الأربعاء، 18 فبراير 2015

الأهمية الخريستولوجية لمصطلح كيريوس ”Κύριος“: الرب- المسيح هو الرب

الأهمية الخريستولوجية لمصطلح كيريوس ”Κύριος“: الرب[1] - المسيح هو الرب
                                                            د.جورج عوض إبراهيم
إلى أرواح شهداء ليبيا الذين إعترفوا بأن المسيح هو الرب قبل إستشهادهم، أذكرونا نحن الضعفاء أمام عرش النعمة
                                  
أـ في الكنيسة المسيحية الأولي
من الواضح أن التلاميذ والمؤمنين في الكنيسة الأولى قد استخدموا مصطلح كيريوس ”Κύριος“ بالمفهوم الديني المطلق، أي بمفهوم أنه هو الله الذي له العبادة والسجود: المسيح هو الرب. هذا يبدو بوضوح في اعتراف توما (يو20: 28): «أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: رَبِّي وَإِلهِي!»، وكذلك في تعبير الكنيسة الأولى، الذي ذكرناه، حيث المسيح يُدعا ويُوصف بكونه الرب ”Κύριος“ (1كو8: 5؛ 1: 3؛ رو10: 9). أيضًا الإنجيلي لوقا ينسب للمسيح لقب ”Κύριος“ الرب بالمفهوم المطلق للمصطلح:
«وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُومُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ» (لو1: 10)، «فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا» (لو11: 39)؛ «فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُو الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟» (لو12: 42)؛ «فَقَالَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ: زِدْ إِيمَانَنَا!. فَقَالَ الرَّبُّ: لَو كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل، لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذِهِ الْجُمَّيْزَةِ: انْقَلِعِي وَانْغَرِسِي فِي الْبَحْرِ فَتُطِيعُكُم» (لو17: 5ــ6)؛ «وَقَالَ الرَّبُّ:اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْم» (لو18: 6)؛ «فَوَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلرَّبِّ: هَا أَنَا يَارَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ» (لو19: 8)؛ «فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ، فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ، كَيْفَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ» (لو22: 61)؛ «وَهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ!» (لو24: 43)؛ «فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا» (أع2: 36)؛ «هذَا أَقَامَهُ اللهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَعْطَى أَنْ يَصِيرَ ظَاهِرًا، لَيْسَ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، بَلْ لِشُهُودٍ سَبَقَ اللهُ فَانْتَخَبَهُمْ. لَنَا نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ. وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ، وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هذَا هُو الْمُعَيَّنُ مِنَ اللهِ دَيَّانًا لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ» (أع10: 40ـ42)؛ «نَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لآبَائِنَا، إِنَّ اللهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلاَدَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُومَكْتُوبٌ أَيْضًا فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابني أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا إِلَى فَسَادٍ، فَهكَذَا قَالَ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ. وَلِذلِكَ قَالَ أَيْضًا فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا» (أع13: 32 ـ 35).
نمو مصطلح ”Κύριος ـ الرب“ صار في نطاق الجماعة المسيحية الأولى وخاصة في الحياة التعبدية للكنيسة الأولى، كما يُشهَّد له من التعبير التعبدي: «الرب آتي» أو «الرب قريب» (في4: 5) أو «تعال أيها الرب يسوع» (رؤ22: 2)([2]). إن كُتَّاب أسفار العهد الجديد يعبرون عن رؤيتهم الخريستولوجية العامة للمسيح. وبالرغم من أنهم يشيرون بكل تأكيد وثبات على بشريته، إلا أنه في الوقت نفسه يؤمنون بأنه الله ويقرّون بأن ”المسيح هو الرب“. هذه التسمية بالنسبة لهم تعني أن المسيح كان المحُرر الإلهي الذي وَعَدَ به الله بأنه سوف يرسله لأجل أن يحرر الشعب، إنه شخص فريد وله سلطان دائم. لقد كان يوجد أنبياء كثيرون، لكن المسيح كان هو الواحد والوحيد الذي لا يوجد له نظير([3]).
ب ـ المسيح هو ربنا ”Κύριος ἡμῶν“
في واحدة من التعبيرات الخريستولوجية للكنيسة الأولي، سُميَّ المسيح بربنا ”Κύριος ἡμῶν“، أي انحصر في ضمير نحن: «رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (أع15: 26)؛ «وَتَعَيَّنَ ابن اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا» (رو1: 4)، «إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا» (1كو1: 2). بهذا التعبير، اعترف المسيحيون بأن المسيح، بالنسبة لهم، لم يكن مجرد إله بل المخلص الشخصي ومحررهم، وبالتالي كان الرب الخاص بالنسبة لهم، وله السيادة على حياتهم (انظر عبارة: ”عبد يسوع المسيح“ (رو1: 1). وهذا يسري على كل مؤمن وأيضًا أعضاء الكنيسة في مجملهم «وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا» (رو8: 37). «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابن اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي» (غلا2: 20).
«الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ ابناءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، اَللهُ الَّذِي هُو غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ـ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ـ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (أف2: 3 ـ 7).
هنا نتذكر إيمان الكنيسة الأولى العميق وغير المتزعزع والموقف البطولي للمسيحيين والمضطهدين في الثلاثة قرون الأولى. بالنسبة للمسيحيين: ”Κύριος ـ الرب“ كان هو واحدًا فقط (انظر مت6: 24) «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَو يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ». هو المسيح وليس الإمبراطور! كل الخاضعين للإمبراطورية الرومانية كانوا يركعون في سجود تعبدي لاسم الإمبراطور. لكن المسيحيون فقط لم يركعوا. لقد فضّلوا أن يُلقوا إلى الأسود وآتون النار، مثل الثلاثة فتيه عن أن يسجدوا لرب آخر، سجودهم كان فقط للمسيح. والجدير بالملاحظة، أن المسيحيين لم يمضوا ناحية الشهادة على أساس أن المسيح سوف ينقذهم مثلما فعل للفتية الثلاثة، لأنهم ببساطة كانوا يرون إخواتهم يستشهدون أمام أعينهم.
نود الآن أن نذكر شهادتين ذكرهما E.Muhlenberg ـ في مقالة له عن ألوهية المسيح وعن إيمان الكنيسة بأن يسوع المسيح هو الرب ـ لاثنين من أعداء المسيحية، الأول هو الحاكم بليني والثاني هو الأديب والمؤرخ تاسيتوس.
يُقدم الحاكم بليني في رسالته المعروفة جيدًا (Ep.x 96) تقريرًا للإمبراطور تراجان عن المسيحيين الذين أُحضروا إليه للمحاكمة، فيقول: ”أولئك الذين يتمسكون باعترافهم أنهم مسيحيون، قد حكمتُ عليهم. فليس لدي أي شك أن عنادهم وثباتهم الذي لا ينكسر ينبغي أن يُعاقب مهما كان الاعتقاد الذي يعترفون به“. ويستنتج من ذلك أن تصرفهم كان دربًا من الجنون. ثم يُعذب اثنين من الشمامسة، لأنه يريد أن يعرف منهما معلومات أكثر عن الجماعة المسيحية ولا تظهر في الرسالة أيه معتقدات لاهوتية، بل تظهر فقط بعض المعلومات عن عادات الجماعة. وبالاختصار يقول: ”لم أجد خرافات طفولية، النقطة الوحيدة البارزة فيما يتصل بموضوعي هي الإشارة إلي أن المسيحيين يجتمعون في الصباح الباكر، ويسبحون المسيح على أنه الإله“. وقد يزعم البعض أن الإمبراطور كان على دراية تامة فيما يخص المسيح، الذي قتله الرومان بأشنع طريقة ممكنة منذ بضعة عقود. ولكني أظن أن هذا غير محتمل. بالحري فإن بليني يعرف شيئًا آخرًا، وهذا سيبدو أنه معزي للجميع. حيث إن بليني يرى أنه ليس هناك احتياج لأن يشرحه: وهو أن المسيحيين قد أحضروا إليه، متهمين بكونهم مسيحيين. وعملية المحاكمة تستلزم منه أن يقيّم الاتهام، وإذا وافق عليه يحكم على المتهمين بكونهم مسيحيين. أما بخصوص مَنْ هم المسيحيون أوماذا يفعلون؟ هذا أمر لا أهمية له. ومع ذلك فإن بليني يعرف ماذا يعني أن يكون الإنسان مسيحيًّا. فهو يقدم امتحانًا للذين ينكرون الاتهام، إذ ينبغي أن يقدموا ذبيحة للآلهة ولتمثال الإمبراطور. وأضاف، لذلك ينبغي أن يلعنوا المسيح صراحة إذ يكتب قائلاً: ”إن المسيحيين المخلصين لا يفعلون هذه الأمور حتى لو أُجبروا بالقوة“([4]). هكذا بليني يدرك جيدًا حقيقة أن المسيحيين يحبون المسيح باعتباره الإله الوحيد، مستبعدين كل الآلهة الأخرى، أي يرفضون آلهة الديانة الرومانية. وهذا هو العِناد المتعصب، كما يراه بليني، أي أن ألوهية يسوع تستبعد كل الآلهة الأخرى.
أما تاسيتوس، في الوقت نفسه الذي كان فيه بليني حاكمًا تقريبًا، يزودنا بملحوظة عن المسيحيين. وكما هو معروف جيدًا فإن تاسيتوس يكتب عن الحكم على المسيحيين في قضية الحريق الضخم الذي اكتسح روما أثناء حكم الإمبراطور نيرون، فيقول تاسيتوس: ”إن لقب مسيحي مستمد من المسيح، وهذا المسيح قد حُكِم عليه منذ فترة طويلة في عهد طبياريوس Tiberius، ورغم ذلك فإن تلك الشعوذة الخبيثة لم تتلاش بموت يسوع، بل بالعكس فإنها ظهرت مرة أخري في روما. ورغم أنه لم يكن يوجد إثبات أن المسيحيين متورطون في حريق روما، فقد أُعدموا وهذا صواب: بسبب كراهيتهم لجنس البشر“([5]). ويعطي تاسيتوس وصفًا لكراهية البشر حينما يتحدث عن اليهود: ”إنهم تحت سيطرة الشعوذة (His.5.4). وموسى أتى إليهم بطقوس جديدة ضد كل ما عند البشر الآخرين (His.5.4). اليهود يرفضون الديانات الأخرى (5.13). فما هو مقدس عندنا هو تجديف بالنسبة لهم والعكس بالعكس (5.4). اليهود يفرزون أنفسهم ويغلقون على أنفسهم مبتعدين عن الجنس البشري (5.5). إنهم يعبدون كائنًا، إلهًا واحدًا فقط، وهو وحده روح، بينما هم يعتقدون أن كل من يصنعون صورًا للآلهة يرتكبون فعل تدنيس“. ويقول تاسيتوس: ”لذلك هم لا ينصبون تماثيل للآلهة في مدنهم، ولا حتى في هيكلهم، بأن يعبدوهم بإعتبارهم عبيد لهؤلاء الملوك، ولا يقدمون الإكرام الواجب للإمبراطور بأن يعبدوه“(5.5).
إن حديثه عن اليهود والمسيحيين يبيِّن أن لهما نفس الخصائص، ويشير تاسيتوس أن خرافة المسيحيين الخبيثة أتت من اليهودية. واليهود يتميزون بخرافتهم الخطرة، وهي تتضمن الاعتقاد بإله لا صورة له، وهذا يؤدي في نهاية الأمر إلى رفضهم تقديم الإكرامات الواجبة للإمبراطور ويمكن أن نخمن أن تاسيتوس ينسب شيئًا مماثلاً للمسيحيين، رغم أنه لا يقول هذا صراحة أي أن سبب كراهية المسيحيين للبشر هو استبعادهم لكل الديانات الأخرى غير ديانتهم وهو ما أخذوه عن المسيح مؤسسهم([6]).
إن الاعتراف بأن ”يسوع المسيح هو الرب“ يصادر أي ادعاء بأن أحدًا آخر هو الرب، مستحيل أن يكون قيصر هو الرب. وبسبب هذه الشهادة الحسنة بأن يسوع هو الرب قد استشهد كثير من المؤمنين. وهذا الموقف قد أدهش الإمبراطور الذي وقف أمامه بوليكاربوس الشهيد وتساءل: ”لماذا هو أمر مرعب أن يعترف أحد قائلاً: قيصر هو الرب، مفضلاً أن يقدم نفسه ذبيحة من أجل هذه الشهادة؟!“([7]). لذلك يتساءل ترتليان متهكمًا: ”حقًّا أتؤمن أنه من المسموح لأحد من المسيحيين أن يقسم أمام شخص عادي ضد قسمه أمام إلهه ويرتبط برب آخر، في اللحظة التي فيها هو بالفعل ارتبط ارتباطًا أبديًا  بالمسيح؟!“([8]).
العائق الذي يعوق المسيحيين عن الاعتراف برب آخر هو إيمانهم برب واحد هو الرب يسوع. هذا الاعتراف الموجز بأن ”يسوع هو الرب“ يصبغ أي اعتراف مسيحي للإيمان. والرسالة إلى رومية لبولس الرسول تؤكد هذه الحقيقة: «لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت» (رو10: 9). فالمسيح الرب هو مركز أي اعتراف للإيمان. لدرجة أن الإيمان حُدد بأنه إيمان بالرب:
«بُولُسُ الْمَدْعُوُّ رَسُولاً لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَهُمْ وَلَنَا» (1كو1: 2 )؛ «فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ (كو2: 6)؛ «فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا اجَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هَذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ رَبًّا وَمَسِيحًا» (أع2: 36 )؛ «الْكَلِمَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يُبَشِّرُ بِالسَّلاَمِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ» (أع9: 35 )؛ «وَلَكِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ وَهُمْ رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ الَّذِينَ لَمَّا دَخَلُوا أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ الْيُونَانِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ» (أع11: 20).
إن الاعتراف بالرب يسوع الوارد في العهد الجديد نستطيع أن نربطه بالاضطهادات والشهادة. وبالرغم من أن نص بولس الرسول الوارد في  (1كو12: 3): «لذلك أعرفكم أنه ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع: أناثيما. وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس». لم يفسرها المفسرون على أنها مرتبطة بالشهادة أثناء الاضطهادات، إذ إنها في مجال حديث بولس عن موهبة الألسنة، إلا أننا نستطيع أن نربطهما بالشهادة. إذ أن الروح القدس يكون حاضرًا أوقات الاضطهادات: «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيات وبُسطاء كالحمام ولكن احذروا من الناس. لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون. لأنكم لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (مت10: 16 ـ 20).
على الجانب الآخر، نقرأ في شهادة بوليكاربوس (9: 3)، حيث قال: ”كيف أجدف على ملكي الذي خلصني؟!.“ وكذلك ـ كما رأينا ـ رسالة الحاكم بليني إلى الإمبراطور تراجان: ”بأن المسيحيين تلقوا أمرًا من الرؤساء بأن يجدفوا على المسيح. ولم يكن كافيًا ومرضيًا أن يقدم المرء ذبيحة ويقول: قيصر هو الرب، بل على المسيحيين أن يقولوا أن المسيح أناثيما“.
وهذا يوضح ما قاله بولس «ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما» (1كو12: 3). فبالرغم من أن المضطهَد ينال قوة من الروح القدس الذي يُعِينه على الإجابة والاعتراف الحسن أمام الرؤساء، بيد أنه في حالات كثيرة يقول المضطهَد الذي فقد شجاعته يسوع أناثيما، متحججًا بأن الروح القدس أخبره بأن يقول ذلك. لذا يقول بولس ـ مضاد لقول هؤلاء ـ بأن من يقول يسوع أناثيما ليس فيه روح الله.
ج ـ المسيح هو رب التاريخ:  
مصطلح ”Κύριος ـ الرب“ في تعبير الكنيسة الأولى كان له أهمية أُخروية. فإيمان الكنيسة ـ كان وما يزال ـ أن المسيح، بالرغم من أنه «غلب العالم» (يو16: 33)، إلا أن الإعلان الأخير في  نهاية التاريخ لم يتم بعد. إيمان الكنيسة هذا كُرِزَ بالفعل في سفر الرؤيا حيث مصطلح ”Κύριος ـ الرب“ ذُكِر 21 مرة. فالمسيح في سفر الرؤيا يُعلن أنه «الألف والياء، البداية والنهاية» (رؤ22: 13). يذكر سفر التكوين، الكتاب الأول للإعلان الإلهي، أن المسيح هو بداية العالم والتاريخ: «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» (تك1: 1) و«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» (يو1: 1). ويؤكد رؤيا يوحنا، الكتاب الأخير للإعلان الإلهي، على أن المسيح سيكون الغالب الحقيقي والملك والرب لكل التاريخ: «ملك الملوك ورب الأرباب» (رؤ19: 6؛ وانظر في2: 10 ـ 11).
د ــ المسيح رب العبادة المسيحية:
تستخدم الكنيسة المسيحية مصطلح ”Κύριος ـ الرب“ ليس فقط في الشكل الأول لعبادتها، كما في تعبير ماران آثا، لكن في كل أشكال نصوصها الليتورجية: في الصلوات وتسابيح العبادة الأرثوذكسية، ويذكرونه في المفهوم الخريستولوجي والأمثلة لا تُحصى. أيضًا، الأيقونات الأرثوذكسية تعبر عن المفهوم الأساسي لمصطح ”Κύριος ـ الرب“ خاصة في الأيقونات السيدية مثل أيقونة ضابط الكل (παντοκράτορος) والمسيح الجليس على العرش. أيقونة ضابط الكل رُسمت في قبه الهيكل الداخلية والتي ترمز إلى السماء بإظهار أن المسيح هو رب الكون «ضابط الكل» (2كو6: 18؛ رؤ4: 8). وأيقونة المسيح على العرش تُوضع على حامل الأيقونات في الموضع الأول وعلى العرش السيدي ترمز إلى ربوبية المسيح على الكنيسة.
أصبح من الضروري أن يعترف المرء بإيمانه في كل اجتماع للجماعة المسيحية الأولى وفق نص محدد. يعترف المؤمن مع إخوته أمام الله بأنه وحدَّهم معه. إنها عمل تعبدي ليتورجي كان موجودًا في المجمع اليهودي حين يُعلن بواسطة شخص(Shema)  معترفًا مع كل شعب إسرائيل بأن واحد هو الله([9]). اعتراف الإيمان يُقال في الليتورجيا الإلهية وأيضًا كل عمل ليتورجي في الجماعة المسيحية الأولى (قوانين هيبوليتس).
صيغة من صيغ اعترافات الإيمان الأولى والتي كانت تُقال في عبادة الكنيسة الأولى هو بلا أدنى شك نص بولس الرسول المذكور في (في2: 6 ـ 11)([10]): «الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ». هذه الترنيمة هي مثل مزمور أو نشيد مسيحي لم يكتبه بولس بل أخذه من الجماعة المسيحية الأولى. إنه نشيد اعتراف إيماني بالمسيح في شكل ذات رتم، ترجع مصادره ـ من الواضح ـ إلى الكتابات الآرامية. ويشير هذا النشيد لإخلاء المسيح وظهوره كإنسان عادي وتواضعه وموته فوق الصليب وكذلك مجده ومجيئه.
إن مصطلح ”يَعتَرف“ هو بمثابة اختيار إرادي ومذكور في (إشعياء45: 23) والنتيجة هي أن قمة اعتراف الإيمان هو أن ”يسوع المسيح هو الرب“  يُعترف به من الجميع في نفس الوقت، يعترف به من كل الموجودين في السماء، وفي الأرض والذين هم تحتها. على أية حال فإن هذا الاعتراف كان يُقال عن يسوع وأن اعتراف الإيمان هذا كان اعترافًا موجزًا.
هذا هو ما يميز الرسالة المسيحية في الكنيسة الأولى، فالإيمان في المسيحية هو الإيمان بالمسيح الرب، لأنه هو الطريق والحق والحياة، هو طريقنا إلى الآب وهو الذي أرسل لنا الروح القدس المحيَّي الذي يعلمنا كل الحق. هذا الاعتراف يُدعى اعترافا أحاديًّا أي الاعتراف بشخص المسيح ثم يأتي بعد ذلك الاعتراف بالله الآب الخالق ثم بالروح القدس؛ أي الاعتراف الثنائي والاعتراف الثالوثي.
وهذا لا يعني أن الكنيسة اعترفت بالثالوث في وقت متأخر، لكن منذ البداية تؤمن بالثالوث الآب والابن والروح القدس. ولكن لمَنْ يدخل إلى المسيحية لا بُد أن يَعتَرف أولاً بالمسيح الذي هو الباب والطريق الذي يؤدي إلى صُنع شركة مع الآب والروح القدس. يقول القديس كيرلس عمود الدين: ”الآب لا يمكن أن يُقترب منه إلاّ بهذه الطريقة، أقصد أنه لا يمكن الاقتراب منه إلا بواسطة الابن. لأنه حقًّا صادقًة هي الكلمة: «ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي» (يو14: 6). ويمكننا أن نؤكد أنه حتى القديسين، إنما يقتربون إليه بواسطة المسيح. لأنه لا يمكن لأحد أن يرتقي إلى معاينة سامية وفائقة للطبيعة. وكأنه يصعد إلى جبل، وبالأحرى لا يمكنه أن يوجد بالقرب من الله إن لم يكن متحدًا مع عمانوئيل، وهكذا لا يكون هناك ما يعوق مسيرة البشر للاقتراب إلى الآب“([11]). هذا هو جوهر الإيمان المسيحي منذ البداية: الإيمان أولاً بالمسيح الرب ثم بعد ذلك يقودنا المسيح إلى الشركة مع الآب والروح القدس والانضمام إلى الكنيسة جسد المسيح.





[1]  جزء من الموضوع الذي سبق أن نُشر في مجلة مدرسة الإسكندرية تحت عنوان: خريستولوجية الكنيسة الأولى
[2] هذا المصطلح نجده في كتاب الديداخي  ΒΕΠΕΣ2, 218.
[3] Hunter A.M., The message of the New testament, Philadelphia, the Eestminster press, 1954, P.40.
[4] E. Muhlenberg,Gotingen,The Divinity of Jesus in Early Christian Faith, Studia Patristica, vol.xvii Part One.Pergamon Press, 1982, p. 139
[5] Cf. Herald Fuchs, Der Berichtuber de Christen in den Annalen dos Tocitus, Vigiliae Christianae 4 (1950), pp.: 65-93.
[6] E. Muhlenber, op. cit., pp.: 139-140.
[7] انظر شهادة بوليكاربوس8: 2.
[8] De Coroma Mil, ΙΙ.
[9] انظر تث6: 4ـ9؛11: 13ـ21؛15: 37ـ41. 
[10] انظر إش 23:45.
11 القديس كيرلس الإسكندري، العبادة بالروح والحق، ترجمة د.جورج عوض ابراهيم مراجعة د.نصحي عبد الشهيد، الجزء السادس المقالة العاشرة، المركز الأرثوذوكسي للدراسات الآبائية يوليو2007م، ص11ـ12.

الجمعة، 19 ديسمبر 2014

هدايا المجوس


                             

هدايا المجوس

                                                                                                                           د. جورج عوض إبراهيم
لقد ذكر الإنجيلي متى الآتي: " وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ  قَائِلِينَ:«أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» فَقَالُوا لَهُ:«فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ».حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ:«اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ" (مت1:2ـ12).
 هل ما ذكره القديس متى للهدايا التي قدمها المجوس للمسيح له أهمية خاصة؟
الإنجيلي متى هو الإنجيلي الوحيد الذي ذكر لنا رواية سجود المجوس وذكر أيضًا أن المجوس قدموا للمسيح ثلاثة هدايا ذهب، ولبان، ومُر.
أول هذه الهدايا، الذهب، كان المعدن الأكثر ثمناً خصوصاً في منطقة فلسطين. من إشارات العهد الجديد إلى الذهب نستنتج بأنه كان يُستخدم فقط بواسطة الأغنياء جدًا الذين قال عنهم يعقوب أخو الرب أنهم لابسون " خواتم من ذهب" (يع2:2). على النقيض، بالنسبة للإنسان ذات الدخل المتوسط في ذلك العصر، امتلاك الذهب كان أمرًا غير مفهوم.
العهد الجديد يتجاوب في بعض الحدود مع المسافة أو الفجوة التي كانت تفصل الكنيسة الأولى عن الذهب حيث أنها كانت تعتبره مثال للازدهار المادي الكبير وأداة للترويج الذاتي:
(مت9:10): " لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ".
(أع6:3): " فَقَالَ بُطْرُسُ:«لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!».
(1تيمو9:2): " وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّل، لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ".
(يع3:5): " ذَهَبُكُمْ وَفِضَّتُكُمْ قَدْ صَدِئَا، وَصَدَأُهُمَا يَكُونُ شَهَادَةً عَلَيْكُمْ، وَيَأْكُلُ لُحُومَكُمْ كَنَارٍ! قَدْ كَنَزْتُمْ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ".
(1بط3:3): " وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ".
على الجانب الآخر، يخبرنا العهد الجديد بأن الذهب والأشياء المصنوعة من الذهب تحتل مكانة سواء إيجابية أو سلبية في كل من العبادة اليهودية والأممية.
(أع29:17): " فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ".
(عب4:9): " فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ".
(1بط18:1): " عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ".
(رؤ20:9): " وَأَمَّا بَقِيَّةُ النَّاسِ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بِهذِهِ الضَّرَبَاتِ، فَلَمْ يَتُوبُوا عَنْ أَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ، حَتَّى لاَ يَسْجُدُوا لِلشَّيَاطِينِ وَأَصْنَامِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْصِرَ وَلاَ تَسْمَعَ وَلاَ تَمْشِيَ".
هكذا هيكل أورشليم الذهبي يحتل مكانة هامة في ضمير أو وعي الكتبة والفريسيين لدرجة أنهم يعتبرون أن القسم أي الحلفان على ذهب الهيكل هو أكثر إلزامًا من القسم على الهيكل ذاته: (مت16:23ـ17):       " وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ. أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟". أخيرًا يخبرنا سفر الرؤيا بأيقونات العبادة السماوية ومدينة الله الأخروية والتي فيها يضع بالأحرى مادة الذهب كرمز للقوة الإلهية بنقاءها وبهاءها:
(رؤ12:1ـ13): " فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي. وَلَمَّا الْتَفَتُّ رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ".
(رؤ20:1): " سِرَّ السَّبْعَةِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي، وَالسَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ: السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِيَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ، وَالْمَنَايِرُ السَّبْعُ الَّتِي رَأَيْتَهَا هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ".
(رؤ1:2): " اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ: «هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ".
(رؤ18:3): " أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ".
(رؤ4:4): " وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ".
(رؤ8:5): " وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْخَروفِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ".
(رؤ3:8): " وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ".
(رؤ7:9): " وَشَكْلُ الْجَرَادِ شِبْهُ خَيْل مُهَيَّأَةٍ لِلْحَرْبِ، وَعَلَى رُؤُوسِهَا كَأَكَالِيلَ شِبْهِ الذَّهَبِ، وَوُجُوهُهَا كَوُجُوهِ النَّاسِ".
(رؤ13:9): " مَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّادِسُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةِ قُرُونِ مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ اللهِ".
(رؤ4:14): " هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ لأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ. هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ الْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ. هؤُلاَءِ اشْتُرُوا مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بَاكُورَةً ِللهِ وَلِلْخَرُوفِ".
(رؤ6:15ـ7): " وَخَرَجَتِ السَّبْعَةُ الْمَلاَئِكَةُ وَمَعَهُمُ السَّبْعُ الضَّرَبَاتِ مِنَ الْهَيْكَلِ، وَهُمْ مُتَسَرْبِلُونَ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ وَبَهِيٍّ، وَمُتَمَنْطِقُونَ عِنْدَ صُدُورِهِمْ بِمَنَاطِقَ مِنْ ذَهَبٍ. وَوَاحِدٌ مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ أَعْطَى السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةِ سَبْعَةَ جَامَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مَمْلُوَّةٍ مِنْ غَضَبِ اللهِ الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ".
(رؤ12:18): " بَضَائِعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَجَرِ الْكَرِيمِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْبَزِّ وَالأُرْجُوانِ وَالْحَرِيرِ وَالْقِرْمِزِ، وَكُلَّ عُودٍ ثِينِيٍّ، وَكُلَّ إِنَاءٍ مِنَ الْعَاجِ، وَكُلَّ إِنَاءٍ مِنْ أَثْمَنِ الْخَشَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَرْمَرِ".
(رؤ16:18): " وَيَقُولُونَ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ الْمُتَسَرْبِلَةُ بِبَزّ وَأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، وَالْمُتَحَلِّيَةُ بِذَهَبٍ وَحَجَرٍ كَرِيمٍ وَلُؤْلُؤٍ!".
(رؤ15:21): " وَالَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كَانَ مَعَهُ قَصَبَةٌ مِنْ ذَهَبٍ لِكَيْ يَقِيسَ الْمَدِينَةَ وَأَبْوَابَهَا وَسُورَهَا".
(رؤ20:18ـ21): " اِفْرَحِي لَهَا أَيَّتُهَا السَّمَاءُ وَالرُّسُلُ الْقِدِّيسُونَ وَالأَنْبِيَاءُ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَانَهَا دَيْنُونَتَكُمْ، وَرَفَعَ مَلاَكٌ وَاحِدٌ قَوِيٌّ حَجَرًا كَرَحىً عَظِيمَةٍ، وَرَمَاهُ فِي الْبَحْرِ قَائِلاً: «هكَذَا بِدَفْعٍ سَتُرْمَى بَابِلُ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ، وَلَنْ تُوجَدَ فِي مَا بَعْدُ".
نستطيع أن نقول على أساس كل هذه الشواهد أننا ندرك الأهمية التي لدى الذهب الذي قد قدموه المجوس للمولود المسيح. طالما أن المجوس طلبوا " قَائِلِينَ:«أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ» (مت2:2).
ما الذي كان مناسب أكثر من أثمن المعادن وأكثرها رغبة " الذهب" كهدية لملك كانت ولادته مصاحبة بظهور نجم لامع؟ عن حق إذن التفسير الذي يعتبر ذهب المجوس إشارة للهوية الملوكية للرب.
الهدية الثانية للمجوس، اللبان كان مصدره شجرة تحمل الإسم نفسه تنبت بالأحرى في العربية، وفي ساحل الصومال وفي الهند الشرقية. واللبان كان يُستخدم في كل من العبادة اليهودية والوثنية. لقد فُسرت هذه الهدية على أنها تقدمة البخور التعبدية للأقنوم الثاني للثالوث القدوس.
الهدية الثالثة للمجوس كانت المُر. الكلام أيضًا عن سائل من شجرة تحمل نفس الإسم تنبت في جنوب العربية. المُر قريب الشبه من الميرون الذي نعرفه وبالحري من رائحته ويُستخدم في المشروبات الروحية (أنظر مر23:15): " وَأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ يَقْبَلْ"، لكن أيضًا في تصنيع الروائح لإستخدامات مختلفة من بينهما دهن الأموات بحسب إنجيل يوحنا، يخلط المر والصبار كان يهدف حاملات الطيب أن يدهنوا جسد الرب بعد موته (يو39:19). على أساس هذه المعلومة اعتبر مفسري الكتاب أن تقدمة المُر تشير إلى أن الرب صار إنسانًا لكي يموت لأجل خلاصنا.
توجد أيضًا إمكانية لتفسير لاهوتي لهدايا المجوس. الجدير بالذكر أن كلمة "مجوس μάγος" ليس لديها هنا مفهوم سلبي قد يكون موجود في نصوص أخرى في العهد الجديد علي سبيل المثال:
(أع9:8، 11): " وَكَانَ قَبْلاً فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ اسْمُهُ سِيمُونُ، يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ السَّامِرَةِ، قِائِلاً إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ!. وَكَانُوا يَتْبَعُونَهُ لِكَوْنِهِمْ قَدِ انْدَهَشُوا زَمَانًا طَوِيلاً بِسِحْرِهِ".
(أع6:13): " وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلاً سَاحِرًا نَبِيًّا كَذَّابًا يَهُودِيًّا اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ".
هؤلاء المجوس هم حكماء لديهم إمكانية أن يفسروا شروق نجم لامع كـ إعلان عن ولادة ملك لليهود. على الجانب الآخر، في ذلك العصر كان من المُسلمات أن ولادات شخصيات مميزة تُصاحب ظواهر سماوية أو حوادث غير معتادة، وبذلك سيكون من الخطأ أن نقبل شرعية علم النجوم على أساس نص متى هذا. بحسب متى الإنجيلي وجد المجوس المسيح بمساعدة عِلم النجوم «ἀστρολογὶα» لكن في النهاية يتخطى التفاصيل الفنية للقاء المسيح مع المجوس.
المجوس كحكماء وثنيين يمثلون كل العالم الأممي في ذلك العصر والنجم الذي أشرق ليس هو مجرد ظاهرة سماوية بل رمز لملك إسرائيل الماسياني بحسب نبوة العهد القديم: " أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى" (عدد17:24). هكذا تبع المجوس نجم مادي ومحسوس لينقادوا إلى نجم روحي، ليس هو إلا المسيح ذاته، ملك إسرائيل الحقيقي، الذي وُلِدَ في بيت لحم وفق نبوة ميخا الماسيانية:  «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ». ( ميخا2:5 )
هكذا وصل المجوس أمام الرب وسجدوا وقدموا الهدايا. إن السجود للرب من الأمم في أورشليم وتقديم الهدايا وبالأحرى الذهب واللبان نتقابل معه في العهد القديم: " فَتَسِيرُ الأُمَمُ فِي نُورِكِ، وَالْمُلُوكُ فِي ضِيَاءِ إِشْرَاقِكِ. اِرْفَعِي عَيْنَيْكِ حَوَالَيْكِ وَانْظُرِي. قَدِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ. جَاءُوا إِلَيْكِ. يَأْتِي بَنُوكِ مِنْ بَعِيدٍ وَتُحْمَلُ بَنَاتُكِ عَلَى الأَيْدِي. حِينَئِذٍ تَنْظُرِينَ وَتُنِيرِينَ وَيَخْفُقُ قَلْبُكِ وَيَتَّسِعُ، لأَنَّهُ تَتَحَوَّلُ إِلَيْكِ ثَرْوَةُ الْبَحْرِ، وَيَأْتِي إِلَيْكِ غِنَى الأُمَمِ. تُغَطِّيكِ كَثْرَةُ الْجِمَالِ، بُكْرَانُ مِدْيَانَ وَعِيفَةَ كُلُّهَا تَأْتِي مِنْ شَبَا. تَحْمِلُ ذَهَبًا وَلُبَانًا، وَتُبَشِّرُ بِتَسَابِيحِ الرَّبِّ" (إش3:60ـ6).
أيضًا نتقابل مع إشارة لها علاقة بمجد سليمان أيضًا في الهدايا التي قدمتها شعوب الأرض، التي تمثل في نفس الوقت أيضًا النص النبوي عن نسل سليمان، الماسيا: " مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَالْجَزَائِرِ يُرْسِلُونَ تَقْدِمَةً. مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً. وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ. كُلُّ الأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ" (مز10:72ـ11). بالتالي، في سجود وتقديم هدايا المجوس تحققت إعلانات العهد القديم وفي نفس الوقت إعلان مسبق لرجوع الأمم إلى الله الحقيقي، وإيمانهم بالمسيح ودخولهم إلى الكنيسة.
من المعروف أن الإنجيل بحسب متى في محصلته يمثل إجابة الكنيسة اللاهوتية على اليهود غير المؤمنين. بالتالي الإشارة في بداية الإنجيل بواسطة هدايا المجوس وسجود وتقديم الهدايا إلى الأمم تجاه المسيح يكتسب أهمية خاصة كبيرة، يُعطي رسالة بأن الأمم كانوا مباشرةً منذ البداية إيجابيون تجاه الماسيا، الذي في اللحظة الأولى كان الشعب المختار رافضًا له. هذا يبدو، لو قارن أحد موقف المجوس بموقف اليهود في أورشليم، الذين إنزعجوا، مثل هيرودوس، عندما علموا بخبر الملك المولود (أنظر مت3:2): " فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ" خاصةً رئيس الكهنة والكتبة هم في موضع أن يمدوا هيرودس بمعلومات من الكتاب المقدس عن مكان ولادة المسيح على أساس النبوات لكن جهلوا حدث الولادة ذاته، الحدث الذي عرفوه المجوس الغرباء بطريقة معجزيه  (أنظر مت4:2ـ6): " فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» فَقَالُوا لَهُ: «فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ». لقد اضطر المسيح ذاته بعد ذلك في (مت13:2ـ23) للذهاب إلى مصر ويترك موطنه لكي يكون بين الأمم.  
بالتأكيد يُشدد في الإنجيل بحسب متى على أن المسيح أتى أولاً لليهود "فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ» (مت24:15). للتو في نهاية فصل الإنجيل يبدو أنه تحققت الدعوة المسكونية للكرازة تجاه الأمم، عندما أعطى الرب القائم لتلاميذه وصية " فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت19:28)، الوصية التي حلت محل الوصية السابقة أثناء حياته الأرضية: "هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً:«إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (مت5:10ـ6). لذلك حين يطرح القديس يوحنا ذهبي الفم سؤال لماذا ظهر النجم؟ يجيب، قائلاً: " لقد ظهر لكي يبرز عدم إحساس اليهود وينزع أي عذر يبرر عصيانهم وعدم إيمانهم. لأنه كان لابد لهذا الذي أتى من السموات ان يعطي نهاية لطريقة الحياة القديمة ويدعو المسكونة لكي تسجد له وتعبده في كل البر والبحر, لقد فتح من البداية الباب لكل البشر, لأنه أراد أن يعطي مثالاً لخاصته من خلال المجوس الغرباء, لأنه بالرغم من أنهم سمعوا باستمرار الأنبياء الذي تحدثوا عن تأنسه, فإنهم لم يعطوا الأهمية المطلوبة, وجعل البرابرة يأتون من أماكن بعيدة ويطلبون الملك الذي كان يوجد بالقرب منهم وأُخبروا عنه عن طريق المجوس الآتين من بلاد فارس, وهم الذين لم يريدوا أن يعرفوه من الأنبياء, لدرجة أنهم لو تبعوه لكان لديهم برهان بأنهم آمنوا بحضوره".
 ثم يستمر القديس يوحنا ذهبي الفم، قائلاً: "ولو حدث العكس وقاوموه بشدة لكان ليس لديهم أي عذر لأن أي عذر سوف يقدمونه لو لم يؤمنوا بالمسيح بعد هذا الكم من النبوات, عندما رأوا أن المجوس آمنوا لمجرد أنهم رأوا نجم وأتوا لكي يسجدوا للطفل؟ وهكذا فعل أيضًا في حالة المجوس كما في حالة أهل نينوي الذي أرسل لهم يونان, وكما في حالة السامرة. لأجل هذا قال: " رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا! "(مت41:12ـ42). لأن أولئك آمنوا بالأمور الصغيرة بينما هؤلاء لم يؤمنوا ولا بالأمور العظيمة"[1].
هكذا في الحقيقة انفتاح الإنجيل تجاه الأمم لا يُطرح كموضوع للمرة الأولى في نهاية الإنجيل بحسب متى، لكن قد سبق وأعلنه الإنجيلي في بدايته، وفق رواية سجود المجوس وتقديم هداياهم إلى" ملك اليهود"، إلى الله مخلص كل الأمم. 






[1]  القديس يوحنا ذهبي الفم، مولود المذود، ترجمة د.جورج عوض و د.سعيد حكيم مراجعة د.نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ص11