتاريخ العالم . هذا الناموس الكوني غير المشخصن يعتبر بداية وغاية كل شييء ، تصف الهندوسية بتعليمهم عن " البراهما وآتمان " . البوذية بتعليمها عن " كارما سامسارا " ، وديانة الصينيين ( الصيني المسكوني ) بتعليمهم عن " تاين (السماء) وتاو (الطريق) . من الواضح ان هذة التعاليم تُجد في تضاد تام مع تعليم الكنيسة عن الله والشخص .
2-   الله هو شخص مطلق بمفهوم للشخص مفاده هو مجرد وعي ذاتي لكائن . المعضدين لهذة الفكرة هم على سبيل المثال اتباع اليهودية  . ايضا، من الأعترافات المسيحية ممكن ان ينضم فرق بروستانتية متطرفة مثل شهود يهوة ، بالرغم من ان هذة الديانات والفِرق - يقبلون وحدانية الله وفرادته ووجود الله الشخصي – يدركون المفهوم اللاهوتي للشخص كمجرد وعي ذاتي لكائن إلهي مطلق . على النقيض مع الديانات الشرقية ، إله الديانات اليهودية والاسلام وإعترافات شهود يهوة لديه وعي بوجوده ، والصفات الشخصية في علاقته بالانسان والعالم ( على سبيل المثال ، يسمع ، يرى ، ينظر ، يحب ، يدين بالعدل ، يصبر ...الخ ).
النقص الأساسي لهذا الفكر اللاهوتي ، هو ان الله لا يستطيع ان يعلن صفاته الشخصية في وجوده الأزلي ( أي في وجوده قبل خلق العالم والانسان ) ، بل مخلوقاته في حاجة لكي يعلنها. هكذا ، إذن ، على سبيل المثال ، لو أن الله يوجد كشخص يحب ( " الله محبة " 1يو16:4 ) ، عندئذٍ مَنْ أحبه الله قبل خلق العالم والانسان ؟ ولو أن الله في وجوده الازلي أحب ذاته أو نفسه ، عندئذٍ لماذا أعطانا المسيح وصية أن نحب ليس أنفسنا ( مثل الله ذاته للتشبه به ) بل قريبنا مثل ذواتنا ( لو27:10-28 ، لاو18:19) ؟ لو أيضا الله يسمع وينظر ، عندئذٍ لمَنْ يسمع ، مَنْ كان يراه قبل خلق العالم والانسان؟ بالتالي ، تعليم هذة الديانات والفرق عن الله كشخص مقارنةً بما يماثلها في تعليم الكنيسة نحكم عليه انه صحيح جزئياً لكنه تعليم ناقص لأنه يستقي مفهوم الشخص في حدود ضيقة لوعي الله الكائن ، ولأن هذا المفهوم لا يستطيع ان يفسر كمال مفهوم الشخص في أبدية وجود الله ( أزلياً ، بلا بداية ، بلا زمن ) .
3-   الله هو شخص مطلق ، بمفهوم الشخص ، ان يُحَدد كعلاقة. أتباع هذا الفكر اللاهوتي بحسب المفهوم العام ، هم أتباع التعليم اللاهوتي للكنيسة (اللاهوت الارثوذكسي) ، كذلك التعاليم المماثلة للأعترافات المسيحية الذين يقبلون ،على الأقل كأساس في تعليمهم  عن الله الشخص ، التعليم عن العقيدة الثالوثية . الله يوجد كثلاثة أشخاص في جوهر واحد ، أي الثالوث القدوس .
عقيدة الكنيسة عن الثالوث يمكن ان نلخصها في الآتي :
أ‌-       كل شخص في الثالوث لدية أسماءة الخاصة . يُدرّك بأن هذة الأسماء تُعطّى من جانبنا في محاولتنا ان نصف بكلمات مخلوقة وجود الله الأزلي. أي ليست هذة الأسماء هي غير مخلوقة أو أزلية . أسماء أشخاص الثالوث القدوس هي الآتي :
الشخص الأول : الآب
الشخص الثاني : الإبن ، الكلمة ، الحكمة ، القوة
الشخص الثالث : الروح القدس ، المعزي
ب‌- كل شخص من الثالوث القدوس لديه أقنومه الخاص أو خاصيته الأقنومية  والتي لا يشاركه فيها أي من الشخصين الآخرين وتميزه عنهما. أشخاص الثالوث لديهم كل شييء مشترك بينهم فيما عدا الخاصية الاقنومية لكل شخص على حده لأن هذه الخاصية هي التي تميز الواحد عن الآخر وتسمح لهم بأن يوجدوا كأشخاص حقيقيين ( أي كأقانيم مختلفة تؤقنم بطريقة فريدة مطلقة الجوهر أو الطبيعة الإلهية. الخواص الأقنومية للثالوث القدوس هي الآتي :
الشخص الأول : غير المولود ( لأن الآب ليس مولوداً من أي كائن آخر)            الشخص الثاني : مولود ( لأن الابن – الكلمة وُلِدَ من الآب )
الشخص الثالث : منبثق ( لأن الروح القدس هو منبثق فقط من الآب )
ت‌- من جهة علاقتهم مع الطبيعة الالهية ، كل أقنوم من الثالوث هو حامل كل الجوهر الالهي وفي نفس الوقت هو بمفرده  الله. أي الجوهر الالهي ينتمي بالكامل " في نفس الوقت " لأقانيم الثالوث القدوس .بالتالي الأقانيم الثلاثة ليسوا هم ثلاثة آلهة مختلفين ( أي ثلاثة جواهر منفصلة كما يزعم أتباع المونارخية و أتباع آريوس بل ولا ثلاثة طرق لظهور أقنوم الآب في التاريخ وفي حياة الكنيسة أي ثلاثة " أقنعة " بواسطتها الله الواحد يلعب أدوار مختلفة كما زعم سابليوس .
ث‌- أقانيم الثالوث تُوجد كإله واحد لأن بينهم لا يتوسط المكان والزمان . تحليلياً ، المكان والزمان هما أبعاد مخلوقة خُلقت من الله في بداية خلق العالم. بالتالي في الوجود الأزلي للثالوث ( قبل بداية العالم والانسان ) لم يكن يوجد لا مكان ولا زمان . كان يوجد فقط  الثالوث غير المخلوق وغير الزمني والذي لا بداية له ، حيث غاب أي مفهوم للمكان والزمان ، والزمان والمكان كأبعاد مخلوقة  تُحتّوي بين المخلوقات وتخلق "مسافات" بينهم . هكذا  ثلاثة أشخاص من البشر يمكن ان يوجدوا داخل أبعاد المكان والزمان كثلاثة من البشر مختلفين عن بعضهم . على سبيل المثال ، بركليس واسكندر الكبير والامبراطور الروماني نيرون هم ثلاثة أشخاص واحد فى الجوهر او لهم نفس الجوهر ولأن بُعد الزمن يتوسط بينهم  يُمكن ان يُدركوا كثلاثة أشخاص مختلفين . بنفس الطريقة ،" يني" الذي يعيش في أمريكا ، و"كوستا" الذي يعيش في اليونان ، و"نيكوس" الذي يعيش في إستراليا هم ثلاثة  أشخاص  من البشر لهم نفس الجوهر الواحد ، ولأن بُعد المكان يتوسط بينهم يمكن ان يُدركوا كثلاثة أشخاص من البشر مختلفين . ما الذي كان سيحدث لو ان المكان والزمان لم يتوسطا بين بيركليس وأسكندر الأكبر والامبراطور نيرون ، وكوستا ويني ونيكوس ؟ عندئذِ الستة أشخاص هؤلاء المختلفين عن بعض سوف يوجدوا كأنسان واحد بستة أشخاص . هذا يحدث في الثالوث القدوس غير المخلوق والأزلي . لأن في وجود الله الأزلي لا يوجد زمان ومكان ، أي " مسافة " لا تُفرض بين الآب والابن والروح القدس وهكذا الثلاثة أشخاص يوجدوا بكونهم إله واحد .
ج‌-    من جهة العلاقة بينهم ، أقانيم الثالوث لها وحدة مطلقة للجوهر ، للأفعال وللإرادة. هذة الوحدة تُعبر لاهوتياً بمصطلح " الأحتواء المتبادل " . وحدة الارادة هي التعبير الوجودي " الأنطولوجي" للمحبة المطلقة التي تربط أقانيم الثالوث القدوس . الثالوث القدوس هو في الأساس شركة محبة ، شركة محبة لأقانيم الطبيعة الالهية المساوية في الجوهر. ببساطة ، المحبة التي توحد الثالوث القدوس هي محبة كاملة ومطلقة ، لدرجة أنه من المستحيل ان لا يتفقوا معاً . وحدة إرادة الثلاثة أقانيم للثالوث القدوس كتعبير للمحبة المطلقة التي تربط فيما بينهم  وكذلك كتعبير وجودي لطريقة حياة المحبة التي بها أقانيم الثالوث أختاروا بحرية ان يوجدوا مؤقنمين الطبيعة الالهية ( المحبة هي الطريقة التي بها يوجد الشخص ) تمثل بحسب رأييّ النقطة الأساسية لتعليم الكنيسة عن الله والشخص ، الشخص حُدِدَ – للمرة الأولى في التاريخ – كعلاقة . بالتالي مفهوم الشخص حُدِدَ كعلاقة ( أي كشركة محبة لأقانيم الثالوث المساوي في الجوهر ) إنه نتاج وحصاد التعليم اللاهوتي الأرثوذوكسي ، لأن هذا التعليم هو الذي يميز تعليم الكنيسة عن الله والشخص عن التعاليم المماثلة لكل الديانات الأخرى والمجموعات المسيحية التي لا تقبل عقيدة الثالوث القدوس  . بالتالي تعاليم اعترافات الايمان المسيحية التي تقبل عقيدة الثالوث القدوس كذلك تعاليم الآباء والكُتاب الكنسيين هي صحيحة بقدر ما ترتبط بتعليم الكنيسة عن الله والشخص وتصيغها بأصالة ودقة .