الجمعة، 12 سبتمبر 2014

السبي والاسترقاق

السبي والاسترقاق

                        د.جورج عوض إبراهيم
     أكد الهلال الأحمر العراقي صحة ما نشر حول قيام تنظيم ما يسمى بـ "الدولة الإسلامية" بإنشاء سوق للرقيق وعرض نساء للبيع بأسواق مدينة نينوى كـ "سبايا".وأفادت وكالة "فرانس برس" يوم الجمعة 8 أغسطس/آب نقلا عن المتحدث باسم الهلال الأحمر العراقي محمد الخزاعي قوله إن "عناصر داعش خطفوا النساء من الأيزيديات والمسيحيات كسبايا، وعرضوهن في أحد الأسواق لبيعهن ". وقد إقترحت الناشطة الكويتية سلوى المطيري شراء جواري مسيحيات لغرض الجنس في الكويت.
الجدير بالذكر أن الخطاب الديني المتطرف في مصر بعد ثورة 25 يناير قد امتلئ بكلمات ومصطلحات وأفكار تنتمى إلى الماضي السحيق : غزوات – جواري – أهل ذمة – أسيرات - ....الخ لدرجة ان أحد الشيوخ دعا المجتمع إلى الرق والجواري والجهاد لحل أزمة الفقر ، ويقترح أن نغزو مرتين او ثلاثة فى السنة لنحل أزمتنا من الفقر . هكذا عجز هذا الخطاب الديني على التواصل مع العالم المحيط الذى يتبنى بنية فكرية حديثة مثل : المواطنة ، قبول الآخر ، الحرية والعدالة بمفهومهما المتقدم والحديث.
إن الزمن ليس ساكن بل متحرك ويحمل معه المتغيرات والرؤى ومفاهيم مغايره . الأمر الخطير هو أن المتطرفين جمدوا الزمن في أذهانهم  بهدف وقف حركة التاريخ . هذا انتحار للمجتمع الذي يُلقي نفسه في هوة الماضي السحيق، مثل أهل الكهف الذين ناموا ازمنة عديدة ثم استيقظوا لكى يتعاملوا مع الناس بنفس العملات القديمة التي دُفنت معهم ونفس الأفكار القديمة البالية.

           التسلح بالأطر الفكرية القديمة هى أحد الأسباب القوية لعودة المجتمع إلى الخلف وانغماسه في مآزق لا يستطيع فيها ان يواجه المجتمع الدولي بكل تقدمه وحداثته ورُقيه ، مما يجعله ينحاز للأقصاء والقتل والتهديد والمقاطعات وغيره. الواقع يُثبت فشل المجتمع المقيم فى كهوف الماضي فى مسايرة التقدم والرقي وإحترام البشر وعدم التعامل معهم كأشياء تُستخدم لإرضاء شهواتهم ونزواتهم الجنسية. إذن لكي تتقدم شعوبنا لا بُد من تبني خطاب يحترم كرامة الانسان ويدفع أفراد المجتمع إلى قبول الآخر وتفعيل قدرات أفراد المجتمع للبناء والبحث والعمل والابتكار والابداع .  لكن للأسف اُبتلينا بمرض التقهقر الآدمي الذي يقودنا بسرعة إلى الانضمام إلى مملكة الحيوان طبعاً إذا قبلت الحيوانات عضويتنا.

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

عظات للمؤمنين حديثًا

عظات للمؤمنين حديثًا

المطران إيروثيوس فلاخوس- ترجمة د جورج عوض إبراهيم
عن موقع الدياكونية المسيحية اليوناني
العظة الأولي
المسيح والمسيحيون
1ـ نُدعَّي مسيحيون لأننا نرتبط بالمسيح.
2ـ المسيح هو الله والإنسان في آنٍ واحد, أي الإله المتأنس θεάνθρωπος
3ـ إنتظروه كل البشر
4ـ نري حياته وتعليمه في الكتاب المقدس
5ـ نحياه في الكنيسة بواسطة الأسرار
6ـ َمثل الإبن الضال
الذين تعمدوا صاروا أعضاء الكنيسة ودُعيوا تلاميذ المسيح, مسيحيين. نحن في الأرثوذكسية نضيف أيضًا لقب أرثوذكسي لكي نُظهر الإيمان الحقيقي. لأنه يوجد أيضًا مسيحيون لديهم أفكار خاطئة عن الله, والإنسان وخلاص الإنسان, لأجل هذا من الضروري أن نتحدث عن المسيحيين الأرثوذكس.
أعضاء الكنيسة سُميوا مسيحيون لأنهم يتبعون المسيح في حياتهم, أي يحفظون إرادته, ووصاياه ويتحدون به بواسطة الأسرار خاصةً بواسطة سر الإفخارستيا.
كلمة المسيح χριστός تأتي من فعل أمسح χρίω وتعني: الممسوح, هذا الذي مُسِح من الله. يتطابق مع الماسيا في العهد القديم. هكذا, كلمة المسيح χριστός تُظهِر أن الطبيعة البشرية التي أخذها الشخص الثاني للثالوث القدوس ، مُسحت من ألوهيته. هذا يعني أن المسيح هو الله والإنسان, بكلمة واحدة: الإله الإنسان أو الاله المتأنس θεάνθρωπος. بالتالي, بإسم المسيح نعلن أن الله صار إنسانًا لكي يخلص البشر, بدون أن يفقد ألوهيته
ومخلص البشر في كل مكان يشتاق للخلاص, لأجل هذا إنتظروا فادي. كانوا في ذاكراتهم يحفظون حياة مباركة, نفس الوقت عاشوا مأساة الحياة بالموت والأمراض والحروب وكرة البشر...الخ, لأجل هذا أيضًا إنتظروا فادي Λωτρωτής. لقد كان يوجد إشتهاء بشري عام للفادي الإله.
منذ القرن السادس قبل الميلاد إنتظروا في الصين "القدوس من الغرب", كومفوشيوس κομφούκιος يدعوه "الإله الإنسان". أيضًا البابليون إنتظروا مخلص وفادي "كأله متأنس". الهنود إنتظروا مجيء مخلص سوف يفدي العالم وسوف يُحضِر ثانيةً "العصر الذهبي البدائي". بحسب البوذية, الشكل الأول للهندوسية, إله النار والشمس Agni أُنتظر أن يتأنس من عذراء, مُرسل من أب السماء "كوسيط بين الله والعالم". اليونانيون القدماء إنتظروا أيضًا فادي ومخلص. في أسطورة بروميثياس, سيكون هناك ولد لعذراء Ιούς ولإله. وسقراط في دفاعة ذكر الفادي الذي سوف يرسله الله ليعتني بالجنس البشري. بالتالي كان يوجد تيار فكري لدي اليونانيين بأنه يوجد أيضًا إله آخر مجهول, لأجل هذا أيضًا في أثينا كان لديهم تمثال خاص مكتوب عليه "الاله المجهول". نفس الرغبة والإشتياق تلاحظهما أيضًا عند الرومان, وكذلك عند كل الشعوب. اليهود, بالطبع, إنتظروا الفادي والمخلص, حيث أن الأنبياء وخاصةً النبي أشعياء ـ الذي يُلقب بالإنجيلي الخامس ـ وصغوا تفصيلات كثيرة عن مجئ وحياة وآلام إبن الإنسان.
هكذا, هذا الإله الذي إنتظروه كل الناس في كل الدهور هو المسيح. إتحد في شخصه الله والإنسان. وُلدِ من الروح القدس والعذراء مريم. حمله وولادته كانتا معجزتين. إبن الله صار إبن الإنسان لكي يخلص الإنسان. لو درسنا أقواله وأعماله, سوف نتحقق بأنه يتفوق بوضوح علي كل زعماء الأديان الآخرين.  أولئك كانوا بشر, بينما هو الإله الإنسان. لقد تحدث عن المحبة, وطهارة القلب والمقاصد, إنتصر علي الخطية والشيطان والموت, قام من الأموات. أي زعيم ديني ليس هو مقام. المسيح قام وهكذا إنتصر علي الموت والشيطان. لأجل هذا هو افله الإنسان الفريد.
نُدعَّي مسيحيون لأننا نؤمن بأن المسيح هو الإله الحقيقي ولأننا نحفظ وصاياه في حياتنا الشخصية. نحن نهدف إلي أن نتمثل حياتنا في حياته.
المسيح ليس هو فيلسوف كامل ومشرع صالح, ليس هو عالم أخلاق وزعيم لديانة, لكن هو المنتصر علي الموت والشيطان والخطية. لم يأت لكي يغير الظروف الخارجية للحياة, بل لكي يقدس الإنسان, لكي يغيره ويجعله متجليًا, لكي يؤلهة ويجعله إبن لله بحسب النعمة. ذاك هو بحسب الطبيعة إبن الله (أبن طبيعي),أما نحن ينبغي أن نصير بحسب النعمة أولاد لله (أولاد متبنون).
نري حياة المسيح الأرضية في العهد الجديد, خاصةً في الأناجيل الأربعة, التي كُتبت بواسطة تلاميذه. هناك توجد أخبار قليلة عن ولادته وطفولته. بالحري كُتبت في الأناجيل الأخبار على  ثلاثة مستويات الأول, ماذا قال المسيح؟ الثاني, ماذا فعل؟ والثالث ماذا عاني المسيح لأجل البشر؟. بخصوص ماذا قال؟ نراه في أقواله وأمثاله وتعليمه. وعن ماذا فعل؟ نراه في المعجزات التي أتمها من رحمته ومحبته للبشر وأيضًا لكي يشدد علي تعاليمه السامية. بمعني, شفي المولود أعمي منذ ولادته لكي يعلن الحقيقة بأنه هو نور العالم. أما بخصوص ماذا عاني المسيح؟ نراه فى الآلام التي عاناها لأجل خلاص الجنس البشري. بالطبع, بعد  الآلام ، قيامتة التي تعني أن المسيح بكونه إله أقام الطبيعة البشرية التي ماتت فوق الصليب. داخل المستويات الثلاث يبدو بوضوح شخص وعمل ورسالة المسيح.
بالتأكيد, عمل المسيح العظيم, كما أيضًا ألوهيته, نحن لم نقرأها فقط في الكتاب المقدس, بل نعيشها في الكنيسة. بسر المعمودية نصير أعضاء جسد المسيح ونعيش الألم والصلب وقيامة المسيح في حياتنا الشخصية. هكذا نحيا كل الأحداث في حياتنا. بالمعمودية نموت عن العالم ونُدفن وهذا يُظهره التغطيس الثلاثي في جرن المعمودية. بالتناول نأخذ جسد المسيح ذاته في داخلنا وبالتأله نتناول ثانيةً مع المسيح.
بالتالي, نحن مسيحيون, تلاميذ للمسيح, لأننا إتحدنا معه. مثل التلميذ في المدرسة يأخذ المعلم نموذج لحياته , هكذا أيضًا نحن لدينا نموذج للحياة المسيح كما أن الرسام يضع في حسابه نموذج وهو الذي يريد أن يقدمه, هكذا أيضًا نحن لدينا نموذج لحياتنا المسيح ونريد أن نجعل حياتنا متجلية, وونجعلها حياة في المسيح.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم, في الأناجيل يُدعي المسيح الطريق, لأن بواسطته نصعد إلي الآب, إنه الحجر الأساسي لأنه هو الذي يعضد الكل, والجذر لأن بفضله نحن نزدهر, والراعي لأنه هو يغذينا, والحمل لأنه قُدِم ذبيحة لأجلنا ولأجل خلاصنا,  هوالحياة لأنه, بينما نحن أموات بالخطية, أحيانا, وأقامنا,  أيضاً هوالنور لأنه خلصنا من الظلمة, وهو الملبس لأننا لبسناه بالمعمودية  بينما كُنا نحن عرايا, أيضاً هو المائدة لأننا أكلناه بالأسرار, والبيت لأننا نحيا فيه, والساكن لأننا نحن هيكله.
كل هذه الأسماء والتي أغلبها قد أعلنها لنا هو ذاته بتعليمه , تُظهِر ما هو عمل المسيح, لكن ما هو الهدف الذي لأجله صار إنسانًا, وأيضًا ما هي علاقتنا به ليس مجرد زعيم لديانه, ليس هو مجرد مُصلِح إجتماعي, بل هو نورنا وحياتنا, رأسنا وقداستنا, مخلصنا وفادينا, أبونا وأمنا ـ وهذه العلاقة مع المسيح هي حقيقية, عضوية وليست مجردة وتأملية ، وبتسميتنا مسيحيون نُظهِر هذه العلاقة العضوية والجوهرية معه.
الأمثال أيضاً هي من ضمن هذه الأقوال التى قالها المسيح لتلاميذه، وقد حُفظت. الأمثال هي بعض الصور والقصص التي قالها المسيح والتي تخفي في داخلها حقائق عظيمة. علي سبيل المثال, يستخدم مَثَل العُرس ليظهر الإفخارستيا وأيضًا أن ملكوت الله هو عُرس روحي, طالما يجعل الإنسان يتقابل حقًا مع الله.
أحد أمثال المسيح هو مثل الإبن الضال (لو11:15ـ32). الكلام هنا عن مَثَل مشهور داخله تُخفي حقائق عظيمة. يمكن للمرء أن يقول أنه يعلن ما هو هدف تأنس المسيح, ما هو سقوط الإنسان, وما هو عمل الكنيسة وكيف يمكن للمرء أن يَخلُص داخل هذه الإطارات تظهر كل الحياة المسيحية.
بكلام بسيط يصف المثل الآتي:
إنسان لديه إبنين. طلب الأصغر من أبيه نصيبه من الميراث ورحل بعيدًا عن بيته. عاش في ضلال مبذرًا نصيبه ووُجِد في حالة حرمان قصوي بعد أن بذر كل أمواله, وصار عبدًا في مدينة ما, راعيًا للخنازير. داخل هذه الحالة من الضنك تذكّر الحياة والسعادة التي كانت تسود في بيته الأبوي وقرر أن يرجع إليه, كمثل أجير وليس كإبن. وبينما رجع إلي البيت, رآه أبوه الذي كان ينتظره. أسرع إليه أولاً الأب وأحتضنه وقبله. الإبن الضال طلب الغفران وقال له أنا غير مستحق أن أكون لك إبنًا, إجعلني كأحد أُجراءك, حيث أنني إقترضت كل نصيبي لكن الأب أعطي أمرًا بأن يُلبسوه الحُله الأولي, وأن يعطوه خاتم في يديه وحذاء لرجليه, وان يذبحوا العجل المسمن. هكذا بدأ الإحتفال.
لكن عندما عاد إبنه الأكبر وسمع الإحتفال في بيته, طلب أن يعرف لماذا يحدث كل هذا. عندما قالوا له أن أخوك رجع, غضب ولم يرد أن يدخل بيته. حاول أبوه أن يقنعه. لكن ذاك إستخدم مبررات منطقية, إلا أن هذه المبررات عبَّرت في الأساس عن غيرته وحسده, لم يرد أن يدخل إلي بيته وتُرك لكي يُدرك أنه لم يشارك نهائيًا في الفرح لأجل عودة أخيه الذي كان ميتًا, وكان ضالاً.
هذا المثل المشهور يُظهِر كل عمل المسيح, وكذلك أيضًا حياة الكنيسة. سوف نحاول في العظات القادمة أن نحلل بالأكثر ونري كل المفاهيم الروحية.
ذاك الذي يجب أن نتمسك به في العظة الأولي هو أن المسيح هو الله والإنسان في نفس الوقت . ولأجل هذا, هو المخلص الحقيقي للبشر ولا يوجد مخلص وفادي آخر. تستند الحياة المسيحية علي صخرة الإيمان هذه. نحن الذين نحيا في الكنيسة نُدعَّي ونكون مسيحيون, لأننا يجب أن نكون مرتبطين بشدة مع المسيح ونتغذي من جسده ودمه, ونحفظ وصاياه ونحيا كل حوادث حياته في حياتنا الشخصية.
أسئلة وأجوابة علي العظة الأولي
1ـ لماذا نُسمي مسيحيون؟
لأننا نرتبط بالمسيح
2ـ ماذا يعني كلمة المسيح؟
كلمة المسيح تُعني: الممسوح, لأن الطبيعة البشرية مُسحت من الألوهية.
3ـ مَنْ هو المسيح؟
الماسيا, إله كامل وإنسان كامل معاً, الإله الإنسان فى نفس الوقت.
4ـ ما هي الشعوب التي إنتظرت الفادي والمخلص؟
كل الشعوب اليونانيون, الرومان والشعوب الشرقية
5ـ أين تظهر عظمة المسيح في المقارنة مع آلهة لأديان أخري؟
المسيح ليس هو إنسان, بل الإله الإنسان, قام من بين الأموات وهو المنتصر علي الموت.
6ـ ما هو عمل المسيح؟
        خلاص الإنسان, أي إبطال الشيطان والموت والخطية
7ـ أين نستطيع أن نري عمل المسيح؟
في العهد الجديد. في الأناجيل نري ماذا قال, وماذا فعل, وما عاناه وفي أعمال الرسل أيضًا وفي رسائلهم نري ثمار تأنسه والشركة بين الإنسان والله.
8ـ كيف نستطيع أن نحيا حياته؟
        في الكنيسة بالأسرار وبحفظ وصاياه
9ـ هل تستطيع أن تتذكر بعض أسماء المسيح, التي أعطاها له الكتاب المقدس لكي يظهر علاقته معنا؟
الطريق, الأساس, الجذر, الكرمة, الراعي, الحمل, الحياة, الملبس, الخبز, المسكن,...الخ.
10ـ ما هي الأمثال؟
        هي صور وقصص تحتوي فى داخلها على حقائق عظيمة
11ـ هل تستطيع أن تحكي لنا قصة الإبن الضال؟
    الإجابة متروكة لكل واحد يحكيها بطريقته

الجمعة، 22 أغسطس 2014

العبادة ( الصلاة الليتورجية )

العبادة ( الصلاة الليتورجية )     د.جورج عوض إبراهيم                                                                                                                                               

         

       هدف الكنيسة هو خلاص وتقديس الإنسان وكل الخليقة

 " يالله تحنن على خليقتك ونجها من كل سوء " ( الطلبة المسائية – أسبوع الآلام ) ، فالخلاص في المسيح هو إعادة الإنسان إلى طريق الكمال والخلود بقوة الروح القدس:  " يا من بقدرته دبر حياة الإنسان قبل خلقته ، وصنع له الموجودات بحكمته وزين السماء بالنجوم والأرض بالنباتات والأشجار والكروم والأودية بالعشب والزهر ..... يا الله العظيم القدوس الذى خلق الإنسان على صورته ومثاله  وجعل فيه نفساً حية عاقلة ناطقة ارحم يا رب جبلتك التي خلقتها" ( الطلبة المسائية – أسبوع الآلام ). هذه المسيرة تتحقق بانضمام كل الوجود الإنساني إلى جسد المسيح أي يصير الوجود الإنساني كنيسة في المسيح، ويصير الحق في داخل الإنسان. وعندئذٍ يمكن له أن يعرف الله ويتحد معه ويتقدس: " وتحنن عليها وأرسل علينا رحمتك من علو قدسك ومسكنك المستعد ".
       إن عبادة الكنيسة تكشف لنا عن الإعلان الثلاثي لسر الحياة:  سر الله وسر الإنسان وسر الخليقة. والعبادة في نفس الوقت هي إعلان لسر الإنسان ككائن اجتماعي يدخل في شركة مع الله: " أين هي قلوبكم؟"، " هي عند الرب "، وشركة مع أخيه الإنسان: " قبلوا بعضكم بعضًا".
 يدخل المؤمن في العبادة الأرثوذكسية في سر "الزمن" الجديد، والذى بدأ بتأنس ابن الله وانتصاره على الفساد والخطية والموت. إنه سر " السماء الجديدة والأرض الجديدة " (رؤ1:21)، حيث " لا موت ولا حزن ولا صراخ ولا ألم لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ4:21). نخضع بكل كياننا، في العبادة الكنسية، تحت سلطان المسيح ونمجد الله الثالوث كما تمجده قوات الملائكة غير المنظورة بلا انقطاع في السماء (أنظر إش1:6).
       تتحقق في العبادة حركة مزدوجة
+ حركة الإنسان نحو الله أي لتمجيد الله.
+ وحركة الله نحو الإنسان لتقديس الإنسان.
       ولا مجال هنا للسؤال الجدلي: مَنْ يبدأ ؟ لأن المحبة الإلهية هي في حالة حركة دائمة نحو الإنسان (أنظر1يو10:4). إن العبادة هي حوار ليتورجي بين الخالق والمخلوق، إنها شركة إلهية إنسانية. إنها لقاء الله والإنسان " في الحق" (1يو20:5)، فيها يقدم الإنسان ذبيحة هي " ثمر شفاه معترفة باسمه" (عب15:13). فالعبادة ليست دعوة إلى الله لكى يمنح الخلاص بل هي تقديم الشكر لله الذى أعطانا أن نحيا هذا الخلاص. إنها عبادة " المؤمنين" الذين هم أولاد الله، والله هو الذى يقبل الشكر من الكنيسة، إذ قدم كل ما هو ضروري لأجل خلاص البشر وجعله موجودًا في العبادة. الإنسان في العبادة يتشوق أكثر للخلاص المقدم من الله ويجاهد لأجل تكميله. إنه يتشوق لأن يكون " في المسيح " (فى23:1). يشعر المؤمن في العبادة مثلما يشعر الرضيع نحو الحضن الأمومي، فهو يحن إلى مكانه الطبيعي، لذلك هو يسبح قائلاً: " فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب" (مز1:122).
       العبادة المسيحية تختلف عن العبادات الأخرى، إذ أن العبادة الكنسية هي عبادة الإله الواحد الحقيقي " بالروح والحق" (يو24:4). إنها تختلف عن عبادة الأصنام والعبادة اليهودية، إذ أن الأولى لا يمكن أن تُوصف بأنها "روحية" ولا "حقيقية"، والثانية اليهودية هى "عبادة حرف وليست عبادة روح" (2كو6:3). العبادة المسيحية غير خاضعة " لأركان هذا العالم" (غل3:4). العبادة المسيحية تقود إلى تحرر الإنسان، إلى معرفة الله: " إلى أن ننتهى جميعًا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف13:4).
       العبادة الكنسية هي انعكاس للعبادة الروحية التي وصفها يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا (10:4، 6:5، 1:22،...). إن هدف العبادة ليس إنزال السماء إلى الأرض، بل هو تغيير الأرض وتجليها إلى سماء. فالعبادة تتبع نفس الطريق الذى انتهجه المخلص ابن الله الذى صار إنسانًا لكى يقدس الإنسان، ويقدس الكون داخليًا وديناميكًا ليتجلى وينضم إلى الملكوت الإلهي. إن العبادة الكنسية تجعل ملكوت الله حاضرًا في العالم، وتحوّل الأرضي وتغيره إلى سماوي، والمادي إلى روحي، والإنساني إلى إلهى وذلك بقوة الروح القدس المحيي.

       تُوجد عدة ملامح للعبادة الكنسية


أولاً: الملمح الثالوثى 

       إن العبادة الكنسية تُفهم كلقاء المؤمنين مع الله الثالوث. ومن جهة أخرى فإن وجود الكنيسة نفسها مؤسس على الثالوث. وبالمثل فإن طريقة حياتها أيضًا مبينة على الثالوث. فقوتها ورجاؤها مؤسسان على الله الثالوث. والعلاقة السرائرية بين الكنيسة وأقانيم الثالوث هي مصدر صفات الكنيسة الأساسية وهى: مقدسة، وواحدة، وجامعة، ورسولية. فالكنيسة تحيا وتتحرك في العالم بفعل قوة الثالوث القدوس ونعمته :

1 ـ التمركز حول الثالوث

       العبادة الكنسية هي ثالوثية تتمركز حول الثالوث في هدفها وفى بنيتها، وهى تُقدم إلى الله الآب (رو15:8، غل6:4)، بواسطة ابنه الوحيد الجنس يسوع المسيح وفى الروح القدس (أف18:2). يحقق المؤمن، في العبادة الكنسية، شركته مع الثالوث عن طريق شركته في جسد المسيح ابن الله، الذى هو متحد بلا انفصال مع الآب والروح القدس. يقدم الله، في العبادة، عطية النعمة إلى الإنسان، والإنسان بدوره يصلى إلى الله مجيبًا على العطية المقدسة. وكل عمل تعبدي له هذا الملمح الإلهي. فالعبادة تؤسس على إعلان محبة الثالوث القدوس لنا أثناء حركته نحو الإنسان والعالم. الله "ينزل" لكى يتقابل مع الإنسان، والإنسان "يصعد" لكى يتقابل مع الله. لذا فالعبادة الكنسية تضع الإنسان على جبل طابور الروحي لكى تدخله إلى المجد الإلهي. العبادة الكنسية تتركز في الصعيدة التمجيدية للأقانيم الثلاثة، لذا فإن افتتاحية الإفخارستية تبدأ دائمًا بتمجيد الثالوث: " مجدًا وإكرامًا، إكرامًا ومجدًا للثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس، سلامًا وبنيانًا لكنيسة الله الواحدة الوحيدة الجامعة الرسولية" (تقدمة الحمل ـ الخولاجي المقدس). لذا فإن صعيدة الإفخارستيا هي في بنيتها ثالوثية وتتمركز حول الثالوث، وصلاة الكنيسة هي استدعاء دائم للثالوث القدوس.

التمركز حول المسيح

          الإنسان خُلق بدعوة أن يجمع العالم ويُوحده بالخالق، ولكى يُنجز هذه المهمة ، لابد أن يجتاز الانقسام الأول الذى فيه (ذكر ـ وأنثى)، ثم بعد ذلك يوحد الفردوس بالأرض، أي يغير الأرض ويجعلها تتجلى لتصير فردوسًا، وأن يلغى المسافات بين الأرض والسماء، ولابد أن يتجاوز الحسى لكى يصل إلى العالم الملائكي، وأن يتحد بالله الخالق فى شركة وعلاقة حية معه، عندئذ يمارس الإنسان دوره الكهنوتي إذ يقدم العالم والخليقة كلها ذبيحة شكر لله ويحقق دوره الإفخارستي. والمسيح قد حقق كل هذه الوحدة، فقد جُمع كل شيء في المسيح كما أخبرنا القديس بولس في أفسس(10:1) "صائرًا رأس كل شيء وملك على كل شيء". بعمل المسيح، قد تم استعادة الوحدة بين الله والعالم المخلوق، مثلما حدث فى التجسد عندما اتحد الخالق بالمخلوقات، فقد اتحدت الطبيعة الإلهية بالناسوتية بغير اختلاط وغير امتزاج أو تغيير وقدستها . لقد تقدس العنصر المخلوق باتحاده بالخالق، والإنسان هكذا أخذ دور الوسيط، فهو يقدم الخليقة المادية إلى الله أي يقودها للاتحاد بالله ، للاتحاد بمنبع كمال كل الخلائق الذى هو الله ، وبكلام آخر ، الإنسان مدعو أن يصير كاهنًا للعالم، إذ يقود ويقدم الخليقة المادية إلى خالقها. إن الهدف النهائي للإنسان هو الاتحاد بالله ، مسيرته من " بحسب الصورة " إلى "الصورة " ، أي الصعود المستمر بالإنسان نحو النموذج أو الموديل . إن حركة الإنسان من " بحسب الصورة " إلى " المثال " تعنى أن الهدف النهائي للإنسان هو الاتحاد بالله
       إن الصعيدة الإفخارستية موجهة إلى الله ـ الآب، والآب غير منفصل عن الابن والروح القدس. والابن يعمل في العبادة كـ" وسيط بين الله والناس" (1تى5:2). إن المسيح إذ هو " واحد مع الآب في الجوهر" ومجده هو مجد الابن الوحيد من الآب (يو1:14)، فإنه يظهر " في ذاته " الآب، " من رآنى فقد رأى الآب " (يو8:14ـ9). وهكذا "في المسيح" يكون الآب "معنا" ويُنظر بمجد طبيعته الإلهية.
       إن الكلمة المتجسد ربنا يسوع المسيح رأس الكنيسة هو المحور المركزي للعبادة، فهو رئيس الكهنة الحقيقي (عب14:4)، والخادم بالليتورجيا (عب2:8)، إذ أنه " المُقدِّم والمُقدَّم". لذا فالعبادة الكنسية تُفهم على أنها استمرار للعمل الخلاصي للمسيح في صوره الثلاث " الكهنوتي، النبوي، الملوكي" (1بط9:2). وصلوات القداس الإلهي تعلن عن هذه الحقيقة بكل وضوح:
       [ أنت الكائن في كل زمان. أتيت إلينا على الأرض. أتيت إلى بطن العذراء. أيها الغير المحوى. إذ أنت الإله لم تضمر اختطافًا أن تكون مساويًا لله. لكن وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد. وباركت طبيعتي فيك. وأكملت ناموسك عنى، وأريتني القيام من سقطتي. أعطيت إطلاقًا لمن قُبض عليهم في الجحيم. أزلت لعنة الناموس. أبطلت الخطية بالجسد.. ] (القداس الغريغورى).
       المسيح كخادم الليتورجيا الإلهية يقدم ذاته كذبيحة غير دموية وبلا لوم "لله الآب"، لكى يرفع خطية العالم (يو29:1).  [ أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب أظهرت عظم اهتمامك بي، قتلت خطيتي بقبرك أصعدت باكورتي إلى السماء، أظهرت لي إعلان مجيئك هذا الذى تأتى فيه لتدين الأحياء والأموات وتعطى كل واحد كأعماله] (القداس الغريغورى).
       المؤمنون يشتركون في سر التدبير الإلهي أثناء العبادة في الإفخارستيا:
[ إذن يا سيدنا، فيما نحن نصنع ذكرى نزولك على الأرض وموتك المُحيي وقبرك ثلاث أيام وقيامتك من الأموات. وصعودك إلى السموات وجلوسك عن يمين أبيك. وظهورك الثاني الآتي من السموات. المخوف المملوء مجدًا. نقرّب لك قرابينك.. ] (القداس الغريغوريوى).
هنا نجد كل التدبير الإلهي للخلاص الذى " في المسيح". وبواسطة المسيح يصير تاريخ الخلاص حاضرًا في العبادة لكى يحياه المؤمن في كل مراحله.
       إن حضور المسيح في العبادة الكنسية هو حضور محسوس [ هوذا كائن معنا على هذه المائدة اليوم عمانوئيل إلهنا حمل الله الذى يحمل خطية العالم كله] (صلوات القسمة ـ أعياد الملائكة والسمائيين). فالمسيح هو الذى ضمنا إلى جسده، وهو فصحنا الذى قد ذُبح لأجلنا، وفى كل إفخارستية يصير حاضرًا معنا. فصح خلاصنا " الذى صُلب على يد بيلاطس البنطي " قدم نفسه ذبيحة لأجلنا (راجع 1كو7:5). هكذا تنطلق العبادة " من المسيح" وإليه تنتهى. وعلى الجانب الآخر، فإن هدف العبادة هو تقديس المؤمن لكى يصير هيكلاً لله.

التمركز حول الروح القدس 

       إن كل شيء في حياة الكنيسة لا يتمركز فقط حول المسيح بل وأيضًا حول الروح القدس. إن تعبير "في المسيح" يعنى في عبادة الكنيسة " في الروح القدس" :
       [ وأرسل إلى أسفل من علوك المقدس ومن مسكنك المستعد ومن حضنك غير المحصور ومن عرش مملكة مجدك البارقليط روحك القدوس الأقنوم، غير المستحيل ولا متغير. الرب المحي الناطق في الناموس والأنبياء والرسل، الحال في كل مكان، المالئ كل مكان ولا يحويه مكان، واهب القداسة بسلطة بمسرتك للذين أحبهم وليس كالخادم، البسيط في طبيعته الكثير الأنواع في فعله. ينبوع النعم الإلهية، المساوي لك. المنبثق منك، شريك عرش مملكة مجدك، وابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كلنا يسوع المسيح. أرسله علينا نحن عبيدك وعلى هذه القرابين التي لك... ] (صلاة استدعاء الروح القدس في القداس الكيرلسى).
إن كل صعيدة تقدم إلى الآب والابن لا تكون تقدمة حقًا بدون قوة الروح القدس، فالروح القدس يعمل في العبادة كالسحابة المنيرة في التجلي(مت15:17) التي خيمت على التلاميذ وكل الجبل.
       يعيش المؤمن " بالروح القدس " في سر العبادة، لأن الروح يعطى الحياة للكنيسة ويظلل على اجتماعها. إنه "روح التبني " الذى يصرخ فينا " يا أبا الآب " (رو15:8) والذى يقود إلى " التبني الروحي " .

ثانياً : الملمح التقليدي

       أحد ملامح العبادة الكنسية هو علاقة العبادة المباشرة بتقليد الكنيسة، أي حياتها المستمرة والمستمدة من المسيح يسوع، والتي لا تعبّر فقط عن استمرارية الخبرة الروحية ، لكن أيضًا عن تمسك الكنيسة بعناصر التقليد التي تحدد عناصر العبادة الكنسية مما يضمن مصداقية الحياة المسيحية.
       ظلت العبادة الكنسية " قديمة " في روحها و" جامعة "، إذ تعبر بصدق عن وحدة الإيمان المسيحي الأول، وبواسطتها يصير في إمكان المؤمن الآن أن يحيا الإيمان المُسلّم مرة للقديسين. إن تقليد العبادة لا يُختزل في طرق وأشكال وترتيبات ممارسة العبادة، لأن هذه الترتيبات حصل لها تجديد عبر الزمن مع الاحتفاظ بجوهر العبادة وروحها. وجوهر العبادة هو الإفخارستية والصلوات الأساسية التي تختص بخلاص الإنسان وإعطائه الإمكانية لتحقيق هذا الخلاص. إن تقليد العبادة الكنسية يمثل جزءً لا ينفصل عن التقليد الكنسي، ووعى الكنيسة هو الذى يضمن استمرار هذه العبادة دون تغيير في جوهرها ، كما كانت في القرون الأولى للمسيحية، بالرغم من أنها قابلة للنمو والتطور.
       إن العبادة الكنسية تعطى مصداقية للاختبار الحي المستمر لوحدة الكنيسة وإيمانها، فقد صارت العبادة الكنسية هي الرباط الوثيق الثابت الذى يربط كل الكنائس المحلية معًا.
       تُحفظ الوحدة في العمل الليتورجي بواسطة اعتراف الإيمان " رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة " (أف5:4)، لذا نظل مجتهدين كما يقل بولس الرسول أن نحفظ " وحدانية الروح " (أف3:4)، أي بشركة حضور الروح القدس في قلوب العابدين. إن إيمان الكنيسة كتدبير مقدس روحي " الفكر الذى في المسيح يسوع " (فى5:2)، والسلوك الروحي كحياة في المسيح    " الذى يحيا فىَّ " (غل20:3) يتحققان في العبادة الكنسية، لذلك فإن العبادة لها أهمية عُظمى في صياغة إيمان الكنيسة وعقيدتها.
       نتعرف في العبادة على وسائل التعبير عن الإيمان الكنسي مثل الطلبات والتسابيح والصلوات، وهكذا تصير العبادة الكنسية مصدرًا هامًا لإيمان الكنيسة. أيضًا يتقاطع العنصر التاريخي ـ في العبادة ـ مع العنصر اللاهوتي والعقيدي، فالتسابيح تربط التاريخ الكتابي بالعنصر اللاهوتي والعقيدي أثناء تمجيد الله والاحتفال بالأعياد أو فى تكريم القديسين. الكنيسة عندما وضعت النصوص الليتورجية تحركت على هذين المستويين، إذ وهي ترى العنصر التاريخي تربطه بالمعنى اللاهوتي. فمثلاً في تسبحة الهوس الأول تصلي الكنيسة: [ فلنسبح الرب لأنه بالمجد قد تمجد . الفرس وراكب الفرس طرحهما في البحر (العنصر التاريخي). معين وساتر علىّ وصار لي خلاصًا. هذا هو إلهى فأمجده. إله أبي فأرفعه (المعنى اللاهوتي)]. هكذا كانت نظرة آباء الكنيسة لحوادث الخلاص التاريخية التي تقود إلى المفهوم اللاهوتي، لذا فنصوص الآباء صارت هي نصوص العبادة، إذ تمثل ـ عند الكنيسة ـ مصدرًا للاهوت الليتورجي. فالليتورجيات التي صيغت بواسطة الآباء نُصلي بها أثناء العبادة في الكنيسة (مثل ليتورجية القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس والقديس كيرلس). التعاليم الآبائية هي البنية الأساسية للعبادة الأرثوذكسية من خلال نصوص الصلوات الليتورجية والعظات التي تقدمها الكنيسة للمؤمنين. العبادة الكنسية هي الأم التي تُشكل، داخل وحدة الجسد الكنسي، السلوك الأرثوذكسي وتغير حياة الإنسان ليصبح بالفعل "خليقة جديدة". هكذا فالعبادة الكنسية تصبح خدمة ليتورجية الإيمان الكنسي بدرجة تجعلنا نتحدث عن عبادة أرثوذكسية وأخرى غير أرثوذكسية.
       من جهة أخرى، ما يُخَلِّص ليس هو العبادة بل المسيح بواسطة الإيمان الذى وُجدت العبادة من أجله. إن وحدة الكنيسة تُؤسس على المحتوى الليتورجي: الإيمان والسلوك الروحي. إن مركز حياة الكنيسة هو الاعتراف بحدث الخلاص في المسيح والدعوة المستمرة لهذا الخلاص: "تعال وأنظر" (أنظر يو39:1ـ46). العبادة الكنسية تخدم هذا الحدث وتقود إليه إذ تعترف بيقين الخلاص ونعمته.
       العبادة الكنسية تؤَّكد على أساس حياة الكنيسة، الذى هو تطابق قانون الصلاة مع قانون الإيمان، لذا فإن اعتراف الإيمان (كما في دساتير المعمودية) يصير داخل اجتماع الكنيسة للعبادة. فالإيمان قبل أن يصير عقيدة يُعترف به ويُعاش في العبادة. لذا يقول القديس ايرينيوس أسقف ليون: [ تعاليمنا هي وفق الإفخارستيا والإفخارستيا تؤَّمِن تعاليمنا][1].




[1]  أنظر ألكسندر شميمن، الإفخارستيا، أثينا 1987 (باللغة اليونانية).

الخميس، 21 أغسطس 2014

الإنسانية تتجلى في فعل المحبة والرحمة وليست في الشعارات النظرية المجردة


الإنسانية تتجلى في فعل المحبة والرحمة وليست في الشعارات النظرية المجردة

                                                                                       د.جورج عوض إبراهيم
             في الشهر الماضي ببريطانيا، عندما أصيبت الطالبة المسلمة (علياء أحمد علي) (13 عام) بالفشل الكُلوي . أصر أستاذها البريطاني المسيحي (راي كو) (53 عام)، أن يتبرع لها بكليته؛ رغم علمه مسبقا بما قد يصيبه من مضاعفات مستقبلاً، ، لكنّه أصر على فعل المحبة .. تمّت العملية بنجاح ويتماثل الإثنان الآن للشفاء، قبل العودة للدراسة والعمل مرة أخرى مطلع الشهر القادم.

                إن المحبة التى نادى بها المسيح لا تُفهم إلا بارتباطها الشديد بالعمل أو بتفعيلها، فالمسيح لا يُعلم ولا يكرز بمحبة عاطفية ولكن بالمحبة العاملة، لذلك يشدد على ذلك فى الموعظة على الجبل : "ليس كل من يقول لى يارب يارب يدخل ملكوت السموات بل الذى يفعل إرادة أبى الذى فى السموات.كثيرون يقولون فى ذلك اليوم يارب يا رب ألي باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرخ لهم أنى لم أعرفكم قط فاذهبوا عنى يا فاعلى الإثم. فكل من يسمع أقوالى هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر ..... وكل من يسمع أقوالى هذه ولا يعمل بها يشبه رجل جاهل بنى بيته على الرمل ..." (مت21:7ـ27).
              واضح من هذا النص أن المسيح يُعطى أولوية ليس لاعتراف الإيمان النظرى المستقيم لكن للعمل والفعل وإتيان الثمار . ذلك الذى له أهمية حاسمة هو ليس قبول حقائق إيمانية نظرية لكن بالمحبة العاملة. المسيح لا يطلب فقط تغيير داخلى لكن ترجمة هذا التغيير إلى عمل وفعل. وهذا يظهر جلياً فى مثل التينة غير المثمرة : "كانت لواحد شجرة تين مغروسة فى كرمه. فأتى يطلب فيها ثمراً ولم يجد. فقال للكرام هوذا ثلاث سنين آتى أطلب ثمراً فى هذه التينة ولم أجد. اقطعها. لماذا تبطل الأرض أيضاً. فأجاب وقال له يا سيد اتركها هذه السنة أيضاً حتى أنقب حولها وأضع ذبلاً. فإن صنعت ثمراً وإلا ففيما بعد تقطعها". (لو6:13ـ9).
لقد كرز أيضاً يعقوب أخو الرب بالضرورة المطلقة للعمل: "ولكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم" (يع22:1).
الإيمان وحده لا يكفى "لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت" (يع26:2). الرسول يعقوب لا يشكك فى قيمة الإيمان، لكنه يرفض الفكر الذى يكتفى فقط بالإيمان، كذلك الفكر الذى ينادى بأنه يستطيع أحد أن ينتظر كل شئ من النعمة الإلهية.
لا يوجد مجال للشك فى أن المسيح أعطى أفضلية أو أولوية مباشرة للعمل، لكن أى عمل يطلب؟ المسيح يطلب العمل الذى تسمح به الوصية الجديدة التى هى المحبة، وهذه الوصية ليست موقف عاطفى عام وحسب، بل محبة عاملة محددة، لشخص محدد، وهذا يعنى مساندته والوقوف بجانبه فى احتياجاته ومشاكله التى يواجهها "هنا والآن" (راجع رو9:12ـ21 )
"
لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضاً" (فيلبى4:2 )
هذا ما فعله المسيح إذ صار إنسان لأجل الإنسان، وواضح جداً فى مثل السامرى الصالح (لو30:10ـ37) والإصحاح ال25 لإنجيل متى.
علينا أن نتشبه بالسامرى الصالح الذى فعل كل ما عنده لكى يداوى جراحات إنسان وينقذه، على العكس، أدان المثل السلوك القاسى للكهنة واللاويين الذين رأوا كم كان الإنسان جريح بين حى وميت ولكن عبروا عليه دون أن يفعلوا شيئاً. لقد أراد المسيح بهذا المثل أن يعلمنا بأن المحبة نحو أخينا فى الإنسانية تعنى الدفاع والوقوف بجانبه حتى يستطيع أن يواجه مشاكله التى تؤرقه.
أيضاً إصحاح متى25 خصوصاً المقطع الذى يتكلم عن "الدينونة العتيدة" (مت31:25ـ46) فى هذا المقطع نجد أن المعيار الذى سوف يدين به المسيح الإنسان هو موقفه إزاء مشاكل واحتياجات الأخ فى الإنسانية ، فالمحبة نحو الله والقريب تعنى صراعاً لا يهدأ حتى يتخلص الأخ فى الإنسانية من سياط الحرمان والضعف، من المرض، من الأمية، ومن كل أشكال القهر. المحبة تعنى عند المسيح صراع حتى تزال المعطلات فى طريق سعادة الإنسان.
وهنا سؤال يفرض نفسه: هل هذه المحبة العملية التى يطلبها المسيح، يجب أن تمارس على مستوى الفرد أم المجتمع؟
         إن الوصية الجديدة للمحبة تتطلب ليس فقط إنسان جديد بل ومجتمع جديد، فأخلاق المحبة وثقافة "قبول الآخر" و "ثقافة التسامح" التى علمها المسيح لها نتائج اجتماعية شاملة تطلب من الإنسان أن يغير الروابط الاجتماعية ويؤسس عالم يسوده العدل، عالم أكثر إنسانية. ومن جهة أخرى، فإن المحبة لا يمكن أن تتصالح مع عادات وروابط وبرامج اجتماعية تعتبر الإنسان شئ أو أداة لكى ترضى أهدافها أو أيدلوجياتها أو محبة المجد الباطل، لقد قاوم المسيح بشدة الظلم "تباعدوا عنى يا جميع فاعلى الظلم" (لو27:13)، وطالب بعالم جديد خالى من أناس مقهورين. لذلك لم يُعطى المسيح لتلاميذه بنود تعليمية ولكن أن يكرزوا بملكوت الله وهذا له أهمية خاصة، أن يحرروا الناس من كل أشكال الضعف والمرض والقهر : "وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين أنه قد اقترب ملكوت السموات اشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى. اخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا". (مت7:10ـ8)

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

موت روبين ويليامز ورسالة الحياة


موت روبين ويليامز ورسالة الحياة

د.جورج عوض إبراهيم
       روبين ويليامز هو ممثل أمريكي من مواليد 21 يوليو 1951، عثرت عليه الشرطة الأمريكية صباح الثلاثاء 12 أغسطس متوفياً في منزله في ولاية كاليفورنيا وأعلنت الشرطة الاشتباه في وفاته منتحراً. بمناسبة هذا الخبر نريد أن نتحدث عن الحياة التي أنعم بها الله على البشر.
     يجب أن نتخذ موقفًا صحيحًا تجاه الكائن البشري بل وتجاه خليقة الله بشكل عام. عندئذٍ نستطيع أن نتصرف تجاه أنفسنا نحن خلائق الله بطريقة تليق بمكانتنا في هذه الحياة، فالإنسان، إن جاز التعبير، هو منتج إلهي.
أساسيات موقفنا من الحياة تتضمن بعض المبادئ التي يجب أن نؤمن بها، وهي:
+ إن حياة الإنسان والكون هما عطية من الله وليسا من نتاج الإنسان. إن وجود الإنسان وكينونته ليست من ذاته بل من الله.
+ الإنسان ليس هو خالق بل هو مشارك في خلق الحياة البشرية.
+ الإنسان ليس هو مالك لحياته بل بالحري مدبر لحياته. هذا يعني أن حياة الإنسان ليست عشوائية بل الإنسان مسئول عن تدبير حياته.
+ الإنسان مكوَّن من نفس وجسد ولا يمكن الأثنان أن ينفصلا. فحياة الإنسان هي حياة واحدة لها بُعدين، بُعد نفسي وبُعد جسدي، أي روحي ومادي.
+  صحة الإنسان الروحية تقود للصحة الجسدية والصحة الروحية تفترض علاقة صحيحة وحية مع الخالق ومع الأخوة في الإنسانية ومع البيئة المحيطة. الحياة البشرية لها قيمة، وتستمد قيمتها من خالقها. وهذه الحياة هي مقدسة منذ الحمل حتى الموت. والملمح المقدس للحياة البشرية يعني الكرامة البشرية والتي يجب أن نقف أمامها بكل تقدير واحترام.
الإنسان ليس هو مسئول فقط عن حياته لكن أيضًا عن حياة الآخرين.  لذلك الإنسان ـ بالنسبة لسر الحياة ـ لا يمكن أن يأخذ دور الله وينتزع حياته بنفسه أو حياة الآخرين. نحن نحتاج إلى الانضباط والوقار والتواضع أمام المنظومة البشرية الحية.
الحياة البيولوجية في ذاتها ليست لها قيمة. فالإبقاء على الحياة ليس هو هدف في حد ذاته. فالإنسان ليس مثل الحيوان. هناك بُعد روحي ـ كما سبق أن أوضحنا ـ مَنْ يحيا حياة تليق به كمخلوق إلهي لا يخاف الموت الجسدي، وفي نفس الوقت لا يسعى إليه لكي يتخلص من حياته لأنه يستمتع بهذه الحياة في بُعدها الروحي والجسدي معاً إلى أن يجتاز الموت الجسدي بشكل طبيعي لأنه طريق الأرض كلها.
  أما إصابة الإنسان بمرض الاكتئاب أياً كانت الأسباب حتى لو هو مسئول عنها بشكل ما، لأن الرجاء الثابت في عناية الله لنا يدعم حياتنا من القلق والاضطراب، يؤدي إلى استعجال الموت واستحضاره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
      السؤال الذي دائما ننشغل به هو: لماذا لا تصلي الكنيسة على المنتحر؟ الإجابة: هذا إجراء كنسي من خلاله تعطي الكنيسة رسالة للبشر أن لا يسعى أحد لإنهاء حياته التي هي عطية من الله يجب صونها والحفاظ عليها. على الجانب الآخر، هذا الإجراء يكرز برسالة الرجاء والتفاؤل بأنه مهما كانت الضغوط والمشاكل التي يمر بها الإنسان يجب أن نتمسك بالحياة أي بالرجاء لأننا نستطيع بالمعونة الإلهية أن نتخطى أي إحباط أو فشل في حياتنا. الكنيسة تنحاز للحياة وليس للموت، رسالتها رسالة حياة. بالتالي هذ الإجراء هو تربوي أكثر منه حكم إدانة للإنسان المنتحر: " مَنْ أنت يا مَنْ تدين عبد غيرك هو لمولاه ....". والكنيسة لا تنفذ هذا الإجراء بطريقة انتقامية بدليل أنه لو كانت هناك فرصة للإنسان المنتحر بعد إجراء عملية انتحاره تفترض الكنيسة بدافع محبتها أنه ربما قد تاب حتى لو كانت هذه الفرصة قصيرة وذلك حتى تجيز الصلاة لأجله. التوجه الكنيسي ليس به أي ملمح إقصائي أو انتقامي، لذا للأسف مشكلتنا نحن هي أننا لا نرى  أمومة الكنيسة لنا ونتعامل معها مرات كثيرة على أنها مجرد مؤسسة عقابية في يد الله.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

 فيلم "الحرب العالمية الثالثة" والرسالة الفنية


 فيلم "الحرب العالمية الثالثة" والرسالة الفنية

                                                               د. جورج عوض
   بشهادة الناقدة الكبيرة ماجدة خير الله ، حقق فيلم " الحرب العالمية الثالثة " أعلى إيرادات افلام عيد الفطر 2014م، وشهدت دور السينما التي تعرضه ازدحاما منقطع النظير. الفيلم يلعب بطولته الثلاثي احمد فهمى، شيكو، هشام ماجد، وأخرجه أحمد الجندي، فكرة الفيلم مأخوذة من الفيلم الأمريكي “ليله فى المتحف” الذى لعب بطولته” بن ستيلر” وقدم منه جزئيين. فكرة الفيلم الاصلي هي إن متحف للشمع في أمريكا يضم تماثيل لبعض الشخصيات السياسية الفنية والادبية، بالإضافة لنماذج هياكل حيوانات منقرضة مثل الديناصور، يكتشف حارسه ”بن ستيلر”  بأن الحياه فجأة تدب في التماثيل عندما تدق الساعة الثانية عشر مساءا ، منتصف الليل، وتبدأ الشخصيات في الصراع والشجار، ويتورط الحارس في هذا الصراع، ولا ينقذه إلا دقات الساعة التي تعلن موعد افتتاح المتحف للجمهور!
 أما فيلم "الحرب العالمية الثالثة" الذي شارك في كتابته وبطولته كل من احمد فهمى وشيكو، وهشام ماجد مع كاتبي السيناريو مصطفى صقر، ومحمد عز، يطغي عليه روح الفكاهة المصرية، اما شخصيات المتحف فأغلبها شخصيات تاريخيه من ازمنه مختلفة: محمد على باشا، احمد عرابي، توت عنخ أمون، أم كلثوم، ابو الهول، رأفت الهجان، صلاح الدين الايوبى ”عمرو يوسف”، والمهاتما غاندي الزعيم الهندي  بالإضافة لشخصيه قادمه من حواديت ألف ليله وهى علاء الدين والمصباح السحري ”هشام ماجد”، والجن خادم المصباح، وبالإضافة لهؤلاء هناك شخصيات  مثل المطرب الامريكي ذائع الصيت ألفيس بريسلي ”نجم الخمسينيات”، والمغنى الاسمر مايكل جاكسون” التسعينيات” بالإضافة لمارلين مونرو!
              تشعر أن الفيلم ليس له أي هدف إلا الإضحاك، وهذا الهدف في حد ذاته مشروع، إنها الكوميديا.   لكن الكوميديا حين تأتي عارية من البناء الدرامي تتحول إلى عدد من الاسكتشات الضاحكة والإفيهات  التي تُقال على المصاطب والمقاهي والشوارع، لدرجة أنهم وضعوا يوتيوب موضوع منذ زمن على شبكة الإنترنت للكابتن أحمد شوبير لحظة انفعاله أثناء مذبحة بور سعيد ، كل هذا خارج سياق درامي محكم. الأمر الأخطر هو أن الشخصيات التاريخية المحترمة قد طالها القبح والسخرية كل ذلك لمجرد الضحك، على سبيل المثال: تقديم صورة مشوهة للزعيم العظيم غاندي لمجرد الاستخفاف والضحك وكذلك محمد علي وأحمد عرابي وأم كلثوم التي أرادوا استبدالها بأي مغني لأن لا أحد يريد الاستماع إليها بحسب وجهة نظرهم، ناهيك عن أجدادنا الفراعنة التي تم الإطاحة بهم بموجة من السخرية واستخدام التعويذات السحرية للانتصار على أشرار التاريخ في حرب وُصفت بأنها عالمية. صحيح أن الفيلم ليس به الكوكتيل المعروف في أفلام آل السُبكي مثل الرقص والعُري والبلطجة وسفك الدماء ، إلا أن به الإسفاف الغنائي والإدمان وتعاطي الحشيش والبانجو من جانب شخصيات عظيمة مثل غاندي الذي لا تفارق الشيشة فمه والمناظر السخيفة.
        إن فكرة الفيلم عظيمة وتفجر المواقف الكوميدية الكثيرة لكن لم يتم استغلالها- كما تقول الناقدة ماجدة خير الله- بشكل جيد بل على النقيض تم تدمير شخصيات تاريخية عظيمة أظن أنها ما عاد لها أن تؤثر على شبابنا الصاعد بعد هذا القبح الذي طالها. وهنا نتذكر شخصية اللمبي التي دمرت اللغة والنطق الصحيح للكلمات ومدى تأثيرها إلى الآن على النشء. مثل هذه الأفلام قامت بتدمير حاضرنا ثم جاء فيلم الحرب العالمية الثالثة ليدمر ماضينا وماضي الانسانية في أذهاننا لأن الصور المشوهة سوف تنطبع في الأذهان ليتم تخزينها في اللاوعي لتلقي بظلالها على توجهاتنا وشخصياتنا. الرسالة الفنية يجب ان يكون لها أهداف تتسق مع المناخ الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمرحلة التاريخية التي نمر بها، إلا أننا نرى أن الفن يحلق بعيدا خارج سياق المرحلة التي نمر بها.
 أين الدقة وسرعة إنجاز الأعمال؟ أين قيم الأمانة والمثابرة والقدرة على التحمل؟ أين الأمل والحلم والتغيير؟ لا نريد أن تتحول الدراما إلى سلسلة من المواعظ والتعاليم الأخلاقية لكن نريد على الأقل أن تحتوي الدراما على رسالة واضحة محملة بالقيم والأخلاق وقبول الآخر وتنقية خطابنا من التعصب والتمييز. هل وجدنا هذه الرسالة على سبيل المثال في مسلسلات رمضان هذا العام الذي شهد نتائج ثورتين تنشدا التغيير للأفضل. المشكلة أن هناك فروق في السرعات والتفكير والآمال والطموح بين مانريده وما نفعله على أرض الواقع.
 نعم على نقابة الممثلين السعي لتأمين حياة أعضائها بمعاش محترم وغطاء صحي يكفي لعلاج المرضى من أعضائها لكن لم نسمع أن النقابة عقدت مؤتمر تستعرض فيه متطلبات المرحلة دون فرض أي قيود على الإبداع والحرية. مهمة النقابة ليست اجتماعية فقط بل هي أيضا مهمة تنويرية وثقافية. لماذا لا يُناقش موضوع كتابة السيناريو ليكون للمتخصصين فقط ولعمل درامي قد سبق ونُشر على يد روائي بدلا من الاستسهال ليكون المخرج هو في نفس الوقت المؤلف والسيناريست، وأصبح أيضا ممثل أو أكثر يقومون بدور المؤلف والسيناريست في نفس الوقت. من هنا تأتي مشكلة النصوص والبناء الدرامي. لست متخصص ولا من هواة الذهاب إلى السينما لكن الظروف قادتني لمشاهدة هذا الفيلم الذي أضحك تقريبا أغلب المشاهدين إلا أنني كنت حزين لأننا لم نرحم حتى رموزنا التاريخية الرائعة وسكبنا عليها قبحنا وهبلنا وعبطنا لمجرد ان نضحك. لقد دونت ما شعرت به بعد مشاهدتي لهذا الفيلم، وأهلا بالضحكة والابتسامة المغلفة بثوب من الجمال والروعة  اللذان للرسالة الفنية المملؤة بالتقدير والاحترام وليس بالتكلف والاسفاف.