الأربعاء، 3 نوفمبر 2010






الإستنارة بين الفكر العقلاني والفكر المُظلم[1]د. جورج عوض إبراهيميُعرَّف مصطلح "الإستنارة" كما هو مستخدم في الخطاب التحليلي العربي بأن:
العالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، وأن عقل الإنسان قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شئ أو معظم الأشياء والظواهر ،ويعمق من مفهومه للواقع ولذاته دون الحاجة إلى أى معرفة تأتيه من علٍ، كما أنه قادر على توليد منظومات أخلاقية من خلال معرفته بالواقع الهادي، لذا يمكن تسمية الإستنارة بـ "العقلانية المادية".

 هذا المصطلح ـ في الخطاب العربي ـ مرتبط ارتباطا تامًا بمفهوم الحداثة. لكن العالم المادي ـ في الخطاب المسيحي ـ خُلِق من قِبل الله وبالتالي هو عطية من الله إلينا. ودعوة الإنسان ليست هي مجرد أن يعيش في العالم قانعًا بالأشياء التي حوله كما هى، لكن أيضًا لكي يستخدم العالم المادي ويطوره ويشكله ولا يكتفي بهذا بل يقدم إبداعاته وإنجازاته إلى الله ليباركها.

إذًا الإنسان المخلوق بحسب صورة الله ـ كما ينادي الخطاب المسيحي ـ يمكنه أن يعمل أمرين: الأمر الأول: تغيير العالم وتجميله وتطويره وذلك بإعطائه هدفًا ومفهومًا ومعنى جديدًا. وقد مارس آدم هذه الإمكانية عندما قام بتسمية كل المخلوقات الحية (تك19:2). هنا نرى أن الإنسان يُشكّل بيئته الطبيعية ويعطي مفهومًا واتجاهًا للأشياء التي توجد حوله. فعندما يوجد شئ ليس له اسم، يظل غير محدد وبلا شكل، ولا يخطر على تفكيرنا ولا نستطيع أن نستخدمه. لكن مجرد أن نعطي اسمًا لشئ، للتو، نحدد علاقته معنا، ونحن عندما نعطي اسمًا لشئ فلكي نميزه عن بقية الأشياء المحيطة بنا، ثم نبدأ بعدها فهم طبيعته المميزة. إذًا أن نعطي اسمًا لشئ يعني أننا أعطيناه مفهوم ومعنى لم يكن لديه قبلاً. وهكذا لأننا مخلوقين بحسب " صورة الله ومثاله " فنحن نشترك في العمل مع الله " (1كو9:3)، بالفن والشعر والتكنولوجيا والبحث العلمي ونُجمل الخليقة المادية ونجعلها قادرة على أن تمجد الله. فالخليقة تمجد الله من خلالنا نحن البشر وهذا هو الأمر الثاني: تقديم الشكر إلى الله من أجل العالم المادي "عطيته لنا". فنحن نقدم كل شئ لله مقرين بأن الفضل له، لأننا لا نستطيع بدونه أن نفعل شيئًا.

نرجع إلى مفهوم الإستنارة كما هى واردة في الخطاب العربي لنقول إن العالم فعلاً يحوي داخله ما يكفي لتفسيره، وأن عقل الإنسان ـ بالفعل ـ قادر على الوصول إلى قدر من المعرفة ينير له كل شئ ويعمق من مفهومه للواقع ولذاته. ولكن شرط أن يستنير بنعمة تأتيه من فوق أي من الله. هذه النعمة هى نعمة الروح القدس في الخطاب المسيحي. فاستنارة الذهن في حالة غياب النعمة الإلهية هو أمر مستحيل لأن العقل صار بعد انحراف الإنسان وسقوطه غير مستنير بقدر كافي. وإن كان الخطاب الأرثوذكسي يقر بأن الإنسان لم يفقد نعمة الخلق بحسب صورة الله ومثاله تمامًا بل أظلمت هذه الصورة وتشوهت وأصبح الإنسان في مقدوره أن يستنير ولكن برؤية ضبابية غير واضحة وغير كافية حيث يحتاج دائمًا لنعمة آتية له من الله. لذا بالرغم من أن الإنسان ـ في عصر التنوير كما يسمونه ـ قد أصبح أكثر ثقة في قدراته وأكثر تفاؤلا بخصوص حاضره ومستقبله، إلاّ أنه توجد جوانب تفكيكية كامنة في رؤيته العقلانية المادية. هذه الجوانب أشار إليها بعض الفلاسفة الذين تبنوا مصطلح "الإستنارة المظلمة". هؤلاء الفلاسفة ينادون بأنه طالما أن أصول الإنسان طبيعية مادية ـ كما يرى العقلانيون الماديون من دعاة الإستنارة المضيئة، وأنه تسري عليه القوانين المادية التي تسري على كل الظواهر الطبيعية فلا يمكن أن نتحدث عن مركزية الإنسان في الكون، وعن المرجعية الإنسانية، وعن مقدرة الإنسان على تجاوز ذاته المادية، وعن أن الإنسان خيّر بطبيعته واجتماعي بفطرته، وعن أن الذات الإنسانية مبدعة حرة مستقلة.

نحن نرى أن رؤية فلاسفة "الإستنارة المظلمة" هى رؤية صحيحة لأن الإنسان لن يكون مركز الكون بكون أصوله فقط هى طبيعية مادية وتسري عليه القوانين المادية. والخطاب المسيحي يشدد على أن الله خلق الإنسان "بحسب صورة الله ومثاله" ويشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر في الفصل الحادي عشر لكتاب " تجسد الكلمة " موضحًا بأن المخلوقات ومن ضمنها البشر المخلوقين ليس لديهم القدرة على إدراك ومعرفة خالقها: " لأنه أية منفعة للمخلوقات لو أنها لم تعرف خالقها؟ " ويستمر قائلاً: " ولكي لا يحدث هذا، ولأنه صالح في ذاته، فقد جعل لهم نصيبًا في صورته الذاتي (الذي هو) ربنا يسوع المسيح، وخلقهم على صورته ومثاله حتى أنه ـ بسبب تلك النعمة ـ فإنهم عندما يرون تلك الصورة أى كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وإذ يعرفون خالقهم فإنهم يحيون حياة حقيقية سعيدة مغبوطة"[2].

هكذا الإنسان بدون نعمة الخلق على صورة الله ومثاله لا يستطيع أن يتعرف على خالقه مصدر الحياة بالنسبة له ويتساوى في هذه الحالة
مع الحيوانات غير العاقلة.إذًا الإستنارة الحقيقية مرهونة بالتعرف على الله الخالق مصدر هذه الإستنارة. وأصحاب مصطلح "الإستنارة المظلمة" يشخصون حقًا حالة الإنسان الذي سقط وأصبح عقله مظلم وفقد التواصل مع النعمة الآتية من الله. فالإنسان عندهم ـ كمخلوق مادي فقط ـ حيوان لا يعرف غير التربص والافتراس والصراع وحب البقاء والأنانية والبحث عن المنفعة واللذة.  إنهم ينزعون، بذلك، الخصوصية والقداسة عن الإنسان ويردونه إلى قوانين الطبيعة / المادة، وهى قوانين الحركة العامة التي لا تعرف ثباتًا أو استقرارًا أو خصوصية أو قداسة، والتي لا يمكن للإنسان الإمساك بها. إذًا مهمة هؤلاء الفلاسفة إنارة أبعاد الواقع المظلمة الحقيقية، فهي بحسب زعمهم "استنارة مظلمة". هذا الوصف يعبر بدقة عن حالة الإنسان الساقط الذي فقد عمق التواصل مع الله لأن صورة الله فيه قد تشوهت وأسودت بحسب تعبير القديس أثناسيوس، حالة الإنسان الذي انحرف بعيدًا عن طريق الحياة وأخذ يبحث عن ارتواء لعطشه دون جدوى. هذا التشخيص وإن كان يوضح حالة الإنسان الساكن في الظلمة إلاّ أنه لا يساعد الإنسان على الخروج من هذا النفق المظلم، أى ذاته المظلمة.

أما الخطاب المسيحي الأرثوذكسي يقدم طوق النجاة من الذات المظلمة والعقل المظلم وحالة فقدان الحكمة والاتزان والرؤية، وذلك بالتبشير بالاستنارة الحقيقية التي تأتي من الله بواسطة الروح القدس بفضل المسيح الذي صالح البشر مع الله واقترب من الإنسان ليقوده إلى الشركة مع الله. إذًا المسيح لم يقتصر دوره على الدعوة الحسنة والتوبة بل وضع على عاتقه خلق الإنسان من جديد ليصبح إنسان جديد " إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة " (2كو17:5)، جديدًا في علاقته مع الآخرين من جنسه، وأيضًا في علاقته مع العالم الطبيعي (المادي) المحيط به، وفوق كل شئ علاقته الحميمية مع الله. هذه الحالة تفرز أخلاق جديدة لا تخص فقط الحالة الروحية للإنسان ولكن تشمل كل حياة الإنسان بعلاقاتها المتعددة. ومصدر هذه الأخلاق ليس الإنسان المادي بل الخليقة الجديدة التي بدأت بشخص المسيح النموذج الأصيل للإنسان المخلوق بحسب صورة الله ومثاله.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] قراءة مسيحية لهذا المقال المأخوذ من كتاب د. عبد الوهاب المسيري " دراسات معرفية في الحداثة الغربية "، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى يناير 2006، ص25ـ32.

[2] أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، فصل 4:11.



الإستنارة بين الفكر العقلاني والفكر المُظلم([1] (2د. جورج عوض إبراهيم


نحن نقرأ قراءة مسيحية ما عرضه مؤلف كتاب " دراسات معرفية في الحداثة الغربية" وبالتحديد مقال " الإستنارة بين الفكر العقلاني والفكر الظلم". ونتوقف عند التصنيف الذي ذكره بخصوص موقف المفكرين من موضوع الإستنارة، إذ صنفهم في ثلاثة مجموعات:

المجموعة الأولى: التقدميون (على سبيل المثال ماركسي ودوركهايم ومن ينحون نحوهما): هؤلاء يرون إمكانية التصدي للظلمة، فهي ليست حالة نهائية، لكن التصدي للظلمة وفق الخطاب المسيحي بعقل وذهن لم يتجدد بواسطة نعمة آتية من فوق يُعد أمرًا في غاية من الصعوبة بل ونقول من المستحيل. فالإنسان الساقط ليس لديه إمكانية أن يجدد ذاته وعقله ويستنير إستنارة كاملة تجعله يواجه الظلمة الساكنة في داخله. قد يكون لديه قبس من نور خافت بكونه ما زال حتى بعد السقوط يحمل صورة الله في داخله، تلك الصورة التي تشوهت من جراء السقوط والإبتعاد عن مصدر الحياة (الله). والخطاب المسيحي الأرثوذكسي يقر بأن التوبة لا تكفي لتجديد الإنسان فالحاجة إلى تغيير جذري لا يستطيع أن يقوم به إلا الخالق الذي له كل المقدرة أن يجدد خلقته ويُعيدها مرة أخرى في حالة شركة معه. ويشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر في كتابه " تجسد الكلمة" قائلاً: " ولا تقدر التوبة أن تغير طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية. فلو كان تعدي الإنسان مجرد عمل خاطيء ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية". ويتسائل القديس أثناسيوس قائلاً: " مَنْ الذي يستطيع أن يُعيد للإنسان تلك النعمة (نعمة الخلق على صورة الله) ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق ـ في البدء كل شيء من العدم؟"[2].

ومن هنا نادى الخطاب المسيحي بعقيدة التجسد لأنها طوق النجاة بالنسبة للإنسان الساقط في الفساد. مشكلة الإنسان ليست مجرد مرض يتطلب علاجًا بل الموت الذي يتطلب حياة، قوة محيية لتلك الطبيعة البشرية التي طالها الفساد من جراء إبتعاد الإنسان عن الله.

هكذا لا يمكن لآمال التقدميين أن تتحقق فمن المستحيل للإنسان الذي لم ينال بعد الخليقة الجديدة أن يؤسس مجتمعات عقلانية حديثة من خلال تطوير آليات معينة للإنعتاق ولمحاصرة الظلمة مثل الثورة الإجتماعية والدولة التنين بهيمنتها وتحسين البيئة الإجتماعية، ولا حتى بتحسين الجنس البشري نفسه من خلال الهندسة الوراثية.

كما قلنا، بحسب الخطاب المسيحي، الإنسان لا يستطيع أن يحاصر الظلمة ولا يمكنه أن يتحرر من أهوائه. لابد أن ينال قوة التغيير من الله ليستطيع أن يتحرر وينعتق من مملكة الظلمة وينتقل إلى مملكة النور.

المجموعة الثانية: المأساويون (فيبر وغيرة):

هؤلاء نادوا بأن الإستنارة المظلمة متضمنة في فكر الإستنارة المضيئة والعقلانية المادية، وأنه لا يوجد أي حل لهذه المشكلة. وكذلك نادى العالم الإجتماعي جورج زيميل وماكس فيبر بأن تزايد هيمنة الإنسان على الطبيعة مع تزايد معدلات الإستنارة ستودي بالإنسان وتُدخله القفص الحديدي.

أدرك كُتاب ومفكرون كثيرون مأساة الإنسان وإكتفوا فقط بتشخيص مأساته وفشله في أن يتحرر من ظُلمته هذه. وحذروا من أن تزايد هيمنة الإنسان على الطبيعة وعلى الآخرين يؤدي إلى مزيد من تفتت الإنسان. وقد أدرك حقًا، الأدب الغربي هذه الأبعاد المظلمة للإستنارة، لذا كان الأدب الرومانسي أدب أحتجاجي على عدم إكتراث العالم بالإنسان. وكثر الحديث عن العُزلة والإنتحار والقلق والعبث. هذا هو حال مَنْ يعيش في مملكة الظلمة، وقد أخبرنا، مسبقًا، الخطاب المسيحي عن النتائج الوخيمة لسقوط الإنسان وانحرافه عن طريق الحياة.

المجموعة الثالثة: العدميون البرجماتيون (دريدا): هؤلاء يرون أن لا جدوى من الحرب ضد الظلمة ولابد من تقبلها والتكيف معها، أي الإستسلام لمملكة الظلمة مع كل أبعادها المأساوية ومحاولة التكييف معها والترحيب بالهلاك والرضوخ لليأس. هذه الحالة المؤدية إلى الموت الأبدي كان قد سبق للخطاب المسيحي أن يحذرنا منها مشددًا على أن هناك أُناس طلبوا التوبة بدموع ولكن للأسف لقساوة قلوبهم لم يجدوها لأن المشاعر والأحاسيس قد تبلدت وتقسى القلب وتم الإستسلام لرئيس هذا العالم.

خاتمة:بدون أن نقلل من مساهمات الإنسان ـ اليوم ـ لحل مشاكل المجتمع البشري نؤكد على إن الإستنارة الحقيقية تأتي من الله بالروح القدس، تأتي عندما يتغير الإنسان تغيرًا جذريًا وينال الميلاد الثاني، الخليقة الجديدة حينئذ يستنير بفعل الروح القدس الذي يملئه بالحكمة والتمييز والتعقل ليرى الأمور بعمق ويسلك في الحياة بسلوك جديد تمامًا يليق بالإنسان الجديد. هذا هو فحوى الخطاب المسيحي: تعال وأنظر، تعال وتذوق، تعال ومارس عمليًا مفاعيل النعمة الإلهية في حياتك وأنت تتمتع بعضوية أفضل مجتمع بشري إلهي (الكنيسة).



--------------------------------------------------------------------------------

[1] قراءة مسيحية لهذا المقال المأخوذ من كتاب د. عبد الوهاب المسيري " دراسات معرفية في الحداثة الغربية "، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الأولى يناير 2006، ص25ـ32.

[2] أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية وتعليقات د. جوزيف موريس، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد، الفصل السابع: 3ـ4.











>

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق