السبت، 25 أكتوبر 2014

أعضاء الكنيسة الأحياء والمرضي


أعضاء الكنيسة الأحياء والمرضي


عظات للمعمدين الجدد


العظة السابعة


الأب ايروثيوس فلاخوس – ترجمة د. جورج عوض

1ـ الإبن الأكبر

2ـ أعضاء معافية ومريضة

3ـ ملامح المسيحية الحقيقية

   الأب في المثل الذي درسناه له أبنين, الأصغر والأكبر. الأصغر ذهب بعيدًا عن البيت ورجع تائبًا, بينما الأكبر ظَّل في البيت, وحفظ واجباته النمطية, لكن في النهاية إبتعد, لأنه عُثِر من محبته أبيه تجاه الإبن الأصغر العائد.

   حين رجع  أخية الأصغر, غضب الإبن الأكبر ولم يرد أن يدخل : "وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصًا. فَدَعَا وَاحِدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ، لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِمًا. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. فَأَجَابَ وَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي، ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ! فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالُا فَوُجِدَ»" (لو25:15ـ32).

   تشخيص الإبن الأكبر هو واضح لأولئك الذين يبقون نمطيًا في الكنيسة. الذي يحلل الحالة النفسية للإبن الأكبر يلاحظ أن لديه أحساس بأنه يحفظ وصايا أبيه ، هو في الواقع واحد قانوني. وبالطبع لم يكن يحفظ الناموس بطريقة صحيحة, لأن حفظ الناموس بدون المحبة لا يصنع إبن حقيقي لله. ثم شعر أنه له الحق للبقاء في بيت أبيه. لديه مطالب تأتي من حفظه الأمين لوصاياه. أيضًا ليس لديه محبة, وشوق ورحمة. هو عديم الإحساس برجوع أخيه المعذب. وغياب المحبة هذه عبَّر عنها بهجوم شديد. ليس هو أخي, بل "هذا الإبن" هو ضال, "الذي أكل معشيته مع الزواني". بالتالي, الساعة التي أظهر فيها الإبن الأصغر توبة وفرح بالإحتفال في البيت, أظهر الإبن الأكبر مرضه الروحي وظَّل خارج البيت.

   يوجد في الكنيسة أعضاء معافية صحيحة وأعضاء مريضة، بالحري أود أن نري مرض أعضاء الكنيسة الروحي.

   بسر المعمودية والمسحة نصير أعضاء الكنيسة, أعضاء جسد المسيح. يسبق المعمودية فترة نسكية التي هي فترة الوعظ ويتبعها حياة نسكية الذي هو حفظ وصايا المسيح. المعمودية قي الواقع هي بداية الحياة الجديدة في المسيح, ليست هي النهاية. قال المسيح لتلاميذه: " فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (مت19:28ـ20). كان يجب علي التلاميذ أن يصنعوا أمرين الأول أن يعمدوا الناس وثم بعد ذلك يعلموهم أن يحفظوا وصايا المسيح. بالتالي, لا يكفي المعمودية, بل أيضًا حفظ وصايا المسيح.

   لكي يحصل أحد علي خلاصة يجب أن يكون مُعمَّد وعنده يقين الإيمان كما يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد. هذا يعني أنه يجب أن يُعمَّد, لأن: " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر16:16), وبعد ذلك يجب أن يحيا وفق رسالة المسيحي الأرثوذكسي. هذا نراه في كل منظومة بشرية. لا ينبغي ببساطة أن يُسجَّل أحد في نقابة أو جماعة, بل يجب أن يحفظ كل الواجبات التي تخص أعضاء هذه المنظومة.

   بالتأكيد, نعمة المعمودية لا تُفقد إطلاقًا, بل تظَّل داخل قلب الإنسان. لكن, كما يُعَلِم الآباء القديسون, بالخطايا الذي يرتكبها الإنسان, نغطي هذه النعمة  بالشهوات. هكذا, في هذه الحالة النعمة ممكنة لعضو الكنيسة وليست في حالة تفعيل. أي لديه إمكانية أن يصل إلي حياة الشركة مع الله لكن هو ذاته بإختيارة الحر لا يفعَّل هذة الامكانية . إنه يشبه ماكينة لديها إمكانية أن تنتج عمل لكن لم تتصل بالطاقة الكهربائية. يشبه تلفزيون مغلق, بينما لديه كل الإمكانيات أن يعمل ويُظهِر صورة.

   بهذه الأهمية في الكتاب المقدس ونصوص الآباء القديسين يصير حديث عن أعضاء مريضة وأعضاء ميته في الكنيسة . فالكنيسة هي حياة طالما هي جسد المسيح الذي هو نور وحياة للبشر. مَنْ لا يحيا حقًا في الكنيسة ليست له حياة وبالتالي هو ميت. لديه بالطبع حياة بيولوجية لكن ليس لديه نعمة الله فيه.

   سوف نري كيف أن عضو في الكنيسة يشبه الإبن الأكبر في مثل الإبن الضال ولكي نراه من الأفضل ان نعرف كيف يكون المرء عضو حي في الكنيسة.

   عضو الكنيسة الحقيقي والمسيحي الحقيقي هو ذاك الذي تتوفر له الملامح الآتية:

   أولاً: يظل في الكنيسة طالما لا يأتي إليها بإلحاد وهرطقة  ولا يشارك في إجتماعات الهراطقة هذا يعني إنه يقبل قبولاً مطلقًا الإيمان الذي يعترف بقانون الإيمان, يشترك في أسرار الكنيسة, يتقدس منها ويمارس في حياته الشخصية وصايا الله. يشعر بأنه يظل في الكنيسة لكي يخلُّص وليس لكي يُخلصَّها, لأن الكنيسة لا تحتاج للخلاص.

ثانيًا: يشعر بأنه إبن لله, أي له أب, ليس هو يتيم. أبيه العظيم هو الله. لكن أيضًا الإكليريكيون هم آباء, طالما هم في مثال ومكان حضور المسيح. بالتالي, عضو الكنيسة الحقيقي يُطيع الأساقفة, والإكليروس, ولديه حياته الروحية. وبالتأكيد, يقبل تعليم الآباء القديسين ويحاول أن يتمثل بحياتهم, أي ممارستهم وشهادتهم.

ثالثًا: يشعر أنه ينتمي للعائلة وبالتالي لديه إخوة روحيين ليس هو بمفرده في الكنيسة. هذا يعني أولاً أنه يحب إخوته. لا يحكم عليهم أو يدينهم بأخطائهم حتى لو إرتكبوها. يجب أن يكون صبور ومحتمل لضعفاتهم. ثم يعلن محبته بطرق متنوعة. يتقاسم الألم معهم وكذلك الفرح. فرح الآخرين هو فرحه, وحزنهم هو حزنه, المحبة شركة محبة, الإيمان وحدة الإيمان. الكل يجب أن يشعر بأنه مشترك ، يجب أن يشعر بأن الكنيسة هي العائلة, كما بالضبط شعر المسيحيون الأوائل, بحسب وصف سفر الأعمال (أع41:2ـ47). لو حاول أن يحفظ ناموس الله, وليست لديه محبة, لن يكون مسيحي حقيقي, إنه عضو مريض للكنيسة.

رابعًا: في حالة الخطية يتبع تربية شفائية. الإنسان هو متغير هذا يعني أنه يتغير, يتعرض للجرح في أثناء حياته. بالتالي هو يكون لكي يخطئ. الكتاب المقدس يقول: "مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ! إِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ مَحْدُودَةً، وَعَدَدُ أَشْهُرِهِ عِنْدَكَ، وَقَدْ عَيَّنْتَ أَجَلَهُ فَلاَ يَتَجَاوَزُهُ" (ايوب4:14ـ5). يوحنا الإنجيلي أيضًا يقول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو8:1).

الخطايا ليست ذنوب ورفض بسيط للناموس, بل بالحري قبل كل شيء هي جروح وأمراض الإنسان الخاطئ هو مريض روحيًا. بالتالي, لمواجهة الخطية يجب أن يُوضَّع في إطار شفائي وطبي. الكاهن هو طبيب يمارس وظيفته في إسم الطبيب الأعظم, الذي هو المسيح. هو يطهر ويغسل الجروح, يعمل تدخلات جراحية, لو الأمر يستدعي ذلك, وعامةً يشفي الجروح في هذا الإطار, يجب أن نري التوبة والإعتراف ووصايا الأب الروحي, والتي تُدعَّي التأنيبات أو التوبيخات. يجب أن نتوب, أي نشعر بالخطأ والمرض, أن نريد الشفاء, أن نلجأ إلي المعالج (الشافي) لكي نعترف بمرضنا, لكي نكشف كل المخفيات والمراحل الخفية للمرض وبعد ذلك نتبع الإشارات الشفائية للطبيب الروحي بشجاعة وغيرة حسنة. الكنيسة لديها سر التوبة والإعتراف.

عندما يخطئ أحد, في الكنيسة الأولي, عندما يمرض مرضًا خطيرًا ينضم مرة أخري لصف الموعوظين. لأجل هذا النجسين يُحسبوا من فئة الموعوظين والممسوسين والخطاة التائبين. كل هؤلاء يتبعون تربية شفائية مناسبة. بالتأكيد, المسيحيون الذين أخطأوا والتائبون الذين بالفعل قد تعمدوا, لا يتعمدوا مرة أخري, من جديد, بل كان يجب أن يمروا في مرحلة التوبة ويشعروا في قلوبهم بأن نعمة الله تعمل ثانيةً.

عندما يهجر المسيحي المعمد الكنيسة ويسقط في هرطقات, عندئذٍ كان يجب عليه أن يمر في إجراء معين لكي ينضم ثانيةً للكنيسة. الحاجة إلي التوبة, تسجيل إقرار فيه يستنكر هذه الهرطقة التي وقع فيها, والمسحة.

 بالتالي ندرك من كل هذا أنه لا يكفي فقط المعمودية, بل الحاجة أن يحيا المرء وفق وصايا الله لكي يكون عضو حقيقي للكنيسة. ولو مَرَضَ وهذا أمر وارد, عندئذٍ يوجد منهج خاص لكي يجد مرة أخري مسيحيته معافية.

أسئلة وأجوابة

1ـ مَنْ الذي يُوصف بأنه ناموسي؟

   الذي يحفظ خارجيًا الناموس وأيضًا بدون أن تكون لديه محبة.

2ـ هل يكفي فقط المعمودية للخلاص؟

الحاجة أيضًا إلي حياة الفضيلة والنسك بعد المعمودية. المعمدون والمؤمنون إيمانًا ثابتًا يخلصُون. الحاجة إلي معمودية وحفظ الوصايا: "عمدوهم وعلموهم حفظ الوصايا", هكذا قال المسيح.

3ـ هل تُفقد النعمة التي نالها المرء بعد المعمودية عندما يرتكب خطية؟

   لا تُفقَّد بل تتغطي بالشهوات.

4ـ ما هو مفهوم تعبيرات مثل "إمكانية" و "تفعيل" لعضو الكنيسة؟

   الإمكانية «δυνὰμει» تعلن الذين تعمدوا ولديهم إمكانية أن يصلوا إلي الاتحاد بالله . التفعيل «ενεργεία» تعلن الذين فعَّلوا بحريتهم هذه الإمكانية .

5ـ ما هي صفات أعضاء الكنيسة الحية؟

   يظلون في الكنيسة, أي لا يشتركون في إجتماعات هرطوقية, يشعرون أن لهم أب, الله وآباء من الإكليروس, ويشعرون أن لهم أخوة يُظهرون لهم محبة وعندما يخطئوا يرجعون بالتوبة.

6ـ هل الخطية هي مرض. ماذا نفعل لكي نُشفي؟

   نشعر بالمرض, نريد الشفاء, نلجأ إلي المشفي الروحي ونقبل الأدوية ووصاياه.

7ـ كيف يشفون المرضي روحيًا في الكنيسة الأولي؟

   يُحسبوا من ضمن صف الموعوظين حيث يقبلوا التربية الشفائية بدون أن يتعمدوا من جديد. التوبة تعتبر مثل المعمودية التي تُدعَّي معمودية ثانية, معمودية التوبة.

الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

الحياة النسكية


الحياة النسكية


العظة السادسة


الأب ايروثيوس فلاخوس– ترجمة د. جورج عوض عن موقع الدياكونية الرسولية - موقع خاص بالكنيسة اليونانية ΑΠΟΣΤΟΛΙΚΗ ΔΙΑΚΟΝΙΑ

1ـ العقل الضال

2ـ نتائج إبتعاد العقل عن القلب

3ـ جوهر الخطية

4ـ التوبة الحقيقية

   إن مثل الإبن الضال الذي درسناه, فيما عدا الدراسة اللاهوتية, الجانب الأنثروبولوجي والإكليسولوجي لديه أيضًا التعليم النُسكي ، فالقديس غريغوريوس بالأماس وهو يحلل المثل يقول إن الضال هو عقل الإنسان الذي إبتعد عن الله ولكي نُعبر أفضل, يقول إن ثروة الإنسان التي أخذها من أبيه وبذرها بعيش مسرف, هي العقل نفس الإنسان لديها ذهن (عقل), ونُطق وروح (فكر) بحسب النموذج الأصلي للثالوث القدوس. العقل في حالتة الطبيعية هو مستنير ويقود (يوجه) القول أو النطق أو المنطق. هكذا, الإنسان الضال هو ذاك الذي عقله ينصرف في أمور أخري, ليس لديه تذكر الله.

   عندما يتبع الإنسان طرق الخلاص, عندئذٍ العقل يبقي في ذاته وفي العقل الأول الذي هو الله. لكن عندما نفتح الباب للشهوات, عندئذٍ العقل الذي هو قوة تلك النفس التي يمكن أن تُوصف الملاحظ الدقيق, تتشتت للأمور الجسدية والأرضية, للذات والأفكار الشهوانية. التعقل الذي يميز الصالح عن الشرير, هو غني العقل. كلما يحفظ العقل وصايا الله ويبقي في الله, علي قدر ما التعقل يعمل طبيعيًا, يميز الخير عن الشر ويفضل الأول عن الثاني. لكن عندما يجمح أو يشرد العقل, عندئذٍ أيضًا التعقل يتشتت إلي الزنا وعدم التعقل.

   إذن, العقل هو قوة النفس المركزية الذي يوجهها وفي النهاية يوجه كل الإنسان. إنه يحفظ الرغبة محدقة تجاه الله. لكن عندما يكون العقل خامل عندئذٍ قوة النفس التي تُوجه تجاه المحبة, تسقط من الله وتتشتت في أمور أخري, وحينذاك تنمو شهوات حُب اللذة والثرثرة وحُب المجد الباطل. العقل في حالتة الطبيعية يوجه الغضب  ضد الشيطان. لكن عندما يتشتت العقل ويجمد , عندئذٍ الغضب يلتق ضد أناس آخرين ويحارب ضدهم. بالتالي, الإنسان يصير ضال وعقله يتشيطن ويتوحش.

   هذا يعني أن عقل الإنسان هو الذي يتعرض أولاً للتأثر فيما يتعلق بالخطية. بواسطة الأفكار والأمور الحسية والخيالات التجربة تدخل في الإنسان بهدف فريد أن تحتل عقله, إنتابه الرقيق الذي هو مركز شخصية الإنسان . علي سبيل المثال, يأتي فكر ما, لكي يصير شخص ما غني أن يسرق ويظلم الآخرين جمال الغني وكل ما يصاحبة يأتي كصور في النفس, بهدف أن يُحتَّل العقل. لو صار أسيرًا, عندئذٍ تصير الشهوة, ثم الإفتراق وفي النهاية تكرار العمل يصير شهوة ورغبة, هكذا, الإنسان يصير كله أسير للشيطان, مثلما بالضبط الضال صار أسير عند أهل تلك القرية البعيدة.

بالتالي, حرية الإنسان هي في الواقع داخلية. يمكن المرء أن يكون حُر خارجيًا, يسكن في أوطان حُرَة, يحيا مأسويًا في حياته. علي النقيض مع الحرية الوجودية يمكن أن يظل المرء في طغيانات غير حُرة وتشعر أنه حُر. الشهداء في فترة الأضطهادات كان يملكون الحرية الداخلية, بينما كثيرون من المسيحين المعاصرين الذينلديهم حُريات خارجية, لا يحفظون إرادة اللهوهم عبيد. يُقال في المثل: "فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ" (لو15:15ـ16).

أهل تلك القرية التي تُوجد بعيدًا عن البيت, هم الشياطين . في الكنيسة الأرثوذكسية نقول إن الشياطين هي أرواح شريرة يكرهون بشكل بالغ الإنسان ويصنعوا كل شيء لكي يبعدوه عن الله. الشياطين في البداية كانوا ملائكة يمجدون الله , بل من كبريائهم قد سقطوا وصاروا شياطين . هؤلاء وَلدِوا بمفردهم الشر ويريدوا أن يقودوا الإنسان إلي العصيان .

الحياة الخنزيرية هي كل شهوة, بسبب شدة الدنس . الخنازير هي أولئك البشر الذين يهرولون تجاه الشهوات. الشهوة هي الحركة بخلاف الطبيعة ووظيفة قدرات النفس. الشهوات الثلاث الأساسية هي محبة المجد والثرثرة ومحبة اللذة. مركز الشهوات الثلاث هي حُب الذات التي هي محبة الجسد الغير معقولة, أي عندما يحب المرء جسده منفصلاً عن النفس ويريد أن يُرضية جسديًا. من هذه الشهوات تنبت وتنبثق أيضًا الشهوات الأخري, والتي تعذب الإنسان. تقول الكنيسة الأرثوذكسية إن الشهوات هي أفعال نفس الإنسان التي هي بخلاف الطبيعة. أي توجد محبة في الأنسان لكي يلتف تجاه الله ويرغب فيه. لكن عندما هذه المحبة, بدلاً من أن تلتف تجاه الله, تلتف بشوق تجاه المخلوقات, عندئذٍ نتحدث عن شهوة النفس.

الإنسان الضال لا يستطيع أن يشبع من الخروب الذي كانت تأكله الخنازير, أي ليس من الممكن أن يُرضي تمامًا الشهوة. دائمًا يظل صائمًا (جائعًا) كلما يكتسب المرء ثروة كبيرة علي قدر  أيضًا ما يزداد الحرمان, لكن أيضًا الشهوة لكي يكتسب الأكثر. عندئذٍ الإنسان يريد, لو هو قادر, أن يكتسب كل العالم. لكن لأن واحد هو العالم, بينما محبي الأموال هم كثيرون, لأجل هذا لا يستطيع أبدًا أن يشبع.

بالتالي, عندما يكون العقل أسير لفكر أو خيال, ينجذب إلي الشهوة والعاطفة تبتعد عن الله وهكذا كل الإنسان يصير في الأسر ويصبح مريض بنتائج مرعبة لذاته وللمجتمع . هذه هي مأساة الخطية. وبالطبع, كما قلنا سابقًا, هذا ينطلق من العقل الذي وقع في الأسر.

هكذا يدرك جيدًا ما هي الخطية بالضبط؟ نحن قد ربطنا الخطية ببعض الحوادث خارجيًا والأعمال الخارجية. بلا شك هذه الأشياء خطية, لكن نستطيع أن نقول إن هذه الأعمال (السرقة, الأكاذيب, الغضب,...الخ) هي نتيجة وثمرة ظُلمة العقل ووقوعة في الأسر. الخطية هي إظلام العقل وبعد ذلك حركة قدرات النفس تكون بخلاف الطبيعة وإبتعاد الإنسان عن الله, عن بيته الحقيقي. في هذه الحالة أيًا ما فعل الإنسان هو إنسان خاطئ. القديس غريغوريوس بالاماس يصل إلي الحد أن يقول, عندما لا يكون عند الإنسان نعمة الله فيه, عندئذٍ مهما يفعله هو خاطئ والمسيح ذكر في مثل له علاقة بهذا الأمر,  أن الخمس عذاري الجاهلات, بينما مارسوا البتولية والإمساك (الإنضباط), لأنه كان ليس لديهن زيت في مصابيحهن, أي لم يكن لديهن في داخلهم نعمة الله ـ الأمر الذي يبدو من وجود الصلاة الذهنية ـ لم يدخلن إلي ملكوت الله.

لأجل هذا أيضًا النسك يتآلف في كيف نحتفظ بالعقل طاهرًا, كيف من الظلمة سوف يستنار العقل ويكون لديه بلا إنقطاع تذكر الله . النسك الأرثوذكسي لا يُستنزف في بعض الأعمال الخارجية, بل في تطهير القلب وإستنارة العقل . لأنه, عندما يكون العقل متوجه توجهيًا صحيحًا, عندئذٍ كل منظومة الإنسان تعمل قانونيًا.

لو أن الخطية هي إظلام العقل, والإبتعاد عن الله, فالتوبة هي أن يكون العقل مستنير ويتطلع إلي الله . يبدو في مثل الإبن الضال بوضوح ما هي التوبة. مكتوب بوضوح: " فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ" (لو17:15ـ20).

نستطيع في هذا النص أن نري بعض ملامح التوبة الحقيقية.

أولاً: أتي إلي نفسه أو رجع إلي نفسه. هذا يُظهِر أن العقل يرجع إلي القلب من الضلال علي قدر الوقت الذي يموت فيه من الرجوع, يُوجد العقل خارج, مشتت بواسطة الحواس في العالم. تأتي لحظة ما حيث تصير يقظة للإنسان ويدرك حالته المرعبة.

ثانيًا: فضيلة اللوم الذاتي تنمو بشدة. يحكم علي ذاته,ويعتبرها غير مستحق أن يكون إبن الله. لا يلقي المسئولية علي أي أحد آخر,لا يعتبر الآخرين كسبب لإبتعاده عن بيت أبيه. يعتبر أنه غير مستحق أن يكون إبن لأبيه. يعتبر أنه عظيم أن يكون أجير.

ثالثًا: هذه اليقظة واللوم الذاتي ليسا من أعمال بشرية بل ساعة نعمة من الله. بواسطة النعمة الإلهية ويقارن الحالة المرعبة التي يوجد فيها بيت أبيه. حقًا, الله بمحبته للبشر, يعلن بعض المرات, بعض من إشاعات مجده, حتى أن الإنسان يُدرك حالته المرعبة. لا يستطيع المرء أن يدرك حالته لو لم يُلهَّم من نعمة الله. التوبة هي إلهام إلهي.

رابعًا: لا يُكتفي الرغبات الحسنة, بل يفعل الجزء العاطفي لنفسه لا يستطيع المرء أن يرجع إلي الله لو أن الجزء العاطفي θυμικό لم يتعاون في العمل. لأجل هذا يُقال أن الضال مباشرةً بعد أفكاره التي تأملها "قام وذهب إلي أبيه".

خامسًا: نهاية الرجوع هي الدخول إلي البيت ومشاركته في الإحتفال الذي يصير هناك, كذلك أيضًا مشاركته في العشاء الإفخارستي, في الليتورجيا الإلهية وفي أكل وشرب جسد المسيح ودمه. هكذا ندرك أن غفران الخطايا, كما توحي لنا الكلمة في حد ذاتها (συγ - χὼπηση) هي المشاركة في المسيرة وفي الشركة في الكنيسة. بالأسر وإظلام العقل نبتعد عن الكنيسة وبالحرية وإستنارة العقل نأتي مرة أخري إلي الكنيسة.

ما قلناه في هذه العظة يُظهِر أن الخطية هي إبتعاد العقل والإنسان عن الله, إظلام العقل, والتوبة هي رجوع العقل والإنسان إلي الله, الذي يصير بواسطة إستنارة العقل. هذا لديه أهمية عُظمي, لأننا ندرك جيدًا لماذا تُدعَّي المعمودية المقدسة إستنارةالعقل يستنار, وكل قدرات النفس, الإرادية والمنطقية والعاطفية تتقدس ويُنعم عليها وهكذا يتقدس كل الإنسان.

أسئلة وأجوابة

1ـ يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن الضال هو عقل الإنسان الذي يبتعد عن الله والقلب. كيف تدرك هذا الأمر؟

   الحياة الطبيعية للعقل هي أن يُوجد في الله والقلب. عندما ينشغل بالمخلوقات بواسطة الحواس, عندما يبتعد عن الله, عندئذٍ هو ضال.

2ـ ما هي الثلاث قدرات التي للنفس؟

   العقل والنطق (المنطق) والفكر.

3ـ ما هو العقل؟

   الإنتباه الرقيق, عين النفس, مركز وجود الإنسان.

4ـ ما هي حركة العقل بحسب الطبيعة وما هي حركته بخلاف الطبيعة؟

   بحسب الطبيعة وفوق الطبيعة, حركة العقل هيعندما يلتف تجاه الله وتحتفظ بإتجاه هذا كل القدرات النفس. بخلاف الطبيعة عندما يبتعد عن الله وبغير إتجاه كل قدرات النفس.

5ـ ما هي الخطية؟

   إظلام العقل, والإبتعاد عن الله, أو حركة قدرات النفس بخلاف الطبيعة.

6ـ ما هي مسيرة الخطية؟

   إقتراح ـ أفكار, إرتباط, رغبة, عمل, شهوة.

7ـ ما هي الحرية الحقيقية؟

   الداخلية والوجودية والحرية من الشهواتع والموت.

8ـ ما هي الشياطين؟

   أرواح شريرة تكره الإنسان.

9ـ ما هي الشهوات؟

حركة أفعال النفس بخلاف الطبيعة. الشهوة هي عندما المحبة, بدلاً من أن تلتف تجاه الله, تلتف تجاه المخلوقات. نفس الأمر يحدث لكل قدرات النفس الأخري.

10ـ ما هي الشهوات الأساسية؟

   الأنانية والتي منها يُولد,محبة المجد, ومحبة المال, ومحبة اللذة.

11ـ ماذا نقصد عندما نتحدث عن النسك الأرثوذكسي؟ 

   حفظ وصايا المسيح بواسطتهما يتطهر القلب ونحصل علي إستنارة العقل.

12ـ ما هي التوبة؟

حركة قدرات النفس بحسب الطبيعة, الرجوع إلي الله, إستنارة العقل.

13ـ ما هي ملامح التوبة الحقيقية؟

   رجوع العقل إلي القلب, اللوم الذاتي, الإلهام للتغيير, تفعيل الجزء العاطفي للنفس أي المشاعر, الدخول إلي الكنيسة والإشتراك في العشاء الإفخارستي.  

الاثنين، 29 سبتمبر 2014

شركة القديسين

    

شركة القديسين

العظة الخامسة

المطران إيروثيوس فلاخوس – ترجمة د. جورج عوض
1ـ عبيد الله
2ـ رُسل المسيح
3ـ رجال الأكليروس
4ـ الكنيسة المنتصره (الأنبياء, الرُسل, القديسين)
       صدر أمر, بعد رجوع الابن الضال وإحتضانه من أبيه, بأن يلبسوه ويجهزوا إحتفال لكي يفرحوا ويحتفلوا برجوعه. في المثل يُقال أن الأب أعطي الأمر لعبيده: " فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ" (لو22:15). مَنْ هم هؤلاء العبيد الذين يتممون مشيئة الآب؟ بحسب آباء الكنيسة, طالما البيت هو الكنيسة, العبيد هم الإكليريكيون هؤلاء أخذوا أمرًا من الله أن يُلبسوا الإبن الضال الذي عاد إلى حضن ابيه.
       أخذ المسح إثني عشر رسل, قدسهم وأعطاهم الروح القدس وأرسلهم إلي كل العالم ليعمدوا ويكرزوا للناس. لقد قال لتلاميذه: "اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (لو16:10). هكذا, الرسل ليسوا هم ممثلون ونائبون عن المسيح, لكن سر حضور المسيح المحسوس بينهم. هذا يعني أن الإكليريكيين ليسوا مثل سفير دولة في دولة أخري, ليسوا مثل ممثلين لرئيس,بل بواسطة الرسل يعمل المسيح ذاته عندما يغفر الرسل, يغفر ويُصدِّق أيضًا الله.
       الأساقفة ينتمون إلي الإكليريكيين وكذلك الكهنة والشمامسة. الأساقفة هم الرأس المنظور لكنيسة محددة, في مكان رأس الكنيسة وكنموذج له. نقبل في شخص الأساقفة المسيح. يوجد تعاقب رسولي. أي, مثلما من لمبة نُشعل الثانية, والثالثة...الخ, وننقل النور إلي كل المكان, هكذا يحدث أيضًا بالتعاقب الرسولي. برسامة ومعايشة التقليد الأرثوذكسي تُنقل من جيل إلي جيل الرسل والبركة التي نالها أولئك من المسيح. إنقطاع التقليد الأرثوذكسي ينشئ الهراطقة. لأجل هذا, له أهمية عظمي أن ندقق مَنْ الذي نذكره من الأساقفة في ساعة الليتورجيا ؟ الأسقف الذي له شركة مع كنائس أرثوذكسية أخري, يعني أنه قانوني وأرثوذكسي, أما لو كان  ليس له, عندئذٍ يجب أن نُبعِده.
       الأساقفة يرسمون كهنة وشمامسة لخلاص البشر. إنهم قادة شعب الله الذين يخدمون الشعب لكي يصلوا إلي الفردوس, إلي أرض الموعد. مثلما موسي العظيم قد قاد ببركة الله الشعب إلي أرض الموعد, نفس الأمر يفعل أيضًا الأكليريكيون. يقودون الشعب  إلي الفردوس.
       لأجل هذا يتطلب التوقير والأحترم للإكليريكيين. لا نستطيع أن نقول أُحِب الكنيسة لكن لا أريد أن تكون لدي علاقة مع الإكليريكيين. هذا يمثل شيزوفرينا روحية. الإكليريكيون يعمدوننا, يمسحوننا, ويُطعموننا بسر الشركة الإلهية, نعترف عندهم ويتوجوننا وعامةً يعملون كل الأسرار. بالتأكيد, يجب أن نقول أن الإكليريكيين يعملون هذا العمل بنعمة وبركة الله وليس بقدراتهم الخاصة. أثناء تسبحة الشاروبيم يصلي الأسقف أو الكاهن للمسيح: "أنت هو المُقدِّم والمُقدَّم, العَاطي والمُعطَّي أيها المسيح...". يصلي الإكليريكيون للآب أن يقدس التقدمات الكريمة, يرسل الآب الروح القدس ويحول الخبز والخمر إلي جسد ودم المسيح وبواسطة الكاهن تُقدَّم هذة الاسرار إلي الشعب.
       أيضًا, الكنيسة هي شركة القديسين, مجمع الملائكة والبشر, السمائيين والأرضيين. هكذا, الكنيسة تٌميز إلي كنيسة مجاهدة وكنيسة منتصره ( المنظورة وغير المنظورة – المترجم ). ينتمي كل المعمدين والمؤمنين إلي المنتصره, أي كل الذين تعمدوا ويحفظون نعمة المعمودية المقدسة مشتعلة والقديسون ينتمون إلي المنتصره.
       لا يُسمِي الناس الطييبين بأنهم قديسيون بل أولئك الذين يشتركون في معاينة وقداسة عمل الله. الله بفعله الخلاَّق خَلق العالم, بعمله المُحَّي وفعله القيادي يقدسه. بالفعل الإحيائي والقيادي لا يخلص, أي لا يعني أن الذين خُلقوا سوف يخلصون. يخلصون الذين يشتركون في فعل الله الإلهي. ولكي يشتركون في هذا الفعل يجب أن يطهرون أولاً القلب من الشهوات, أي الحاجة إلي تهيئة وإستعداد.
       والدة الإله θεοτόκος تحتل مكانة مركزية في الكنيسة, التي أعطت جسدها للمسيح. تُدعَّي والدة الإله لأنها ولدت من الروح القدس الله بحسب الجسد, الأقنوم الثاني للثالوث القدوس. أي لم تَلِد إنسان صالح  وفيما بعد صار نبي عظيم نال نعمة الله وصار إبن الله. كلمة الله كان الله وقبل الحمل أيضًا وبعد الولادة من كلية القداسة. كُلية القداسة وصُفت بأنها دائمة البتولية كانت عذراء قبل الولادة وأثناء الولادة وظلَّت عذراء بعد الولادة. واحد هو الوسيط بين الله والإنسان وهذا هو المسيح. كُلية القداسة هي وسيطة بيننا وبين المسيح. نحن نحب كلية القداسة لسببين. الأول, لأننا نحب المسيح والثاني, لكي نصل إلي محبة المسيح. هكذا, محبتنا تجاه كُلية القداسة إما نتيجة أو هي طريق للمحبة تجاه المسيح.
       يوجد في الكنيسة المنتصره قديسون. وهؤلاء هم الأنبياء وأبرار العهد القديم والرسل والقديسون عبر كل الأزمنة. ثم بعد ذلك ينضم الشهداء الذين أعطوا شهادتهم ونالوا الشهادة لأجل المسيح, الذين تنسكوا في الأديرة والبرية من أجل المسيح, والمتزوجون الذين حفظوا إرادة المسيح في العائلة. يوجد قديسون من كل فئات الشعب الإجتماعية, من كل الأعمار, من كل الأمم ومن كل العصور. وهذا يُظهِر إنه لا نستطيع أن نتعلل بأن اليوم الخلاص والقداسة هي مستحيلة. الهدف الأعمق للإنسان هو أن يصير قديس.
عند هذا الحد نستطيع أن نشير إلي سيرة الحياة, حياة وتعليم بعض القديسين الذين لهم علاقة بالبلد التي أتي منها الموعوظ, بالعمر الذي فيه, بالوظيفة التي يمارسها. الشرح الموسع يجب أن يكون للقديس الذي أحب بالحري وسوف يأخذ إسمه ويُلقَّب بعد المعمودية. هذا هو الأهم, لأنه سوف يُظهر أن الخلاص هو ممكن في كل عصر.
أسئلة العظة الخامسة
1ـ هل الإكليركيين هم ممثلون عن المسيح؟
       لا, ليسوا ممثلين أو نواب, بل سر حضور المسيح الحسي, هم مثال ومكان للمسيح.
2ـ ما هي درجات الكهنوت؟
       ثلاثة, الأسقف والكاهن والشماس.
3ـ بماذا يتآلف التعاقب الرسولي؟
       يتآلف في إستمرارية نعمة الكهنوت من الرسل حتى اليوم وفي حفظ الحق.
4ـ ما هو عمل الإكليروس؟
       أن يشفوا الناس وأن يتمموا أسرار الكنيسة.
5ـ ما هي الكنيسة المجاهدة  والكنيسة المنتصرة؟
       الكنيسة المجاهدة تتكون من المسيحيين الذين يحيون ويجتهدون لكي يتحدوا بالمسيح والمنتصره تتكون من القديسيين الذين رقدوا ويحيون في ملكوت الله.
6ـ مَنْ هم الذين يُدعون قديسون؟
       الذين يشتركون في شركة فعل الله الذي يقدسهم ويجعلهم شركاء الطبيعة الالهية.
7ـ ما هي الألقاب التي أعطيت لأم المسيح في التقليد؟
       كثير من الألقاب, من بينها: والدة الإله, كلية القداسة, دائمة البتولية.
8ـ كيف تكون والدة الإله وسيطة؟
وسيط بين الله والبشر هو المسيح. والدة الإله هي وسيطة بيننا وبين المسيح.
9ـ لماذا نُحِب كلية الطهارة؟
لأننا نُحِب المسيح ولكي نصل إلي محبة المسيح.
10ـ إلي كم فئة ينقسم القديسون؟
       هم الأنبياء والرسل وكل القديسين الآخرين الذين ينقسموا إلي شهداء وشهداء قديسين, ومتزوجون يوجد قديسون من كل الأعمار, من كل الوظائف, من كل الأمم والعصور.
11ـ ما هي حياة وتعليم القديس الذي سوف تأخذ منه اسمه وسوف يكون مدافع عنك؟      

الأحد، 21 سبتمبر 2014

الكنيسة ودورها

عظات للمؤمنين حديثاً: العظة الرابعة

الكنيسة ودورها

المطران ايروثيوس فلاخوس – ترجمة د جورج عوض
1ـ الكنيسة هى الفردوس الجديد
2ـ خارج الكنيسة يوجد ضلال
3ـ الرجوع إلي الفردوس
4ـ الأسرار الثلاثة المحورية
5ـ الكنيسة هي الجسد الحقيقي للمسيح
لأن حياة الإنسان الحقيقية تُوجد بالقرب من الله, لأجل هذا كان يجب على الابن الضال أن يرجع إلي بيته. لقد قلنا حتى الآن إن البيت هو الفردوس وشركة البشر مع الله. بعد السقوط, هذه الشركة صارت في الكنيسة التي هي الفردوس الحقيقي. بالتالي الإنسان الساقط يجب أن يرجع ثانيةً إلي بيته, الذي هو الكنيسة. ثم بعد ذلك, سوف نري البُعد الإكليسيولوجي والإفخارستي لمَثَل الإبن الضال, كما حلله القديس يوحنا ذهبي الفم.
هذا التحليل هو للمسيحيين وللموعظين, وبالتحديد تجاه هؤلاء الذين يتهيئون لأن يتعمدوا, والمدعوين المستنيرين. لأجل هذا السبب لدي هذا التحليل محتوي إفخارستي. إنه من المعروف أن فترة الصوم الاربعينى تهيئ الكنيسة بتركيز الموعظين لكي يقبلوا المعمودية. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم أنه يجب أن نري محبة الله للإنسان خاصةً في هذه الفترة وللفائدة العامة ولأجل النجوم المستقبلية التي سوف تشرق من جرن المعمودية المقدس. المعمدون القادمون من جرن المعمودية يُدعوَّن نجوم لأنهم يُنيرون بواسطة نعمة الروح القدس. الشمس المنيرة هي الله والمعمدون يقبلون النور الذهني لشمس البر.
هناك حيث لا يُزرع قمح التعقل وكرمة الإنضباط يسود الفقر المدقع, والقحط الشديد. هذا لأن خارج البيت الروحي الذي هو الكنيسة يوجد جوع وحرمان روحي. مَنْ يشعر بهذه الحقيقة يقرر أن يرجع مرة أخري إلي بيته الذي هرب منه. الأب محب البشر ينتظره, والذي هو مستعد أن يظهر محبته ورأفته. ليست قضية تبادل تجاري, لكن إنسكاب المحبة للبشر. بالطبع, هذه المحبة والشركة تصير بأسرار الكنيسة. وكل الأوامر التي أصدرها الأب بعد رجوع إبنه تُظهر هذه الحقيقة: "فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ، وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ" (لو22:15ـ24). الحُلة التي أمر الأب أن يلبسوه إياها هي الحُلة الروحية التي صُنعت من نار الروح القدس. هذه الحُلة نُسجت في ماء المعمودية وتُظهِر أن الإنسان البعيد عن الله قد عُرَّي وفقد جماله. نعمة الله ألبسته وزينته بالمعمودية، يلبس المرء نعمة الله : "أنتم الذين إعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح". أيضًا بالمعمودية تتنقي صورة الله فى الانسان والتي أسودت وإظلمت بالسقوط.
الخاتم الذي لبسَّه في يده يُظهِر العربون الروحي وأنه يُلبَّس بواسطة الروح القدس. إنه مثال للتبني.إن كل أعداء الله يُخافون اللابس  لهذا الخاتم. الخاتم  يدل على الشركه مع الله, ويدل على ان لابسه هو إبن لله بحسب النعمة.
الحذاء الذي ألبسوه إياه في رجليه هو قوة الله, حتى لا يجد الشرير عقبه عاري ويضربه ثانيةً, فهذا المعمد يدوس علي التنين ويسحقه.
العجل المسمن هو المسيح ذاته الذي ذُبِحَ لأجل الجنس البشري, إنه "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو29:1). هذا يرمز للإفخارستيا حيث الإنسان يبتهج روحيًا ويحصل من جديد علي الحياة ، لأن خارج الكنيسة والإفخارستيا يُوجَد عالم السقوط والفساد.
بحسب نيقولا كاباسيلاس, ثلاثة هي الأسرار الأساسية التي تُكوَّن الحياة الروحية. الواحد هو المعمودية, الآخر هو المسحة والثالث هو الإفخارستيا. بالمعمودية يصير الإنسان روحيًا طالما جرن المعمودية هو الرحم الروحية للكنيسة. ومثلما في رحم الأم نحصل علي الحياة البيولوجية, هكذا أيضًا في رحم الكنيسة, الجرن المقدس, نحصل علي الحياة الروحية. المسحة هي الحركة التي تفعَّل النعمة التي نأخذها بواسطة المعمودية المقدسة. لا يحتاج فقط أن يُولَّد المرء بل أيضًا أن يحيا بعد الولادة. هذا يصير بواسطة المسحة المقدسة. والإفخارستيا هي الحياة, طالما نتناول جسد ودم المسيح.
إعتمدنا ومُسحنا حتى نستطيع كأعضاء الكنيسة أن نشترك في الأسرار المقدسة ونحيا. لأنه بعد المعمودية المقدسة يجب أن يتبعها الإفخارستيا والتناول أو الشركة الإلهية. الإفخارستيا هي مركز لكل الأسرار وكل الحياة الكنسية. إنها تُظهِر أن الكنيسة هي جسد المسيح. قال أحد الفلاسفة الماديين إن الإنسان هو ما يأكله. بهذا أراد أن يرفض الميتافيزيقية وكل نظرياتها ويشدد علي أن الحقيقة الوحيدة هي المادة. نستطيع أن نقبل هذا التعبير بمفهوم أنه عندما يأكل الإنسان فقط الغذاء المادي فهو إنسان جسدي ومادي.أما عندما يأكل الطعام الروحي, أى جسد إبن الإنسان فهو يصير إنسان روحي, أي ناضج وكامل.
القديس يوحنا ذهبي الفم وهو يحلل البعد الإفخارستي لمثل الإبن الضال, في النهاية يوجه نصائح للمعمدين وللمستنيرين الموجودين علي أعتاب المعمودية. ينصحهم أن يرفضوا أي فكر غريب ويوجهون نفوسهم تجاه العريس السماوي لكي يستمتعوا بنعمة الروح القدس, ويصف المسيح الذي ينتظر هؤلاء بأنه الفادي والطبيب الذي يعطي دواء الخلود حيث الحُلة الروحية تنتظرهم من الآب والإبن والروح القدس, طوبي للمستحقين أن يلبسوا هذه الحُلة.
هنا نجد الفرصة لكي نشدد علي أن الكنيسة ليست منظومة بشرية, ولا هي منظومة إجتماعية أو جمعية خيرية بل الجسد الإلهي الإنساني للمسيح. توجد في الغرب نظرية مفادها هي أن جسد المسيح السري والذي أعضاءه هم المعمدون يختلف عن جسد المسيح الحقيقي الذي هو الخبز الإفخارستي الذي يُوجد علي المائدة المقدسة. لكن في الكنيسة الأرثوذكسية لا يوجد مثل هذا التمييز. نشدد علي أن الكنيسة هي جسد المسيح الذي هو في نفس الوقت الجسد الذي أخذه من كلية القداسة, ألهه وأقامه, الخبز الإفخارسيتي الذي يُوجد علي المائدة المقدسة والقديسون الذين يمثلون أعضاء جسد المسيح. هكذا ندرك جيدًا القيمة العظمي لأن يكون أحد مسيحي, عضو لجسد المسيح. بهذه الرؤية نشعر بالعطية العظمي والمعموديةوللإفخارستيا.
بالمعمودية تصير أعضائنا أعضاء جسد المسيح. هذا يعني أن كل خطية شخصية لها ثقل خطير . بولس الرسول يقول عندما نخطئ, نخطئ للمسيح حيث أننا أعضاءه. نحن لا ننتمي إلي ذواتنا بل للمسيح, الذي قدسنا وضمنا إلي ذاته. مثلما هي خطية أن ندوس جسد المسيح الذي يُوجد في الكأس المقدس, مثلما خطية هي أن ندوس ونحتقر خبز القربان (بيت القربان), نفس الأمر خطية هي أن نخطئ بأعضائنا التى هم أعضاء جسد المسيح.
يجب أن نشعر بأن الكنيسة كبيت للإحتفال حيث يُذبحَّ العجل المسمن والإبتهاج الروحي لكل البشرية "إجتماع السماء والأرض".


الأسئلة والأجوبة للعظة الرابعة
1ـ ما هو الفردوس الجديد؟
الكنيسة الأرثوذكسية بواسطتها نصل إلي حياة الشركة مع الله.
2ـ كيف يُفسَّر مثل الإبن الضال من القديس يوحنا ذهبي الفم فيما يتعلق بمعمودية الموعظين؟
        البيت هو الكنيسة. الحُلة هي نعمة الروح القدس. الخاتم يُظهِر العربون الروحي وأنه يُلبَّس بواسطة الروح القدس. والخاتم يعلن البنوة. الحذاء هو قوة الله حتى لا يُضرَّب الإنسان من الشيطان في عُقبه. العجل المسمن يشير إلي الإفخارستيا. والإحتفال هو فرح الكنيسة لرجوع الإنسان إلي الفردوس.
3ـ ما هي الأسرار المركزية للكنيسة؟
        المعمودية والميرون والإفخارستيا.
4ـ أين تبدو قيمة الإفخارستيا؟
هي مركز كل الأسرار, نحن نأكل جسد المسيح ونشرب دمه.
5ـ ما هي الأسرار الأخري؟
        الإعتراف والكهنوت والزواج وسر مسحة المرضي.
6ـ ما هي الكنيسة بحسب التعليم الأرثوذكسي؟
        هي جسد المسيح ( الذي أخذه من كلية القداسة ) وشركة القديسين. 

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

الإنسان والسقوط

عظات للمؤمنين حديثًا: العظة الثالثة

الإنسان والسقوط

المطران إيروثيوس فلاخوس- ترجمة د جورج عوض

1ـ الكلمة بحسب الطبيعة هو إبن الله, بينما البشر بحسب النعمة هم أبناء الله.
2ـ خلق العالم
3ـ الإنسان بحسب صورة الله  ومثاله .
4ـ الفردوس القديم (الأول)
5ـ سقوط الإنسان
6ـ نتائج السقوط
بعد التحليل اللاهوتي لمثل الإبن الضال, أي بعد كل ما قلناه عن الله, من الضروري أن نمضي أيضًا للتحليل الإنثروبولوجي لهذا المثل. سوف يُظهِر لنا قيمة الإنسان وما هي الحياة الحقيقية.
أب المثل لديه إبنان. هذا يستلزم الولادة وقرابتهما والأثنان ظلَّوا في البيت وتمتعا بخيرات أبيهما.
الله يُدعَّي آب في علاقته مع إبنه الوحيد, لكن أيضًا آب في علاقته مع الإنسان. لكن توجد أربعة إختلافات بين الأثنين. الآب وَلَدَ الإبن قبل كل الدهور, بينما خَلَقَ الإنسان في الزمن. والإنسان هو إبن الله لكن بحسب النعمة, بينما الأقنوم الثاني للثالوث القدوس هو الإبن بحسب الطبيعة.
نستطيع أن نستخدم مثال لكي يصير هذا الأمر أكثر إدراكًا. رسام رسم لوحة فنية والتي هي إبداعة الفكري, عمله الخاص, وبطريقة ما هذه اللوحة هي بمثابة إبنه, لأنها تعبر عن أفكاره ومواهبة. لكن في نفس الوقت يلد أيضًا إبن. هكذا, أبدع لوحة بينما وَلدَ إبن. نفس الأمر, بقياسات موازية, يحدث أيضًا مع الله الآب في علاقة مع الكلمة  إبنه ومع البشر.
الله خلق كل العالم. في البداية خَلَقَ الملائكة, المدعون العالم الذهني, ثم خلق في خمس أيام كل العالم الحسي, الكون, والطيور, والأسماك والحيوانات والنباتات...الخ. وبعد ذلك في اليوم السادس خَلَقَ الإنسان الذي يمثل مخلوق ذهني وحسي, أي النفس والجسد. كما يقول آباء الكنيسة, خلق أولاً المملكة, والقصور ثم بعد ذلك خَلَقَ الملك, الإنسان. الإنسان منذ بداية خلقته دُعَّي أن يكون ملك الخليقة.
يُقال في الكتاب المقدس أن الإنسان خُلِقَ بحسب صورة الله ومثالة. بحسب الصورة تخص الذهن والحرية, أي بأن لديه عقل وحرية, بينما بحسب المثال بأنه خُلِقَ لكي يصير بحسب النعمة ما عليه الله . بحسب الآباء, بحسب الصورة تشير إلي طبيعة النفس الثالوثية. كما أن الله هو عقل: اللوغوس وروح هكذا الإنسان لديه عقل والذي هو مركز الشخصية, النطق الذي هو القول الشفاهي واللفظي والذي يُصاغ بالمنطق, والروح التي هي العشق الذهني للإنسان, والقوة التي لديه في داخلة لكي يصل إلي التأليه (تحقيق الشركة مع الله).
هذا يعني أنه نموذج خِلقته, ونستطيع أن تقول أصل خلق الإنسان هو الله وبالحري كلمة الله, الإقنوم الثاني للثالوث. الإنسان لم يصر بمفرده بل لديه نموذج أصلي (أوليَّ) πρωτότυπο.
كأن لدينا فيلم ومنه صورنا صور كثيرة, هكذا نستطيع أن نقول أيضًا عن الإنسان. الفيلم هذا هوالكلمة المسيح والإنسان هو بحسب صورة الكلمة, نُسخ من الكلمة. لأجل هذا يجب أن يتشابه مع أصله ونموذجه, يجب أن يحافظ علي النسخة نقية, لأن غير ذلك لن يتجاوب مع خلقة, وبالتالي يفقد تمامًا قيمته.
بحسب الصورة يُظهر كينونته, أي حقيقة طبيعته, بينما بحسب المثال يُظهِر أين يجب أن يسير ومَنْ هو هدفه. هذا يعني أن الإنسان دائمًا ـ يجب أن يضع في حسابه عظمة أصلة بأنه أمير وشريف الأصل, يأتي من عائلة عظيمة وسامية, كذلك أيضًا يجب أن يجاهد ليتجاوب مع رسالته العظيمة. هدف الإنسان لا يُستنزف في ذاته. بمعني, لا ينبغي أن يهدف فقط إلي الأكل, والشرب والملبس وتهذيب النفس بل يجب أن يكون لديه أهداف سامية. ولا بالطبع هدف الإنسان هو أن يدرس, وأن يعمل لكي يتزوج....الخ. هذه الأمور سوف يفعلها لكي يرضي عن ذاته ويُخدَّم في الحياة هنا, لكن في النهاية هدفه العميق هو أن يصير إله بحسب النعمة. القديس غريغوريوس اللاهوتي حدد هدف الإنسان بطريقة رائعة: الإنسان لديه حياة ويتدبر في معيشته, لكن يسير تجاه الحياة الأخري. هذه المسيرة من الحياة البيولوجية إلي الحياة الروحية يُقال عنها سر. وبالطبع, نهاية السر هو أن يصير بنعمة الله على مِثال الله.
يبدو في المثل الذي درسناه أن الإبنين كانا يعيشان في بيت أبيهما. هذا, بحسب تفسير الآباء القديسين يُظهِر أنه مباشرةً بعد خلق الانسان كان يحيا في بيت الله, أي في الفردوس, ولديه شركة حقيقية مع الله. هذا الفردوس كان حسيًا وذهنيًا, أي مكان خاص, لكن أيضًا علاقة شخصية مع الله. نري في العهد القديم وبالحري في سفر التكوين أن آدم مباشرةً بعد خلقة كان لدية نعمة من الله, لأجل هذا كان يعيش وكذلك حواء مثل الملائكة في السماء.  
طلب الإبن الأصغر في المثل نصيبه من الميراث: " فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ " (لو12:15ـ16).
المثل في هذه المرحلة يُشبه تمامًا سقوط الإنسان وإبتعادة عن الله. سوف نري النقاط المحورية.
بحسب القديس غريغوريوس بالاماس, الإبن الأصغر طلب نصيبة من أبيه, الذي يعني أن الخطية هي الأحدث بينما الفضيلة هي الأصل الأول. الإنسان خُلِق من الله طاهر (نقي) بإمكانية أن يصل إلي التأله. لكن الخطية هي الدخيل الأحدث, نتيجة عصيان  الإنسان لله والإبتعاد عنه. خطية الإنسان كانت أنه أراد أن يسلب أعمال الله وكان يهدف أن تستمر حياته بحسب إراداته وليس بحسب مشيئة الله. كما يبدو في العهد القديم أراد أن يطيع ذاته وعقله وليس مشيئة الله. بالنسبة له كان مركز كل شيء هو ذاته وشهواته وليس الله. هذا هو جوهر مأساة الخطية الجدية, بل وأيضًا كل خطية أخري.
ونحن نقرأ مَثَل الإبن الضال نلاحظ درجات السقوط, بل وأيضًا مأساة الإبن الأصغر نستطيع أن نسجلها كالآتي: إغتصاب أو سلب أموال, إغتراب, تبذير الثروة, حرمان, عبودية. . يجب في هذا الإطار نري مأساة الخطية علي الأبوين الأولين, وكذلك مأساة كل خطية يرتكبها الإنسان.
عندما يحاول المرء أن يستنزف كل معيشته في حدود حياته البيولوجية ويفسرها عقليًا,  يألَفَ الإبتعاد عن الله. تغرَّب الإنسان في كورة بعيدة, وفقد الشركة والإتحاد بالله. منذ خلقته الإنسان لديه نفس وجسد, مرتبطين برباط لا ينفصل فيما بينهما. النفس هي حياة الجسد, بل حياة النفس هي الروح القدس هكذا, الإنسان بدون الروح القدس هو ميت روحيًا. إنه من الواضح جدًا أن أب المثل قال بعد رجوع إبنه: "إبني هذا كان ميتًا فعاش" (لو24:15). هذا يعني أن الإبتعاد عن الله يُنشيء الموت. حقًا, بدون الله الإنسان هو ميت روحيًا يستطيع أن يتحرك ويعمل ولديه مكانة عالية في المجتمع لكن بدون الله كل الأشياء هي ميته والحياة تافة .
القديس يوحنا الدمشقي, وهو يتحدث عن سقوط آدم وحواء, يقول إن الإنسان بالخطية فَقَدَ النعمة الإلهية إظلمَّت صورة الله فى الانسان , عُرَّي من النعمة الإلهية والنتيجه أنه شعر بُعريه أيضًا في جسده ، لقد كانت النتائج رهيبة. ولأنه فَقَدَ النعمة الإلهية أتي الموت, أولاً أتى الموت الروحي, أي إبتعاده عن الله, وبعد ذلك أتى الموت الجسدي, اي الأمراض وفي النهاية الإنفصال بين النفس والجسد.
حياة الإنسان بدون الله, الذي خلقه, هو الحرمان الحقيقي عندئذٍ, لا شيء لديه معني في حياته. لا يُسعده إطلاقًا أي شيء, طالما فَقَدَ نموذجه الأصلي, الله. فقد الانسان المحبة الحقيقية, وأيضًا حُرِم من الحرية الحقيقية. هذا  ما يعنيه المثل حين قال أن الابن الاصغر أُستعبد لأُناس تلك القرية التي كانت بعيدة عن منزل أبيه, وهؤلاء يرمزون للشيطان. هذا هو الحرمان الحقيقي للإنسان وعبوديتة. لقد خُلِق لكي يكون أمير, لكى يحيا في القصور الملكية، وللاسف فضَّل أن يبقي عاريًا, رث الثياب, راعي خنازير, أي أُستنزف حياته فقط في قدراته البيولوجية وفي إرضاء أحاسيسه. قُلنا من قبل إن الإنسان  بدون الروح القدس هو ميت روحيًا.
القديس مقاريوس المصري يستخدم صورتين لكي يجعل هذه الحقيقية مدركة. الصورة الأولي هي صورة اللحمة بدون ملح. في هذه الحالة تفسد سريعًا وينبعث منها رائح كريهة مرعبة. الصورة الثانية هي صورة العملة التي ليس لديها صورة الملك عليها. مثل هذه العملة هي مزيفة وليس لها مطلقًا أي قيمة. نفس الأمر يحدث أيضًا مع الإنسان الذي ليس لديه في داخله فعل الروح كلي القداسة. ليس هو إنسان طبيعي وليس لديه الحياة الحقيقية.
القديس غريغوريوس النيصي يقول, إن الله هو حياة البشر. لقد قال المسيح ذاته "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14). مَنْ يحيا بعيدًا عن الله لن تكون لديه حياة حقيقية. لأجل هذا حياة الخطأه تُدعي إنها مجرد حياة, لكن في الواقع ليست الحياة الحقيقية هذا يعني أنها حياة مأسوية.  يُوجد محبوسًا في سجن الحواس, الفناء والفساد. لا يستطيع أن يُحدق في سماء الحُرية الصافية. يُعذَّب من كل مشاكل الحياة المأسوية. لا يجد أي مهرب. إنه منفي في أرض جرداء ولا يوجد أمل للخلاص, إن لم يرجع بإراداته إلي الله.
الإنسان بعيدًا عن الله هو ضال, يفقد قيمته وجماله. ليس لديه أب, ليس لديه مسكن, ليس لديه محبة, ليس لديه أصدقاء. الكُل يستغله. لأجل هذا, وهو في مرارته ومأساته يطلب الله. رغبة المعمودية تُوجد بالضبط في هذه الرؤية المسبقة προοπτική.  إكتساب الحياة التي هي الله ويكون لديه علاقات شخصية مع الله الذي هو نموذجه الأصلي. طلب المعمودية ليس لديه ملمح إجتماعي, لا يجب أن تكون المتطلبات الخارجية والبشرية هى الدافع لطلب المعمودية, لكن يجب أن تكون للمعمودية هذه الرؤية. يريد أحد أن يعتمد لكي يأتي من الموت إلي الحياة, من الهلاك إلي الوجود, من المأسوية إلي السلام, من الكورة البعيدة إلي المسكن الأبوي, من الحرمان إلي الوفرة, من اليُتم إلي الحياة فى كنف الأب.
الأسئلة والأجوبة للعظة الثالثة
1ـ ما هو الإختلاف بين الكلمة بكونه إبن الله ، والإنسان بكونه إبن الله؟
الأقنوم الثاني للثالوث هو إبن بحسب الطبيعة (إبن طبيعي), والإنسان هو إبن بحسب النعمة (إبن بالتبني), علي الجانب الآخر الكلمة هو غير مخلوق (ليس لديه بداية), والإنسان هو مخلوق (لديه بداية).
2ـ ما الذي سبق خلق الإنسان؟
خلق العالم الذهني (الملائكة) والعالم الحسي (كل الخليقة).
3ـ كيف يُدرَّك الإنسان بأنه مخلوق بحسب صورة ومثال الله؟
بحسب الصورة تشير إلي طبيعته, بأن لديه عقل وحرية أو لديه عقل ونطق وروح. بحسب المثال تشير إلي  تحقيق الشركة , عندما يتحد بالله.
4ـ مَن هو النموذج الأصلي للإنسان؟
الأقنوم الثاني للثالوث القدوس, كلمة الله, المسيح.
5ـ ما هو هدف الإنسان؟
أن يصل إلي التأله, إلي الشركة مع الله.
6ـ ماذا كان الفردوس؟
 كان حسن , أي مكان مبارك وذهني, شركة الإنسان مع الله.
7ـ ما هو جوهر سقوط الإنسان؟
عصيان الله, الإبتعاد عنه, والإعتماد علي القدرات البشرية وليس الخضوع لله.
8ـ ما هي نتائج السقوط؟
إظلام الذهن, العُري من النعمة الإلهية, الفساد والفناء, الحرمان,  العبودية.
9ـ ماذا يعني أن الإنسان هو ميت روحيًا؟
أنه يحيا بيولوجيًا, وأيضًا ليس لديه الروح القدس, نعمة الله.
10ـ لماذا نعتمد؟

 لأننا نرغب في أن تأتي مرة ثانية إلي الفردوس, ونكتسب مرة ثانية الإتحاد بالله ونتخلص من الحرمان والأغتراب.