الثلاثاء، 25 يناير 2011

الإنسان في عصر التكنولوجيا - رؤية مسيحية




الإنسان في عصر التكنولوجيا -  رؤية مسيحية
د. جورج عوض إبراهيم
يخبرنا الإعلان الكتابي في سفر التكوين أن الإنسان مخلوق بحسب صورة الله ومثاله (انظر تك27:1). وهذا يعني أن الإنسان هو مخلوق إلهي، أي هو منتج إلهي يتمتع بإمكانيات ليست موجودة في أي مخلوق آخر. والطلبة التي تصليها الكنيسة في صلاة الحميم تشير إلى هذه الإمكانيات، إذ يصلي الكاهن قائلاً: " يا الله العظيم الأبدي، الرب الضابط الكل، الذي من قِبَل كلمتك، ربنا يسوع المسيح، الكائن منذ البدء وإلى الأبد، خلقت العالم بحكمتك التي لا تستقصي، وكونت الإنسان مثل صورتك ومثالك. وملأته من رحمة صلاحك، وزينته بكل بهاء، وأعطيته روح حكمة وفهمًا عقليًا، وسلطته على كل شيء وتركته ليعمل كل النهار ويباركك".

هنا نجد عدة حقائق في غاية الأهمية، هي:1ـ إن الله خلق العالم والإنسان بحكمة بواسطة ربنا يسوع المسيح. 2ـ إن الله كوَّن الإنسان مثل صورته ومثاله.3ـ لقد ملأ الله الإنسان من رحمة صلاحه، وزينَّه بكل بهاء، وأعطاه روح حكمة وفهمًا عقليًا.4ـ أعطى الله الإنسان السيادة على كل شيء.5ـ تركه يعمل كل النهار.
6ـ ثم سمح له أن يشكره ويباركه.
لقد منح الله الإنسان أمرين في غاية الأهمية، الأولى: هي أن يكون ملك الخليقة: "وسلطته على كل شيء"، والثانية: هي أن يكون كاهن الخليقة: "ويباركك".

هكذا مُهمة الإنسان ليست هي أن يعيش داخل العالم قانعًا بالأشياء التي حوله كما هي، لكن أيضًا عليه أن يُشِّكل العالم ويطوره، ولا يكتفي بهذا فقط بل عليه أن يرى العالم كعطية من الله، لذا يقدم مرة أخرى هذه العطية الإلهية إلى الله العاطي كذبيحة شكر.
ومشكلة الإنسان في مجتمعنا المعاصر هو أنه نفذ الأمر الأول وهو العمل فأصبح يعمل ليس كل النهار بل وكل الليل، ونقصد أن الإنسان إنشغل كثيرًا بالعمل للدرجة التي فيها أهمل علاقته بالله وذبيحة الشكر التي يجب أن يقدمها إلى الله. وكذلك مشكلة الإنسان المعاصر هو سيطرة التكنولوجيا عليه لدرجة أنه أصبح كما لو كان عبدًا خاضعًا لها تمامًا ومسلوب الإرادة أمام سطوتها. والتكنولوجيا هنا ليس المقصود منها فقط الآلات والأجهزة وغيرها من المنجزات بل أيضًا التوجه الذهني الذي تفرزه التكنولوجيا تجاه مشكلات الحياة والفرد والمجتمع للدرجة التي فيها أصبح الإنسان المعاصر مجرد ألعوبه في يد هذه التكنولوجيات الجديدة والدائمة التغير.
إن إهمال الإنسان للأمر الثاني الهام وهو صلته بالله وعلاقته التي يسودها الشكر والعرفان للخالق أدى إلى تضاءل قدراته وإمكانياته على التحكم في نتائج أفعاله. هالحياة اليومية تمنعه من رؤية العالم رؤية صحيحة.

هكذا تراجع الإنسان المعاصر وتقلص دوره ومسئوليته تجاه المجتمع وتضاءلت حريته وصار عبدًا أمام سطوة التكنولوجيا. إن مشكلتنا الحقيقية هي البحث عن معنى الحياة وفك القيود التي تكبل إنطلاقنا الحُر لتحقيق ذواتنا. فالتحديات التي تواجهنا في الحياة اليومية تمنعنا
من رؤية العالم رؤية صحيحة.
لقد إختلت المبادئ والقيم بفعل التغيرات التكنولوجية، لذا يجد الإنسان المعاصر نفسه في مفترق الطرق. إذن الحل الجذري لمشكلة إنسان التكنولوجيا أن يبقى في حالة إتزان بين صلته بالله وإدراك هدفه الأساسي في الكون وعمله الذي يعكس قدراته وإمكانياته التي مُنحت له من قِبَل الله.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق