الاثنين، 12 نوفمبر 2012

يوحنا ذهبي الفم ”نبي الإنسانية”


يوحنا ذهبي الفم  نبي الإنسانية

 

للأب جورج فلوروفسكي[1]

ترجمة د.جورج عوض

 

    كان ذهبي الفم واعظًا قويًا، أحب الوعظ حبًا فائقًا وأعتبره واجب كل إكليريكي مسيحي. الكهنوت هو سُلطة ولكن سلطة كلمة وإقناع وهذه هي الصفة المميزة للمبدأ المسيحي (عمومًا). الملوك يستخدمون القهر والجبر أما الإكليريكيون يُقنّعون. الملوك يعملون بإصدار أوامر لكن الإكليريكيين بالنُصح والإرشاد. الإكليريكيون موّجهون نحو الحرية الإنسانية، نحو الإرادة الإنسانية ويطلبون مواقف (قرارات). مثلما تعوّد ذهبي الفم نفسه أن يقول: "نحن مجبرين أن ننجح في خلاص الناس بالكلمة، بالوداعة وبالنُصح". عند ذهبي الفم، كل قيمة الحياة الإنسانية عندما تكون ـ كما كانت من قبل ـ حياة في حرية، وعندئذٍ في رأيه تكون حياة مفيدة (لها قيمة).

    تكلم ذهبي الفم في عظاته بإستمرار عن الحرية والموقف (القرار)، الحرية ـ بحسب رأيه ـ كانت صورة الله في الإنسان. لقد آتى المسيح ـ كما تعود أن يذكر ـ لكي يشفي إرادة الإنسان. الله دائمًا يعمل بطريقة مثل هذه، حتى لا يُدمر حريتنا. الله نفسه يعمل بواسطة الدعوة والنصيحة وليس بالإجبار والضغط، إذ يُظهر الطريق المستقيم، ويدعو ويُخبر عن أخطاء الشر ولكن لا يُجبر أحد، بمثل هذه الطريقة يجب أن يعمل الإكليروس المسيحي.

    كان ذهبي الفم ـ من طبيعة تكوينه ـ يميل ناحية الحلول المباشرة والثورية ـ أي حاد وصارم، لكن كان دائمًا ضد الإجبار حتى في الصراع مع الهراطقة. كان يُكرر دائمًا قائلاً: "غير مسموح للمسيحيين أن يستخدموا القهر حتى لأهداف صالحة، حربنا لا تجعل الأحياء أموات لكن تجعل الأموات أحياء، لأنها تمارس بروح الوداعة وبساطة التواضع، أُدين بالكلام وليس بالأعمال، أدين الهرطقة وليس الهراطقة، إنه مبدأ خاص بي أن أُدان عن أن أُدين، هكذا كان المسيح منتصرًا كمصلوب وليس كصالب"

    إن قوة المسيحي تُوجد في التواضع والتسامح وليس في إستخدام القوة، يجب على كل واحد أن يكون صارم مع نفسه ورحوم نحو الآخرين.

    ورغم كل هذا، لم يكن ذهبي الفم أبدًا عاطفي متفائل إذ كانت خلاصته للحالة الإنسانية سوداء ومحزنة. عاش في زمن كانت فيه الكنيسة مكتظة بجموع المسيحيين ولكن بالاسم فقط، لقد توَّلد عنده إنطباع أنه يعظ للأموات. لقد شاهد غياب المحبة الإنسانية والظلم المستمر ورأى كل ذلك تقريبًا داخل إعلان تصاعدي: "أطفائنا الغيرة (الحسنة) وجسد المسيح ميت". لقد توّلد له إنطباع أنه يتكلم لأناس كانت لهم المسيحية موضة، فراغ، ضريبة مفروضة ليس أكثر: "ما بين الآلاف، يستطيع أحد بصعوبة أن يجد أكثر من مائة مخلصين، وحتى هذا أشك" كان يشعر بالضيق والحزن على العدد الهائل من المسيحيين بالاسم والذين يعتبرهم "وقودًا للنار".

    الرفاهية ـ في رأي ذهبي الفم ـ هي خطر عظيم، إنها أسوأ نوع من الإضطهاد، أسوأ من الإضطهاد الفعلي. لا أحد يرى الأخطار ـ يقول ذهبي الفم ـ الرفاهية تتغذى على اللامبالاة. الناس يقعون في سُبات عميق والشيطان يقتل النائمين. لقد كان ذهبي الفم قلقًا خاصةً على المعايير المتدنية للقيّم والمظاهر والعشوائية والتي كانت أيضًا بين الأكليروس. الملح فقد قوته المملحة. لقد واجه ذهبي الفم كل هذا ليس فقط بكلمات إستنكارية وعراكية ولكن بأعمال إنسانية وبالمحبة، لقد جاهد لتجديد الشركة ولشفاء المجتمع الشرير. وعظّ ومارس المحبة مؤسسًا مستشفيات وملاجيء، مساعدًا الفقراء والمحرومين، أراد من الناس أن يمارسوا الحُب، أراد بالأكثر أن يرى العمل والإخلاص بين المسيحيين. المسيحي. عند ذهبي الفم كان بالضبط "الطريق"، مثلما أُطلق هذا المصطلح على المسيحي في زمن الرسل، والمسيح نفسه كان "الطريق". لقد كان ذهبي الفم ضد المتساهلين، ضد سياسة تبادل المصلحة وتكييف الأمور، لقد كان نبي المسيحية الكاملة.

    كان ذهبي الفم واعظًا خاصةً في الأخلاق (السلوك)، لكن أخلاقه (أي تعليمه الخلقي) كانت متجذرة بعمق في الإيمان.

    إعتاد أن يُفسر الكتاب لرعيته، والكاتب المحبب له هو بولس الرسول. ويستطيع أي أحد بسهولة أن يرى في رسائله العلاقة الفعالة بين الإيمان والحياة. لقد كان لذهبي الفم موضوع عقيدي محبوب، يكرره كثيرًا، إنه موضوع الكنيسة والتي يربطها بشدة بعقيدة الفداء أي ذبيحة المسيح رئيس الكهنة، الكنيسة هي الوجود الجديد، الحياة في المسيح والحياة في بشرية المسيح.

    الموضوع الثاني هو موضوع الإفخارستيا الإلهية، إنه سر وأيضًا ذبيحة. إنه من العدل أن نُسمي ذهبي الفم، مثلما يُدعى حقيقًا، "مُعلم الإفخارستيا الإلهية" Doctor eucharisticus. وهذان الموضوعان مرتبطان ببعض، لأن الكنيسة حية في الإفخارستيا وبواسطة الإفخارستيا.

    كان ذهبي الفم شاهدًا للإيمان الحي، ولهذا السبب، صوته سُمع صداه في الشرق والغرب. الإيمان عنده حياة وليس نظريات، العقائد لابد أن تصير أعمال. لقد وعظ ذهبي الفم بإنجيل الخلاص، بإنجيل الحياة الجديدة، لم يكن واعظًا لأخلاق ذاتية بل بشّر بالمسيح، بالمصلوب والقائم، بالحمل ورئيس الكهنة. الحياة المستقيمة عنده كانت البرهان الكافي للإيمان المستقيم: الإيمان يكُمل في الأعمال الإنسانية والمحبة. بدون المحبة والإيمان والرؤية السرية والأسرار الإلهية كل شيء مستحيل. تابع ذهبي الفم صراع اليأس لأجل الحقيقة داخل مجتمع عصره، لقد إنشغل دائمًا لأجل النفوس الحية، كان دائم التوجّه للرعية لأنه كان يشعر نحوهم بالمسئولية لقد ناقش دون ملل ظروف وحالات محددة، وكان موضوع الغنى والفقر هو أحد مواضيعه المحببة والمعتادة. هذا الموضوع أملاه المحيط الذي كان يعيش بداخله فكان يحب أن يواجّه الحياة التي تشكلت داخل المدن العظيمة والمكتظة بالناس بكل ما فيها من تناقضات وتناحر بين الأغنياء والفقراء. ببساطة لم يستطع أن يتجنب المشاكل الاجتماعية بدون أن يُبعد المسيحي عن الحياة، إذن المشاكل الاجتماعية ـ عند ذهبي الفم ـ هي مشاكل دينية وأخلاقية.

    لم يكن ذهبي الفم مجرد مُبدع اجتماعي مع أنه كان يملك خططًا ورؤى للمجتمع في ذلك الوقت، لكنه إنشغل وأهتم بسلوك المسيحيين داخل العالم من ناحية واجباتهم ووظائفهم.

    إننا نجد في عظاته، أول كل شيء، تحليل بحثي عن حالة المجتمع، لقد وجد فيه ظلم كثير جدًا، برودة، لامبالاة، ألم وحزن. لقد إكتشف أن هذه الحالة ترجع إلى شراهة هذا المجتمع إلى روح الطمع الذي يُغذي عدم المساواة والظلم. لم ينزعج ذهبي الفم فقط بمفاخر الحياة الباطلة بل إعتبر الغنى هو التجربة الدائمة. الغِنى يفسد الغَني، إنه قناع يخفي تحته حقيقة شخصية الإنسان، إن هؤلاء الذين عندهم الغِنى يصلون لمرحلة فيها يحبونه منخدعين ويهابونه معتمدين عليه. كل أنواع الغِنى هو خطر طالما يعتمد ويرتكز عليه الإنسان مع أنه شيء مؤقت وغير دائم.

    كان ذهبي الفم إنجيليًا في هذا الموضوع (أي كان يعتمد على فكر الإنجيل في مواجهة موضوع الغِنى والفقر)، يقول يجب أن نكنز كنوزًا في السماء وليس على الأرض لأن كل الكنوز الأرضية هي أوهام ومحكوم عليها بالفناء.

    أيضًا يقول ذهبي الفم أن "محبة الغِنى هي محبة غير طبيعية"، هي ببساطة ثقل على النفس وثقل خطير، فالغِنى يستعبد النفس، يقطعها من خدمة الله. الروح المسيحية هي روح الرفض والغِنى يكبل الإنسان بأشياء جامدة (أي لا نفس لها). إن روح الشراهة والطمع تُغير الرؤية وتشوه التطلعات.

    إن ذهبي الفم إتبع عن إيمان راسخ وصايا العظة على الجبل "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون. ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس..." النفس هي أهم من اللباس أو الطعام، لكن الصراع هو سيطرة نظام المجتمع الشره والنهم.

    أن دعوة المسيحيين هي رفض كل أشكال الغِنى والثقة الكاملة والإيمان بتبعية المسيح، الغِنى له ما يبرره فقط في استخدامه: إطعموا الجياع، ساعدوا الفقراء وأعطوا دائمًا المحرومين. هنا يكون التوتر الأساسي والتصادم الجوهري بين روح الكنيسة والمجتمع المادي. إن الظُلم المُر والقاسي الذي نجده في الحياة اليومية هو الجرح النازف لهذا المجتمع. إن كل أشكال الغِنى هو ظُلم خاصةً في عالم مثل هذا مليء بالحزن والحرمان، إنه ببساطة دلائل على إنتشار اللامبالاة والبرودة (في علاقة الناس ببعض) وقلة الإيمان.

    لقد تعمق ذهبي الفم من هذا الموضوع لدرجة أنه إنتقد مفاخر الكنائس فيقول عن الكنيسة إنها "مكان نصرة الملائكة وليس محل صاغة. الكنيسة تطلب نفوس البشر وفقط لأجل النفوس يقبل الله كل تقدمة أخرى. الكأس الذي قدمه المسيح للتلاميذ في العشاء السري لم يكن من الذهب ولكنه كان له قيمة من أي شيء آخر. عندما تريد أن تُكرّم المسيح نعم أفعل ذلك عندما تراه عريانًا في شخص الفقراء. ليست لها أي قيمة لو قدمت حرير ومصنوعات ثمينة للكنيسة وتركت خارجًا المسيح يُعاني من البرد والعُري. أين الفائدة؟! لو أن الكنيسة مليئة بالأواني الذهبية لكن المسيح نفسه يموت جوعًا. إنكم تصنعون من الذهب صواني للكأس لكن لا تقدمون كأس ماء بارد للفقراء. المسيح كغريب بلا مأوى يجول خارجًا متسولاً وبدلاً من أن تقبلوه تصنعون نقوشًا".

    إن كان خوف ذهبي الفم هو أن أي شيء زائد على الحاجة ويُدخر هو بطريق ما مسروق من الفقراء. وفي رأيه لا يستطيع أحد أن يغتني إلا بإحتفاظه بفقراء آخرين (غالبًا يقصد بالاحتفاظ بالفقراء ليستخدموهم في إدارة مشاريعه). إن أصل الغني مؤسس دائمًا على ظُلم معين. وبالرغم من ذلك، الفقر في حد ذاته، عند ذهبي الفم، ليس هو فضيلة. الفقر يعني، عنده، قبل كل شيء الحرمان، والاحتياج والحزن والألم. ولأجل هذا السبب المسيح يُوجد بين الفقراء ويأتي إلينا متخفيًا كمتسول وليس كإنسان غني. إن الفقر هو بركة ولكن فقط عندما يصير مقبولاً وذلك لأجل المسيح. إن جهاد الفقراء هو أقل من الأغنياء وهم أيضًا أكثر إستقلالاً ـ أو على الأقل يمكنهم أن يكونوا كذلك.

    لكن ذهبي الفم يعرف جيدًا أن الفقر يُمثل أيضًا تجربة، ليس فقط لأنه ثقل ولكن لأنه يُشجع على (يجلب) الحزن واليأس.

    لقد أراد أن يحارب الفقر لأجل هذا السبب بالضبط، ليس فقط لكي يخفف الألم ولكن لكي يُبعد التجارب.

    لقد إنشغل ذهبي الفم دائمًا بالمواضيع الأخلاقية، وله آراء خاصة عن المجتمع العادل، وأول شيء يعتبره ضروري في المجتمع هو المساواة، فهي تمثل القيمة الأولى للمحبة الأصيلة. وتبحر ذهبي الفم أكثر في هذا الموضوع مؤمنًا أنه يوجد واحد فقط في العالم يملك كل الأشياء هو نفسه الله خالق كل الأشياء. وبناء على ذلك ـ من الأصل ـ أي ثروة فردية هي غير موجودة. الكُل يُنسب ـ إلى الله. أي شيء (نملكه) هو ليس مُعطى من الله بل مقترض من الله للإنسان ولأهداف إلهية.

    لقد أراد ذهبي الفم أن يقول: كل الأشياء هي مِلك الله ما عدا الأعمال الصالحة للإنسان ـ هذه الأعمال هي فقط التي يستطيع الإنسان أن يمتلكها، إن كل الأشياء مُعطاة للإستخدام المشترك طالما إنها تنتمي إلى الله، ربنا كُلنا.

    ألا يُصدق هذا على الأشياء العالمية؟ المُدن، الأسواق والطرق أليست مشتركة للكل؟ إن تدين الله هو بنفس النوع، الماء، الهواء، الشمس والقمر وبقية الخليقة هي للاستخدام المشترك.

    تبدأ المنازعات عادةً عندما يحاول البشر أن يدّعوا ملكية هذه الأشياء والتي هي بطبيعتها لم تُعطى للاستخدام الخاص لبعض الناس دون الآخرين.

    إن ذهبي الفم كانت لديه شكوك ناحية الملكية الفردية. ألم تبدأ المعركة (الصراع) من اللحظة التي ظهر فيها التميز البارد بين "ما هو لي" و "ما هو لك"؟ لم ينشغل ذهبي الفم كثيرًا بالنتائج ولا للأسباب التي توجّه الإرادة.

    أين يذهب الإنسان حتى يُجمع كنوزه هذه؟ لقد طلب ذهبي الفم العدل لكي يحمي القيمة الحقيقية للإنسانية. ألم يُخلق الإنسان على صورة الله؟ ألم يريد الله خلاص ورجوع الإنسان بغض النظر عن موقعه في الحياة ومدى سلوكه في الماضي؟

    الجميع مدعّون للتوبة والتوبة هي في إستطاعة الكُل. لا يُوجد أي إحتقار للأشياء المادية في عظات ذهبي الفم. الخيرات المادية آتيه أيضًا من الله وهي ليست شريرة في حد ذاتها. الإستخدام الظالم للخيرات، نحو فائدة البعض ذاك هو الشر إذ يُترك الآخرين في جوعهم. الإجابة تُوجد في المحبة. المحبة ليست أنانية "لا تفتخر ولا تطلب ما لنفسها" لقد كانت أمام عينيه الكنيسة الأولى "شاهدوا نمو التقوى. لقد تركوا غناهم بكل سرور لأنهم أخذوا غِنى أعظم بدون تعب. لا نجد أحد بينهم قد عُيّر ولا أحد خامل (كسول) أيضًا ولا أحد بينهم حفظ الإساءة. لم يوجد بينهم إفتخار ولا إحتقار. لم يحدث سلام عن "ما هو لي" و "ما هو لك" الفرح كان يغمر موائدهم ولا ظهر أحد على أنه يأكل من ما له أو ما هو للآخر إذ لم يعتبروا ثروات إخوتهم غريبة عليهم. كانت ثروات الرب، إذ لا شيء كان ملكهم بحسب إعتقادهم، الكل كان للإخوة، يتسائل ذهبي الفم: كيف كان ذلك ممكن؟! بإلهام المحبة، بمعرفة محبة الله الغير محدودة.

    لم يعظ ذهبي الفم ـ تحت أي معنى ـ "بالشيوعية". وصفه العام في حد ذاته ممكن يخدع ويضلل أي أحد بسهولة، لأن الأساس عنده هو الروح. كان الرهبان في عصره قد طبقوا بحماس وبطريقة عملية أن الله هو السيد والمالك لكل الأشياء. وذهبي الفم، إذ كان يعظ في المدن إعتبر الحياة الرهبانية ليس طريق أسمى قد أُعدّ للمختارين ولكن قانون إنجيلي (مِثال) للحياة وهي متاحة بل أعطيت لكل المسيحيين. بهذا المفهوم قد إتفق مع التقليد الأساسي للكنيسة الأولى من باسيليوس وأغسطينوس حتى ثيودوروس ستوديتوس θεοδῶρος Στουδίτος  فيما بعد. إن قوة الرهبنة لم تُوجد في الشكل الأولَّي لها ولكن في روح التكريس في إختيار "الدعوة العُليا". أكانت هذه الدعوة فقط لقلة؟ يتسائل ذهبي الفم. لقد كان شاهدًا عيان لعدم المساواة. يستائل أيضًا أليس خطر أن نميز بين "الأقوياء" و "الضعفاء"؟ من الذي سوف يدين؟ لقد وضع ذهبي الفم في ذهنه الناس العمليين. كان يُوجد ندرة فردية في طريقة تعامل الناس ببعض، لكن ذهبي الفم كّرم كثيرًا روح الوفاق والجماعة، روح التكافل، الإهتمام المشترك والمسئولية المشتركة، روح الخدمة. لا يستطيع أحد أن ينمو في الفضيلة إلا إذا خدم إخوته، لذلك كان دائمًا يشدد على قيمة (أهمية) المحبة الإنسانية. هؤلاء الذين لم يمارسوا المحبة الإنسانية يُتركون خارج عُرس المسيح. لا يكفي أن ترفعوا الأيادي نحو السماء مِدَّوها نحو المحرومين عندئذٍ تُستجاب من الآب. السؤال الوحيد الذي سوف يُسأل في الدينونة الأخيرة هو عن المحبة الإنسانية وذلك بحسب مَثَل الدينونة الأخيرة الوارد في الإنجيل. لم يكن ذهبي الفم مجرد داعيًا للأخلاق، فالأخلاق لديه لها عمق واضح. المذبح الحقيقي هو نفسه جسده البشري، فلا يكفي أن نعبد الله في المذابح (الكنائس) لأنه يوجد مذبح آخر من الأنفس الحية، وهذا المذبح هو نفسه المسيح أي جسده. أن ذبيحة البر والرحمة هي التي يجب أن تُقدم على هذا المذبح، وذلك لو أردنا أن تُقبل تقدماتنا في أعين الرب. إن الإخلاص والتكريس المطلق للمسيح، الذي آتى إلى العالم ليسد كل إحتياج ويلطف كل حزن وألم، يجب أن يُلهم أعمال المحبة الإنسانية.

    كان ذهبي الفم لا يعتقد في الأشكال المجردة، وإذا كان يملك إيمان ملتهب، في القوة الخلاقة للمحبة المسيحية. ولهذا السبب صار مُعلمًا ونبيًا لكل العصور في الكنيسة. لقد عاش في شبابه عدة سنوات في الصحراء ولكنه لم يرد أن يظل هناك، لذلك إنعزاله الرُهباني كان مجرد فترة إعداد وتجهيز. لقد عاد إلى العالم لكي يعظ عن قوة الإنجيل، كان مدعوًا من الله مبشرًا، له غيره إنجيلية ورسولية. أراد أن يتقاسم مع إخوته هذا الإلهام (الغيرة) ويعمل لثبات ملكوت الله. لقد صلّى أن تتحقق كل هذه الأمور في الحياة العامة حتى لا يحتاج أحد أن ينسحب إلى الصحراء مفتشًا على الكمال لأنه توجد نفس الفرصة داخل المدن. أراد أن تتغير "تتجلى" المدينة نفسها ولأجل هذا الهدف إختار لنفسه طريق الكهنوت والرتبة الرسولية.

    أكان هذا حُلم سهل المنال؟ أكان من الممكن إعادة تغيير العالم وطرح كل ما هو مادي فيه؟ هل نجح ذهبي الفم في رسالته؟

    لقد كانت حياته عاصفة وصارمة، كانت حياة المثابرة والشهادة. لقد طُرد وأُستُنكر ليس من الوثنيين ولكن من إخوته المزيفيين، ومات بعيدًا عن الوطن كأسير في المنفى. لكن قبَّل كل ما حدث له بروح الفرح وكأنها أتت من يد المسيح فالمسيح نفسه قد حُكم عليه بالموت.

    الكنيسة حفظت له الجميل واعترفت بذاك الشهيد وأعلنت في إحتفال بأن ذهبي الفم كان مُعلمًا من "المعلمين المسكونيين" لكل الأجيال القادمة. يُوجد مذاق خاص (غير معتاد) في نصوص ذهبي الفم، لقد كان العالم الذي يعيش فيه هو أيضًا عالمنا، عالم متوتر، عالم مكتظ بالمشاكل في كل قطاعات الحياة. إن نصائحه من الممكن أن تجد لها صدى ـ ليس قليل ـ في عصرنا وأهم ما قدّمه هو تلك الدعوة نحو تحقيق المسيحية الكاملة والتي فيها الإيمان والمحبة الإنسانية، الإيمان والتطبيق العملي مرتبطان كيانيًا مع لجوء مطلق إلى محبة الله العجيبة، إلى الثقة المطلقة في رحمته، إلى إخلاص مطلق في خدمته بواسطة يسوع المسيح إلهنا.



[1] هذه المقالة نُشرت في :
St. Vladimir's Semimavy Quantenly, IV, Nos 3/4 (1955)
.

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

الأصولية الدينية المتطرفة


الأصولية الدينية المتطرفة

د. جورج عوض إبراهيم

تعريف كلمة أصولية:

    الكلمة باللغة اليونانية هي φανταμενταλισμosوهي من الكلمة الإنجليزية fundamentalism وتعني (الأصولية) أو العودة إلى "الأصول" الخاصة بتقليد سابق في الماضي والبقاء فيها إيمانياً وفكرياً وسلوكياً. إذًا فالأصولية هي الإصرار على بنود إيمانية والدفاع المستميت عن عناصر أصولية لميراث ديني.

هناك ثلاثة ملامح تُكَون الأصولية المتطرفة:

 1ـ النزعة المحافظة التقليدية.          2ـ النزعة التدينية .                                                        3ـ النزعة الجهادية.

النزعة المحافظة التقليدية

    تظل هي النزعة السائدة المميزة للأصولية عن "النزعة المعاصرة"، فهي تعارض النزعة التحررية أو الاجتماعية أو التنويرية والحداثة. هكذا فهي تعني الحفاظ على تقليد "الأصول" بدون تجديد وبدون تطبيق معاصر. كما وأن الإيمان بحسب الحرف والتطبيق الأعمى لأوامر الميراث السلفي ومعارضة كل ما هو حديث، وغربي (أوروبي أو أمريكي). يعد نواة الحركة الأصولية.

    فالأصولي المتطرف يمارس حياته اليومية وفقًا لنظرة تاريخية قديمة مرتبطة بالماضي، إلا أنه يستخدم بعض وسائل الحداثة، مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء"، بيد أنه عندما تتحدث معه عن الأسس الحديثة لنظريات الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والنفسية فإنه يرفضها بشدة، لأنها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح للإنسان المخلوق بحسب صورة الله ومثاله، تاج الخليقة.

    وعندما يدعو الأصولي إلى التسامح ـ لتمرير خطابه المتزمت ـ فإنه يقصد التسامح من زاوية أصولية تاريخية ضيقة لا تمت بصلة بموضوع التسامح في إطاره الإنساني الذي يحتضن الإنسان أيًا كان مذهبه أو هويته. والدليل على ذلك هو أن الأصولي يتهرب من إعلان موقفه من قضايا الحريات العامة في المجتمع: مثل حرية العقيدة للجماعات المختلفة عنه، وحرية الرأي والتعبير بشكل عام، وقضايا الإرتداد الديني، والمساواة، والمرأة، والإلحاد، وغيرها من القضايا. إن الذي يُحرك الأصولي هو خطابه الديني المتزمت والسلفي وليس الخطاب المتجدد الذي يضع كرامة الإنسان المخلوق الإلهي في المرتبة الأولى.

0

 

أيضًا النزعة التدينية

    وهي نزعة تصبغ الأصولية وتحدد النزعة المحافظة التقليدية. فالتدين يكون بمثابة العنصر المثبت للنزعة المحافظة التقليدية، والمادة المتماسكة والقوية لأصول التقليد في الدين التي تُخضع كل ما هو علماني (الدولة، المجتمع، الاقتصاد) لكل ما هو ديني، وتُخضع الخاص (الحياة الشخصية للفرد) إلى العام (القيم الأخلاقية الدينية "الشرع المقدس"). هكذا الأصولية الدينية المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري وترفض المرونة الاجتماعية في التعامل مع هذا السلوك. فهي دائمًا تتصلب في فهمها لكل مجالات الحياة. فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة للأصولية مفسدات، إلا إذا كانت تساعد على نشر رسالة الجماعة الأصولية. كما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصر في أحكامها. وجميع الحركات الأصولية تعطي لنفسها دور الوكيل لسلطة مقدسة ستهيمن على الأرض، وبالتالي ترى أفكارها كاملة وغير قابلة للنقاش.

    أحد أسباب أنتشار النزعة الدينية يتمثل في فقدان تفسير طبيعة الحياة الحديثة، لذا نجد أن مؤسسي الأصوليات الدينية يبحثون عن وجهات نظر متكاملة من أمهات الكتب التراثية، واستلهام ما قام به السلف الصالح لتريحهم من البحث عن أسئلة لا يملكون الإجابة عليها.

 

النزعة الجهادية

    وإن كانت تمثل الملمح الثالث، إلا إنها العنصر الأكثر إثارة للأصولية المتطرفة. إن استخدام العنف باسم النزعة المحافظة في خدمة كل ما هو مقدس هو ما يلخص الحركة الأصولية. فاستخدام السلاح وسفك الدماء، والقتل الجماعي، بتر الأعضاء كعقاب، طرد وعزل الأقليات، التمييزات القبلية، التطهير العرقي والإرهاب، كل هذا يندرج في بنود  الأجندة اليومية للأصوليين في كل العالم وفي كل عصر.

    ويشهد العالم الآن في كل أرجائه ارتدادًا، يصل إلى حد التطرف والإرهاب، إلى الأصولية الدينية بجميع طوائفها (الهندوسية والإسلامية واليهودية والمسيحية والبوذية). ويبشر الأصوليون كل مَنْ يلتزم بتعاليمهم، بالنجاة. ولا مجال في عالمهم لإثارة تساؤلات تنم عن حالة من الحيرة والقلق. أما مَنْ لا يتبع التعاليم، فيستحق العذاب.

 

الأحد، 4 نوفمبر 2012

حان الوقت لرسالة المصالحة


حان الوقت لرسالة المصالحة


د. جورج عوض

 

مفهوم المصالحة

          إن مصطلح مصالحة في اللغة اليونانية هوκαταλαγη [1] ويتكون من:αλλαγη)  +   (kataأى التغيير التام أو الكامل.

          والتغيير في هذا السياق يعنى التجديد ، خليقة جديدة (2كو17:5)، هذا التجديد كمنهج جديد للوجود يقوم على علاقة جديدة للإنسان مع الله، ومع ذاته، ومع أخيه الإنسان وأيضًا مع كل الخليقة. فالمصالحة هى طريقة الوجود الجديدة التي يمنحها لنا الله، وفي الرسالة إلى تيطس نجد توضيح موجز لمحتوى هذه المصالحة: " لأننا كُنا نحن أيضًا قبلاً أغبياء غير طائعين ضالين مُستعبدين لشهوات ولذات مختلفة عائشين في الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا. ولكن حين ظهر لطف الله وإحسانه خلّصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس. الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلّصنا. حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية " (تيطس 3:3ـ7).

          أن التجديد يأتى من الله لأن " الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح " (2كو18:5). إذ أن " الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعًا فينا كلمة المصالحة " (2كو19:5).

          هكذا فإن " فاعل " المصالحة هو الله و" موضوع " المصالحة هو الإنسان الخاطئ. فالرسول بولس هنا لم يقل أن الله قد صُلح مع الخاطئ أو أن المسيح صالح الله معنا أو أن الله صالح نفسه معنا، لكن قال إن الله قد صالحنا لنفسه، صالح مع نفسه كل العداوة التي للبشرية (2كو18:5 وما بعده). ومن جانبه فإن الله نفسه قد أبطل عداوة الإنسان الخاطئ بالصليب، ووضعه في علاقة صحيحة معه، في حالة " سلام " كما ذُكر في (رو1:5). المصالحة تعنى إبطال العلاقة السلبية مع الله والتي أعاقت وجود الخاطئ أمام الله. فالله لم يتصالح مع الإنسان بل العكس الإنسان تصالح مع الله. المصالحة هى عطية الله ومصدرًا للحياة الجديدة: " إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة: الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا. ولكن الكل من الله، الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة. أى أن الله كان في المسيح مُصالحًا العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم وواضعًا فينا كلمة المصالحة " (2كو17:5ـ19). فالإنسان مدعو لأن يرد إيجابيًا على نداء المصالحة: " تصالحوا مع الله " (2كو21:5)، وأن يشترك أيضًا مع الله في بناء ملكوته: " فإننا نحن عاملان مع الله " (1كو9:3، كو11:4، 3يو8)، ويتصرف تجاه العالم كإنسان جديد خلاق ويمارس خدمة المصالحة.

          المصالحة هى عطية الله المُغيرة للإنسان التي تدفعه في مسيرة الحياة الجديدة. في هذه الحياة الجديدة يكون الروح القدس بمثابة قوة وديناميكية هذا التغيير: " ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآه نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح " (2كو18:3). التغيير هنا هو حدث دينامي وليس استاتي، إنه حدث مستمر " تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة " (رو2:12). عندئذٍ نكتشف أن المصالحة الأصيلة تقودنا إلى قبول الآخر: " حيث ليس يونانى ويهودى، ختان وغرلة بربرى وسكثينى عبد حر بل المسيح الكل وفي الكل " (كو11:3) " ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسح يسوع " (غلا28:3).

          ولقد لخص الرسول بولس في النشيد الخريستولوجى لرسالته إلى أهل كولوسى (15:1ـ20) الرؤية الصحيحة للكنيسة والعالم في إطار المصالحة قائلاً: " الذي (المسيح) هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة. فإنه فيه خُلق الكل ما في السموات وما على الأرض ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق. الذي هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل. وهو رأس الجسد الكنيسة. الذي هو البداءة بكر من الأموات لكى يكون هو متقدمًا في كل شئ. لأنه فيه سُر أن يحل كل الملء. وأن يُصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم في السموات ".

          الكنيسة هنا تحتضن كل الخليقة، وأوشية السلام في الطقس القبطى تعبر بوضوح عن هذه الحقيقة. يقول الشماس: صلوا من أجل سلامة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية كنيسة الله.

يقول الشعب: يا رب ارحم.

يقول الكاهن: هذه الكائنة من أقاصى المسكونة إلى أقاصيها. ومن هنا نستطيع أن نُعرّف مصطلح المسكونية على أنه ليس مرادف للعالمية universal بل مرادف لمصطلح الكنيسة الجامعة καθολικη

          إن أول مَن وصف الكنيسة " بالكاثوليكية " هو القديس اغناطيوس الانطاكى. والمصطلح يتكون من مقطعين olo + kαqe " كاث، أولو " أى الكل معًا في وحدة، وقد ذكرها اغناطيوس في رسالته إلى " سميرنا ". وهذه الكلمة مستخدمة في الليتورجيات الشرقية كما رأينا في أوشية السلام حسب الطقس القبطى: " صلوا من أجل سلامة الواحدة المقدسة الجامعة (الكاثوليكية) الرسولية الأرثوذكسية كنيسة الله ". والمؤمن الكاثوليكى هو الذي يجتمع مع اخوته في سر الإفخارستيا، سر الوحدة والشركة، لذا يؤكد القديس اغناطيوس في رسالته إلى فيلادلفيا 1:4 على أن اشتراك المؤمنيين في إفخارستيا واحدة " لأنه ليس لربنا سوى جسد واحد، وكأس واحدة توحدنا بدمه، ومذبح واحد، وأسقف واحد مع القساوسة والشمامسة … ". هكذا تتحقق الوحدة في الافخارستيا. هذه الوحدة هى وحدة في العمل والصلاة والفكر لذا ينصحنا القديس اغناطيوس : " لا تحاولوا أن تدعموا بالبرهان ما تنفردون بعمله بل اعملوا عملكم حسب الشركة وهى صلاة واحدة .. فكر واحد .. هذا هو يسوع المسيح " (مغنسيا 1:7). علينا إذن أن نتمسك بالسلوك الذي يؤدى إلى الوحدة لكى تتحقق كاثوليكية الكنيسة. هكذا فالمسكونية أو الكاثوليكية لها محتوى وجودى روحى وليس جغرافى بالنسبة للكنيسة. من أجل هذا نجد في رسائل اغناطيوس التأكيد على الوحدة الروحية للكنيسة والتي تتمثل في وحدة الأسقف والشعب " حيثما يكون الأسقف فهناك يجب أن تكون الجماعة (أى الكنيسة) " (أزمير 2:8) ووجود الأسقف يعنى عدم وجود انقسام ووجود المسيح معناه وجود الوحدة " لازموا الأسقف ملازمة المسيح لأبيه " (أزمير 1:8). أن وحدة الكنيسة الروحية تحفظ العالم من الفساد: "لا تجعلوا شيئًا يفرق بينكم بل اتحدوا بالأسقف والرؤساء كمثال ودرس لعدم الفساد" (مغنسيا 2:6). فالكنيسة الكاثوليكية هى الكنيسة الكائنة في المسكونة (إيرينيوس، ضد الهرطقات 10:1). هنا الكنيسة ليست عالمية بالمعنى الجغرافى ولكن هى "جسد المسيح" لا رأس لها سوى المسيح، إذ أن كاثوليكيتها تأتى من المسيح الذي " يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد " (يو52:11). وهذا ما شرحه اغناطيوس عندما قال: " اجتمعوا في هيكل واحد لله، حول مذبح واحد، في يسوع المسيح الوحيد، الذي خرج من آب واحد، وكان معه واحدًا، وإليه عاد وهو واحد " (مغنسيا2:7).

 



[1]  أيضًا هناك مصطلحات أخرى تحمل نفس المحتوى مثل: " وأن يصالح apokatal£ssein به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه … " (كو20:1)، " فاترك قربانك قُدام المذبح واذهب أولاً اصطلح diall£sseqai مع أخيك " (مت24:5)، " وفي اليوم الثانى ظهر (موسى) لهم وهم يتخاصمون فساقهم إلى المصالحة (sunall£ssein) … " (أع26:7).

الأحد، 14 أكتوبر 2012

طبيعة وفعل الكلمة الكتابية عند الآباء


طبيعة وفعل الكلمة الكتابية عند الآباء
                               د.جورج عوض إبراهيم

لا نتعرف ـ في كتابات الآباء[1] ـ على الرأي الذي يتبناه البعض بأن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد الذي يحتوى على وصف دقيق للحقائق الأزلية الإلهية وللوصايا والعقائد التي تشمل كل الإعلان الإلهى، أى ما يُسمى بكفاية الكتاب المقدس الذي يحتوى على كل الإعلان الإلهى للبشر. هذا الرأى يحول الكتاب المقدس إلى نص له كفاية في حد ذاته، وإلى "أرشيف" محفوظ فيه كل شئ ومعيار وحيد صارم للمعرفة، ويهمش التقليد الكنسى. والأمر المؤكد هو أن الكتاب المقدس يحتوي على رسالة الخلاص كاملة، أي ما يُسميه الآباء: تدبير الخلاص، لكن الأمر الذي يتساوى في الأهمية هو تفسير النصوص تفسيرًا صحيحًا، نحن نتحدث عن تفسير النص الكتابي وكيفية تحقيق ما يخبرنا عنه هذا النص من عطايا خلاصية.

يجمع كل الكُتاّب الكنسيين على أن وحي الكتاب المقدس يخص جوهريًا الأمور المعلنة والحوادث الشاهدة على التدبير الإلهى والتي قد أتمها الله، وأيضًا على الصياغة الكتابية الشاهدة للإعلان الإلهى. إن الصياغة الكتابية هى متوافقة تمامًا مع هذه الحوادث، ولكن هى أيضًا تعبير بشري وتاريخى للإعلان الإلهى، والذي بالتأكيد يتجاوب بطريقة إمتثالية مع الإلهام الإلهى في هذه الحوادث التي تعلنها هذه الصياغة الكتابية. هذا "التوافق" بين الحرف والأمر المعلن يمثل طبيعة الكتاب المقدس الملهمة وبالطبع يحدد طريقة تفسيره. نتيجة لذلك فإن الكتاب يسرى على الكنيسة كـ "كتاب مقدس" بسبب أنه يهدف إلى "الفائدة" أى إلى امتثال حياة المؤمنين بالمسيح. هذه "الفائدة" هى هدف الكتاب المقدس وليس فقط مجرد الإنباء عن حوادث أو أشخاص يؤرخ لهم. بهذا المفهوم، ينبغى أن نفهم التقليد المعتاد عند كليمندس وأوريجينوس وفيما بعد الآباء الذين أتوا بعدهما ـ بأن لا يوجد حرف في الكتاب المقدس بلا فائدة. لذا فإن الكُتاب الكنسيين قد استخدموا كل المناهج التفسيرية اللغوية المعروفة في عصرهم، وكما كانت موجودة في الأسكندرية وغيرها قبل الأزمنة المسيحية.
 ونذكر شهادة القديس باسيليوس الكبير والتي تعبر عن مبدأ ثابت للتفسير الآبائى للكتاب: "وإذا كان صمت الغبي يعتبر حكمة" (أم28:17) فما أعظم جائزة المستمع الحكيم الذي أشار إليه النبى في نفس العبارة بالمشير العجيب (إش3:3). مثل هذا المستمع يستحق كل ثقة بل يستحق أن ندفعه إلى الأمام لكى يحقق تقدمًا أكبر، متكاتفين معه في الأتعاب لكى يمضى سائرًا نحو الكمال. والاهتمام بالمصطلحات التي تستخدم في اللاهوت هو أمر يفوق غيره، والمعاناة في سبيل الوصول إلى المعانى الخفية في كل عبارة وكلمة هى الفضيلة التي لا وجود لها في حياة المتكاسلين عن التقوى، بينما هى ما تميز الذين يسعون وراء الجعالة العليا لدعوتنا (في14:3). لأن الغاية التي علينا أن نصل إليها هى أن نتشبه بالله على قدر احتمال الطبيعة الإنسانية. ولكن التشبه بالله لا يكون بدون معرفة والمعرفة لا تأتى بدون دراسة، وبداية الدراسة هى التعليم، والتعليم بالكلمة وأقسام الكلمة هى الألفاظ والحروف، إذن التدقيق في الحروف ليس انحرافًا عن القصد.. "[2].

 وقد سبق للعلامة أوريجينوس توضيح هذه الحقيقة في عظته الأولى على سفر الخروج: "أعتقد أن كل كلمة في الكتاب المقدس تشبه بذرة من طبيعتها أن تنتشر وتتغلغل وتتكاثر، ويُعاد ولادتها ـ أي تثمر سنبلة حنطة أو أي نوع من جنسها، إذا ما أُلقيت في الأرض. وكلما بُذل الجهد والعرق في إنباتها كلما كان تكاثرها سريعًا خاصةً إن كان الزارع نشطًا ومتحمسًا دؤوبًا أو كانت الأرض خصبةً. لهذا حين يكون الزارع نشيطًا فإن "حبة الخردل" الصغيرة مثلاً "التي هي أصغر الحبوب جميعًا، قد تصير أكبر من كل الأعشاب وتصير شجرة تأتي إليها طيور السماء وتسكن بين أغصانها" (أنظر مت31:13ـ32). هكذا الأمر أيضًا مع الكلمة التي قُرئت على مسامعنا الآن من الأسفار الإلهية. وبالرغم مِن أنها تبدو لنا من أول وهلة صغيرة حين ندنو منها، فإنها إن وجدت مزارعًا دؤوبًا نشطًا وحاذقًا، يبدأ في زراعتها وإستصلاحها وتناولها بالمهارة الروحية، فهي تنمو شجرة يافعة تطرح أغصانها وأوراقها النضرة. ويمكن أن يأتي إليها مباحثو هذا الدهر وحكماؤه ومناظروه (1كو20:1) ومثل "طيور السماء" على أجنحة النسور الخفيفة يطلبون الأفكار العالية العسرة بتدفق الكلمات وحدها. وإذ تأسرهم المباحثات، يرغبون أن "يسكنوا في تلك الأغصان" (مت32:13) حيث لا بلاغة في اللغة بل نظام حياة"[3]. 

هكذا فإن المفهوم الحقيقى للكتاب لا يُعرف دائمًا بسهولة من الكل. لأن الحقيقة الإلهية تُصاغ بمساعدة اللغة البشرية والتي تعبر دائمًا عن أمور مخلوقة ومحدودة، وليس إطلاقًا عن الجوهر الإلهى، لذا ينبغى أن يُعتبر الكتاب كـ "إظهار" وإعلان" للإرادة الإلهية[4]. إن الكتاب هو الشهادة الملهمة بالروح القدس عن الإعلان الإلهى، وهو في نفس الوقت المرشد الأمين نحو هذا الإعلان، وبهذا المفهوم هو ـ لدى القديس كيرلس الأسكندرى ـ " الفردوس العقلى"، وعند القديس ذهبى الفم "الكنز" و"النور" الذي يكشف ـ بواسطة أسس روحية للإيمان ـ الإرادة الإلهية وتفعيلها في حياة المؤمنين.

إن الآباء لم يعتبروا أبدًا الكتاب المقدس نصًا عاديًا، لكن بالنسبة لهم هو الظهور الصادق لأمور تخص فائدة الإنسان. أى كل ما كُتب كُتب لفائدة الإنسان في حياته اليومية، وهدف الكتاب هو تفعيل كل الأمور المكتوبة لفائدة المؤمنين فى حياتهم، وهذا يحدث بواسطة أسس روحية إيمانية من جانب المؤمنين وليس تفعيل آلى لمجرد قراءة الصياغة المكتوبة .

هكذا بعض الأسس الآبائية التي سوف نكتشفها من خلال تفاسير الآباء هي الآتي:

1ـ جوهر الإعلان الإلهي هو في حد ذاته غير مدرك ولا توجد كلمة بشرية تعبر عن جوهر الإعلان الإلهي بدقة. بالتالي جوهر الله هو غير مدرك للبشر في كماله ، ومحاولة التعبير عن عمل الله عبر تاريخ الخلاص باللغة البشرية بإلهام الروح القدس هو ما فعله كُتاب الأسفار الإلهية.

2ـ التفسير اللغوي ليس له المرتبة الأولى في عملية التفسير بل الإيمان هو أساس التفسير الصحيح وتأتي بعد ذلك الأهمية اللغوية والتاريخية. والكلمات البشرية هي أيضًا الوسيلة التي نعبر بها عن التفسير الصحيح.

3ـ كلمة الكتاب المقدس تُعلن الفعل التاريخي لمحبة الله للبشر.

4ـ التفسير الكتابي ينمو ويتجدد دائمًا قياسًا بنمو وتجديد الفكر الكنسي عبر الأزمنة دون مساس بمحتوي إيماننا العقيدي الأساسي   

 



[1] Ιωάννου Παναγοπουλου, Ἡ Ερμηνεία τῆς Αγίας Γραφῆς στήν Εκκλησία τῶν πατέρων, Τὁμος Α᾽, Αθῆνα 1991 σελ. 39.
[2]  الروح القدس للقديس باسيليوس (الفصل الأول: فقرة 2).
[3] The Father of the Church, Origen, Homilies on Gensis and Exodus, Translated by Ronald E. Heine, volume 71, P. 227.
[4]   القديس غريغوريوس النيصي، ضد إفنوميوس BEΠEΣ 67,193.