الخميس، 21 يونيو 2012

مواصفات الرؤساء بحسب الآباء



مواصفات الرؤساء بحسب الآباء


                                                    
 د. جورج عوض إبراهيم

مَا الذي يجب ان يكونوا عليه الرؤساء   ؟

كيف يجب ان يتمموا أعمالهم ؟

هل من ضرورة لوجودهم ؟

سوف نجيب بقدر الإمكان على مثل هذه الأسئلة من كتابات الآباء :

حتمية وجود الرؤساء وخطورة السلطة :


هل يمكن ان تُوجد دول بدون رؤساء ؟

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم : " يجب ان يوجد رؤساء لكي لا يأكل الواحد الآخر مثلما يحدث مع الأسماك " (PG 54, 596)

أيضاً يقول : " منح لنا الله الرؤساء لكي يكون لدينا نظام ولا نتصرف الواحد مع الآخر بلا معقولية تفوق الوحوش غير العاقلة ، سلطة الرئيس هي تُشبه الفارس المتحكم في اللجام وقائد السفينة " (PG 55, 491)

وفي نفس الوقت يشدد على : " أنه من الأفضل ان لا يُدار شعب بواسطة أي أحد عن أن يُدار بواسطة رئيس شرير "(PG 63, 231)

وللأسف كان يشدد في موضع آخر على : " أن الرؤساء عادةً هم فاسدون " (PG 59, 274).

دعونا ننصت الآن لصوت القديس باسليوس الكبير : " يُوجد الرؤساء لا لكي يفتخروا بأهمية المكانة التي حصلوا عليها بل لكي يكرموا ويحترموا هم أنفسهم هذه المكانة " (PG 32, 497).

لذلك " كل الذين يحيون في الفضيلة لا يفرحون ويهرولون على نوال مناصب عامة . على النقيض ، الذين يهدفون لإكتناز الأموال ويحبون المجد الباطل يسعون للحصول على السلطة لأنها بالنسبة لهم خير عظيم وفرصة للحصول على كل ما يشتهون " (PG 32, 1041)

" عمل الرؤساء هو التصدي لفوضى الشعب ، ان يوّجهوا الشعب إلى الطريق الصحيح ، لكن عندما يكونوا هم أول من يخالفون القانون ، كيف يستطيعوا ان يرشدوا وان يقوّموا الآخرين "

(PG 56, 24)

لذلك : " رؤساء كثيرون عندما يسرقون يُجبروا على ان يكونوا متساهلون مع الآخرين لأنهم فقدوا بتصرفاتهم هذه شجاعتهم "(PG 51, 309)

يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي على نفس الموضوع : " رؤساء كثيرون يهدرون أموالاً لا حصر لها لكي يصنعوا أثاثات فاخرة وآخرون يقتنون عطور باهظة الثمن ويستمتعون بالحفلات الموسيقية الماجنة بدلاً من ان يشاركوا شعوبهم في معاناتهم وآلامهم " (PG 35, 961).

لذلك يُوجه القديس لهؤلاء حديثه ، قائلاً : " إحترموا مكانتكم . إعلموا ان عملكم كم هو هام وخطير ومدى عظمة السر الذي يُوجد حولكم . العالم بأكمله يوجد تحت سيادتكم . صيروا مثل الآلهة ( في فعل الصلاح ) بالنسبة لرعاياكم " (PG 36, 277).

ما هو العمل الذي يجب ان يتممه الرؤساء ؟

يقول القديس باسليوس الكبير : " يجب على الرؤساء ان يدافعوا عن حقوق الله ويعاقبوا المخالفين "  (ΒΕΠΕΣ 53, 125). ويكمل القديس يوحنا ذهبي الفم ، قائلاً : " لا يجب ان يطلبوا كرامة لذواتهم بل يجب ان يسعوا للمصلحة العامة " (PG 62, 671) ، " لا يُميّزون بسبب ملابسهم بل بسبب أنهم يدافعون عن المتألمين ، ويقوّمون ما بهم من شرور ويعاقبون فاعلي الظلم ولا يسمحوا بأن يُبتلع البار " » (PG 52, 678).

 ما هي المميزات التي يجب ان يتحلى بها الرؤساء ؟
يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي : " يجب ان يتخطى ويتفوق الرؤساء كثيراً عن الآخرين ، أن يصيروا أسمى ، أن تكون لديهم قيّم وفضائل تليق بمكانتهم "(PG 36, 547) . والقديس يوحنا ذهبي الفم يقول : " يجب على الرئيس ان يحيا حياة ليس بها أي عوار حتى يأخذوه الجميع قدوة لهم "(PG 62, 547) ، " ذاك الذي يمارس سلطة سياسية لن يستطيع ان يصنع عدلاً لو كان لا يستطيع ان يدبر ذاته كما يجب ، ولا يحفظ بدقة شديدة ويطبق القوانين السياسية والنواميس الدينية " (PG 61, 508). " ذاك الذي في موضع ان يرأس ويترأس ، هذا سوف يستطيع ان يقود أيضاً أسرته . ذاك الذي يستطيع ان يحكم ويقود بيته سوف يستطيع ان  يحكم ويقود مدينة ، وسوف يستطيع ان يحكم ويقود كل المسكونة "(PG 60, 366). وفي موضع آخر يقول القديس يوحنا ذهبي الفم : " الرئيس في هذا يجب ان يرأس ، في ان ينتصر بفضيلته ، لو هُزِم لن يكون بعد رئيس " (PG 62, 99).لذلك " الرئيس الحَسِن يجب ان يكون غيرمتساهل تجاه ذاته وفي أداء أعماله "(PG 58, 668 . " يجب على الرؤساء ان يكون لديهم فطنة وذكاء عالي ، عليهم ان يتحدثوا بجرأةٍ ، وأن يحتقروا الإنشغالات المعيشية والرفاهية ، أيضا يجب ان يكرهوا الخبث ، وأن يكونوا لُطفاء ومحبين للناس "  (PG 52, 678). ويكون لديهم إلتزام " ان يتناسوا مصالحهم الشخصية ويعتنون بمشاكل شعوبهم " (PG 55, 306

مثل هؤلاء هم الرؤساء : قادرون على تحمل المسئولية

                              غير فاسدون

                              محبي للناس

                             محبي للأوطان

                             يتحلون بفضائل سامية ومقبولون لدى شعوبهم



 .





















 












الأحد، 3 يونيو 2012

الروح القدس وأنهار ماء حي


الروح القدس وأنهار ماء حي
       د.جورج عوض

 


مقدمة:

"الماء الحى" هو الموهبة المحيية التي للروح القدس (يو10:4)

أثناء تفسير القديس كيرلس للإصحاح الرابع لإنجيل يوحنا حول حديث المسيح مع السامرية[1] عدد 10 " لو كنت تعلمين عطية الله، ومَن هو الذي يقول لكِ أعطينى لأشرب، لطلبت أنتِ منه فأعطاكِ ماءً حيًا" يُعلن أن المسيح يدعو الموهبة المحيية التي للروح القدس بـ" الماء الحى " ويشدّد على أن الطبيعة البشرية المتعطشة والمجردة من كل فضيلة تشتاق إلى العودة إلى جمالها الأصلى لتنهل من النعمة الواهبة الحياة. وهذه النعمة الواهبة الحياة تمنح الصالحات والفضائل. ويستشهد القديس كيرلس بالكتاب المقدس ففي إشعياء20:43ـ21 : " يمجدنى حيوان الحقل. الذئاب وبنات النعام لأنى جعلت في البرية ماءً أنهارًا في القفر، لأسقى شعبى مختارى، الذي جبلته لنفسى ليحّدث برفعتى "، ويذكر نص آخر عن القديسين يقول إن نفس البار ستكون " كشجرة مثمرة وتنبت كالعشب في وسط المياه، وتغدوا كالصفصاف بجانب المياه الجارية " (أر12:31س).



موهبة التعليم هى ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية ص14:4


            عندما يفسر القديس كيرلس عدد14: " ولكن مَن يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أُعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية"، يؤكد على أن موهبة التعليم الإلهى هى هذا الينبوع الذي ينبع إلى حياة أبدية وينالها مَن يشترك في نعمة الروح القدس، لذا يقول القديس كيرلس [ " فلا يعود يصبح بحاجة إلى أن يُعلمه الآخرون، بل بالحرى يتوفر لديه ما يحث هو به المتعطشين إلى الكلمة الإلهى السماوى، مثلما كان البعض لا يزالون والرسل، وورثتهم في الخدمة الرسولية، الذين كُتب عنهم " فتسقون مياهًا بفرحٍ من ينابيع الخلاص " إش3:12 ].



المسيح هو النهر[2]:

            " وفي اليوم الأخير، العظيم من العيد، وقف يسوع ونادى قائلاً: إن عطش أحدًا فليقبل إلىَّ ويشرب " (يو37:7).

            يشرح القديس كيرلس عن سبب قول المسيح في هذا العيد " إن عطش أحدًا فليقبل إلىّ ويشرب"، وذلك عن طريق الحقيقة التاريخية لهذا العيد، عيد المظال. ففي رأيه أن هذا العيد يشير إلى الاشتياق إلى القيامة، وأن أخذ الأغصان وثمر الأشجار البهجة والأشياء الأخرى (لاو39:33ـ40) تعنى استعادة الفردوس الموشك أن يعطى لنا بواسطة المسيح، ثم يؤكد قائلاً: [ إن ربنا يسوع المسيح كان يقارن بنهر فيه نجد كل مسرة وتمتع في الرجاء وفيه نفرح فرحًا إلهيًا وروحيًا ] إذن في رأى القديس كيرلس، قال المسيح " إن عطش أحدًا فليقبل إلىّ ويشرب" لأن المسيح أراد أن يُبعد ذهن اليهود عن الفهم الحرفى ومحاولة رؤية هذه الأشياء والتي تحدث في هذا العيد ويصفها سفر اللاويين39:33ـ40 " وتأخذون لأنفسكم في اليوم الأول ثمر أشجار بهجة وسعف النخل وأغصان أشجار غبياء وصفصاف الوادى (النهر)". أراد المسيح ـ بحسب القديس كيرلس ـ أن يقول [ إننى أنا " النهر " الذي سبق وأعلن عنه معطى الناموس في تنبؤه عن العيد ]. المؤمن لا يكتفى بقبول عطايا الروح ولكن يفيض على الآخرين. عدد 28:  " مَن آمن بى، كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حىّ ". إن الإنسان المؤمن لا يستقبل فقط عطايا الروح ولكن يفيض أيضًا على قلوب الآخرين لذا يقول القديس كيرلس: [ مَن يؤمن سينعم بأغنى نعمة الله. لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادرًا أيضًا على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذي يفيض بالخير المعطى من الله على جاره أيضًا ].

            إن الإنجيليين والمعلمين في الكنيسة هم خير مثل لدى كيرلس لأنهم     [ يفيضون بغنى على مَن يأتون إلى المسيح بالإيمان، بكلمة التعليم الموحى به فيفرحونهم روحيًا، ولا يجعلونهم بعد عطشى إلى معرفة الحق، وبأصواتهم الحكمية، يصيحون عاليًا في قلب أولئك الذين قد تهذبوا بالتعليم. وإذ يتهلل المرنم بالروح ينادى قائلاً عنهم " رفعت الأنهار يا رب، رفعت الأنهار صوتها " (مز3:93)، فعظيمة هى ومقتدرة كلمة القديسين و" في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم " كما هو مكتوب (مز4:19) ].

            هكذا فإن النعمة التي تُعطى بالروح هى التعليم والحكمة، فأى إنسان ـ بحسب رأى القديس كيرلس ـ يحب الله سيصير " كجنة ريا وكنبع مياه لا تنقطع مياهه " (إش11:58).



حلول الروح القدس بين العهد القديم والجديد


            لقد تسائل القديس كيرلس أمام قول يوحنا الحبيب: " قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، أن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد"، كيف يقول: " الروح لم يكن قد أُعطى بعد " ولدينا خورسًا كبيرًا من الأنبياء كان قد أعده الرب لينطق بالروح بالأسرار الإلهية التي تخص المسيح بكلمات كثيرة، ويشهد الرب يسوع عن داود أنه كان بالروح ينطق بالأسرار؟. يُعطى القديس كيرلس إجابة تحليلية على هذا التساؤل مبتدأ بالخلق ومرورًا بالسقوط ثم بعد ذلك الفداء. يتكلم عن الخلق قائلاً: [ إن الإنسان قد خُلق منذ البدء في عدم فساد. وأن عدم الفساد وبقائه في الفضيلة يرجع إلى أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله " نفح في وجهه نسمة حياة " كما هو مكتوب (تك7:2)].

            أما عن السقوط يقول: [ بسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في العلو في هذه الأمور، ومع ما تبقى لديه من أمور صالحة عانى من فقدان الروح، وفي النهاية أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عرضة أيضًا لكل الخطايا ". هكذا نتيجة السقوط فقد الإنسان عطية الروح، لكن يؤكد القديس كيرلس أن الله أراد أن يرد من جديد طبيعة الإنسان إلى حالتها الأولى ووعد بأن يعطيها من جديد الروح القدس: [ لذا جدّد وقت حلول الروح القدس علينا إذ قال في يوئيل 28:2    " في تلك الأيام إنى أسكب روحى على كل بشر"]. التجسد عند القديس كيرلس كان هو الحل الجذرى لاستعادة هذه الروح التي فُقدت، لذا يقول    [ كان المسيح أول من قبل الروح كباكورة الطبيعة المتجددة، لأن يوحنا شهد قائلاً : " إنى قد رأيت الروح نازلاً من السماء فاستقر عليه " (يو32:1)]. وكعادته يطرح سؤالاً ثم يتطوع هو بالإجابة، فيقول: [ هل كان المسيح بغير روح؟ لأن الروح هو روح الابن الذاتى، ولا يعطى له من خارجه ]، ويعطى القديس كيرلس إجابة قائلاً: [ قيل عن (المسيح) إنه قَبِل الروح لأنه صار إنسانًا، ويوافق الإنسان أن يأخذ. وهو، ابن الله الآب، مولود من جوهره حتى قبل التجسد، بل قبل الدهور، فليس من الخزى أن يقول الله الآب له حين صار (الابن) إنسانًا " أنت ابنى أنا اليوم ولدتك " (مز7:2). لأن لذلك الذي هو الله قبل الدهور قد وُلد منه، يقول إنه ولده في هذا اليوم،حيث يدخلنا فيه إلى البنوة، لأن الطبيعة البشرية كلها كانت في المسيح، إذ أنه كان إنسانًا. لهذا قال (الآب) للابن الذي له روحه (الذاتى) إنه يعطيه الروح، حتى يمكننا أن ننال الروح فيه هو ]. ويستطرد القديس كيرلس متكلمًا بكل وضوح عن أن: [ الابن الوحيد لم يقبل الروح القدس لنفسه. لكن حيث إنه قد صار إنسانًا، فقد صارت له كل طبيعتنا في نفسه، لكى يرفعها كلها مغيرًا شكلها إلى حالتها الأولى ].

            يكرر القديس كيرلس مسألة السقوط قائلاً: [ لأنه إذ قد حاد جدنا آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية. فلم يحفظ نعمة الروح، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطى لها من الله ]، والحل الجذرى عند كيرلس كما ذكره من قبل هو التجسد: [ لهذا لزم أن الله الكلمة غير المتحول، يصير إنسانًا، حتى إذا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام ].



البراهين الكتابية:

            دائمًا يدعم القديس كيرلس شرحه بأدلة كتابية، ويقول: [ ودليلنا في تفسير هذه الأسرار، هو المرنم الإلهى نفسه إذ يقول للابن " أحببت البر وأبغضت الاثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز7:45)]، وبالطبع يفسر كيرلس هذه الآية خريستولوجيًا،       [ فالابن لأنه بار فقد أحب البر ولأن كراهية الخطية كامنة في طبيعته، لذلك فقد أبغض الاثم. بناء على ذلك فإن الآب قد مسحه لأنه يملك البر الذي لا يتغير كامتياز طبيعته الخاصة، ولا يمكن أن يميل إلى الخطية التي لا يعرفها، لذا فالمسيح يحفظ بدون شك ولصالح الطبيعة البشرية ـ إذ صار إنسانًا ـ المسحة المقدسة من الله الآب أى الروح ]. لذلك فإن القديس كيرلس يعقد مقارنة كتابية رائعة بين آدم الأول وآدم الثانى قائلاً: [ فكما إنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب ].

            ويتساءل بعد ذلك قائلاً: [ لماذا دُعى المخلص بواسطة الكتب الإلهية آدم الثانى. لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشرى إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فسد، لأنه كسر الناموس الإلهى. ففي آدم الثانى (المسيح)، قد قام (هذا الجنس) مرة أخرى إلى بداية ثانية، ويُعاد تشكيله مرة أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد، لأنه " إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة " كما يقول بولس (2كو17:5)].



لماذا أُعطى الروح القدس بعد القيامة؟


            يجيب القديس كيرلس قائلاً: [ إن المسيح قد صار وقتئذٍ باكورة الطبيعة الجديدة، حينما أبطل قيود الموت عاش ثانية (قام) كما قلنا توًا. فكيف ينبغى إذن لأولئك الذين جاءوا بعده أن يحيوا مثل الباكورة، لأنه كما أن النبات لا يزهر من الأرض، إن لم يطلع أساسًا من جذره الخاص به لأن هذا هو بدء النمو، كذلك كان من المستحيل أننا إذ لنا ربنا يسوع المسيح وجذر عدم فسادنا، تُرى الآن، بعد القيامة من الموت " نفخ في تلاميذه قائلاً: " اقبلوا الروح القدس" (يو22:20). إذ كان زمن التجديد حقًا على الأبواب حينذاك، أجل، بل كان بالحرى داخل الأبواب].

            ويبرهن القديس على ذلك من الكتاب كعادته: [ لأنه في البدء، كما قال الناموس، المتسربل بالروح، إن خالق الجميع، إذ أخذ (من تراب الأرض) وخلق الإنسان " نفخ في أنفه نسمة حياة " (تك7:2). وما هى نسمة الحياة، سوى أنها بالتأكيد روح المسيح الذي يقول " أنا هو القيامة والحياة "       (25:11). لكن حيث إن الروح القادر أن يجمعنا ويشكلنا إلى الرسم الإلهى، قد غادر الطبيعة البشرية، فإن المخلص يعطينا هذا الروح من جديد، ليأتى بنا مرة أخرى إلى الكرامة القديمة مجددًا خلقتنا إلى صورته الذاتية، لهذا يقول بولس أيضًا للبعض " يا أولادى الذين أتمخض بكم ثانيةً إلى أن يتصور المسيح فيكم " (غلا19:4)].

 


الفرق بين أنبياء العهد القديم ومؤمنى العهد الجديد


            بخصوص أنبياء العهد القديم، يقول القديس: [ إنه في الأنبياء القديسين بريقًا غنيًا خاصةً، يستمدونه من مصدر الاستنارة من الروح القدس، القادر أن يقودهم إلى إدراك أمور عتيدة ومعرفة أنباء مخفية ]، أما عن مؤمنى العهد الجديد يقول: [ ولكننا نثق أن الذين يؤمنون بالمسيح، لا يكون لهم مجرد استنارة من الروح القدس، بل الروح نفسه يسكن ويجعل إقامته منهم].

            ويبرهن القديس كعادته من الكتاب متسائلاً: [ من هنا دُعينا بحق بهياكل الله أيضًا، رغم أن أحدًا من الأنبياء القديسين لم يدع أبدًا بالهيكل الإلهى ]، لذا أيضًا يضيف بسؤال قائلاً: [ وماذا نقول حين نسمع مخلصنا المسيح يقول: " الحق الحق أقول لكم لم يقيم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه؟" (مت11:11)].

            ويفسر القديس معنى " ملكوت السموات" تفسيرًا رائعًا. إذ يقول: [إنه عطية الروح القدس التي قيل عنها " ملكوت السماء في داخلكم " (لو21:17)]. وسر تفوق الأصغر في ملكوت السموات على يوحنا المعمدان في رأى القديس كيرلس أن يوحنا المعمدان من مواليد النساء أما الأصغر في ملكوت السموات أى المُعمَّد حديثًا فهو " مولود من الله " كما هو مكتوب، وقد أصبح " شريكًا للطبيعة البشرية " (2بط4:1)، إذ قد سكن فيه الروح القدس ودُعى بالفعل هيكلاً لله. ويختم القديس كيرلس تفسيره لهذه الآية قائلاً: [حينما يقول الإنجيل لنا " لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد"، فلنفهم أنه يعنى سكنى الروح القدس في البشر سكنى كاملة وبالتمام ].



1 أنظر القديس كيرلس في تفسيره لإنجيل يوحنا الجزء الثانى، مايو 1995م، ترجمة واصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص 59ـ60.
2 كل آراء القديس كيرلس أخذناها من شرحه لإنجيل يوحنا، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار مركز دراسات الآباء، أغسطس 1998، ص 299ـ310.

الجمعة، 1 يونيو 2012

هل يمكن تطبيق الديمقراطية في ظل رئاستكم ؟


   هل يمكن تطبيق الديمقراطية في ظل رئاستكم ؟


                                              د جورج عوض

                                                   

تهرول القوى الثورية الوطنية لأخذ ضمانات من مرشح الأخوان للرئاسة متجاهله النسق الفكري الذي يحرك أتباع الإخوان . إن الضمانة الوحيدة هي أخذ موقف صريح من مفهوم الديمقراطية التي أوصلت هذا المرشح  للخطوة قبل الأخيرة للرئاسة . تعهده بمشاركة كل القوى السياسية في الحكم ليس هو الضمان ، الأهم  هوالإطار الفكري الذي يتحرك  داخله النظام الرئاسي والبرلماني . وللأسف رأينا في الشهور الأخيرة كيف يعمل البرلمان الذي تسود عليه الأغلبية من الأخوان والسلفيين .
 إننا نرى ضرورة عقد مناظرة تلفزيونية بين أحد مفكري الثورة من الليبراليين ومرشح الأخوان لكي يجيب أمام الشعب على مثل هذه الأسئلة التي  نجدها في مدونات الليبراليين وتجول بخاطر الذين يحلمون بدولة مدنية  ديموقراطية  تحترم الدين وتقدره :



هل الديموقراطية في نظركم هي مرفوضه بإعتبارها مخالفة للإسلام والشريعة الإسلامية ؟

هل ترون حكم الشعب الذي تنادي به الديمقراطية هو مخالف لحكم الله، لأن التشريع و التحليل و التحريم و النهي هو  لله  وليس لمخلوق ؟.

 هل الديمقراطية  تعني " سيادة الشعب " وهذا في رأيكم  كفر ومن قال به كافر، إذ لا سيادة إلا لله ؟.

 هل نظام الحكم الديمقراطي بحسب رأيكم مناقض لنظام الحكم الإسلامي ." والحكم الإسلامي " يُعطي لجماعة من المسلمين المؤهلين الحق أن يضعوا النظم الإدارية التي يرونها أصلح و أنفع وأكثر خيرا . " ؟

هل في ظل نظم الأحكام الوضعية - الديمقراطية - تكون السيادة للشعب أي للبشر و بذلك تكون بحسب مفهومكم قد نازعت الله سلطانه و لذلك يجب استبدال حكم الشعب أو ممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا بحكم جماعة من المؤهلين ، رجال الدين، الذين يضعون النظم الإدارية و القوانين التي يروها هم أصلح و أنفع و أكثر خيرا للناس ؟.

هل حزبكم الديني  وافق على المؤسسة البرلمانية والإنتخابات العامة، فقط كوسيلة للوصول إلى الحكم عن طريق صندوق الإقتراع وليس إيمانا منه بالديموقراطية ؟.

 هل تعلمون وتوافقون أن الديمقراطية تلتزم  :

 بحقوق الإنسان

وبمبدأ التمثيل السياسي للجميع

ومبادلة السلطة بناء على انتخابات حرة تمثل أكبر قطاع ممكن من أفراد الشعب وبالمساواة القانونية.

  بحرية الفكر والدين والعقيدة. فلكل إنسان الحق والحرية التامة في الإنتماء إلى أي دين يريد وأي عقيدة يختارها وأي حزب يريد، وأن يغير دينه حسب ما يراه متماشيا مع فكره وإيمانه، دون أن يتعرض للإضطهاد أو المسائلة من أي جهة كانت، قانونية أو غيرها.

  بالتمسك بمساواة النساء الحقوقية بالرجال وألا تعتبر قضايا المرأة خارج الحقل السياسي.

هل عندما تنادي الديموقراطية  بمبدأ أن الشعب بمختلف أديانه وطوائفه وأصوله، هو صاحب الحق في التشريع وفي الحاكمية تكون في نظركم نقيض للفكر الديني ولمبدأ الحاكمية الإلهية ؟.

 هل أسلمة الدولة وحصر مصدر القوانين بالشريعة الإسلامية هو بحسب قناعاتك رفض صريح للديموقراطية  ؟.

 هل أسلمة الدولة بحسب فكركم تعني حرمان قطاع كبير من الشعب من صفة المواطنة وتصنيفهم خارجها بصفتهم في ذمة المسلمين، كالمسيحيين ؟

هل أسلمة الدولة  بحسب فكركم تخرج من المواطنة مسلمين يرفضون الإلتزام بما يسمى الشريعة الإسلامية، أو من يرفض الإنتساب لأي دين، وترفع الدولة حمايتها عنهم وتسمح بقتلهم كمرتدين عن الإسلام ؟.

هل عندكم " الردة"، هي أخطر جريمة تهدِّد دين الإنسان وتنقضه ، ومن يرتد عنه فعليه عقاب الردة وهو الموت ؟.

هل يكفي في رأيكم أن تقوم مجموعة من رجال الدين بإصدار فتوى بأن فلان كافر ومعاد للدين الإسلامي حتى يحل دمه ويعطى الحق لأي  مواطن  بقتله ؟

 هل أنتم مع ما  أعلنه الشيخ الغزالي، وهو من المرجعيات المعتمدة في شهادته المدافعة عن قاتل المفكر المصري فودة، " أن من لا يرى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية يعتبر مرتدا عن الدين الإسلامي، وأن الحكم عليه هو القتل، وأنه إذا لم يقم أولو الأمر بتطبيق هذا الحد على المرتد فمن حق أي مسلم أن يطبقه ولا عقاب له في شرع الله."  ؟

هل بعد هذا ترون أنه يمكن تطبيق الديموقراطية في ظل رئاستكم ؟

الأحد، 20 مايو 2012

الشعب يختار الرئيس - التصويت لمن ؟؟؟


التصويت لمَنْ ؟؟؟

                  د جورج عوض


تنتابنا  ، في هذه الأيام ، الحيرة والإرتباك بشأن التصويت في إنتخابات الرئاسة . والسؤال الذي يطرحه الكثيرون : مَنْ هو المرشح الذي نختاره ؟

 كان النظام السابق يقوم بالنيابة عنا في عملية التصويت ويريحنا من عناء الإختيار . أما الآن ونحن نمارس حرية الإختيار نجد أنفسنا في حيره وتخبط باحثين عن أي أحد أو أي مؤسسة تُملي علينا المرشح الذي علينا ان نختاره . الأمر الذي يشير إلى محاولاتنا  للهروب من الحرية وعدم تحمل مسئولية الإختيار مثل أطفال الحضانة الذين يصرخون بكاءً من ترك والديهم لهم بعيداً عن أعينهم . ونحن فعلاً في كي جي 1 ديمقراطية نحاول ممارستها لكننا نريد إلقاء مسئولية ممارستها على الغير متناسين ان الذي يريد تعلم العوم لا بد ان يمارس العوم هو نفسه وليس غيره . لو أردت أن تمارس الديمقراطية عليك ان تتحمل مسئولية الحرية ولا تخاف منها ، علينا ان ندرس ونسترشد بالآخرين ونفكر جيداً ثم نختار بأنفسنا بلا أدنى تردد مَنْ نراه جديراً بهذه المرحلة . لكن دعنا نتذكر بعض الأمور الأساسية منعاً للنسيان أو التناسي :

أولاً : قامت في مصر ثورة من أنبل الثورات في العالم ، ثورة على الظلم والإستبداد ، على ثقافة وقيم الأستهلاك ، على ثقافة الإنحراف الإجتماعي والأقتصادي والأخلاقي . لذلك كان شعار الثورة هو " التغيير والحرية والعدالة الإجتماعية " . وهذا لا يتحقق إلا بالتغيير السياسي الشامل . وقد نجحت الثورة في الإطاحة بالنظام السابق الرئاسي .

ثانياً : ظنت الأغلبية أن الثورة سوف تجني ثمارها المرجوة  فور الإطاحة بالرأس متناسية أن التغيير المنشود ليس تغيير في الوجوه بل تغيير في عمق تفكيرنا وأولوياتنا وإختياراتنا ، لذا ما أُ نجز  كان قليلاً : الإستفتاء على إعلان دستوري  وإنتخابات برلمانية وها نحن على وشك الدخول في التصويت على إنتخابات الرئاسة ، وتخلل هذه الإنجازات صراعات مريرة وشد وجذب وكر وفر بين والقوى والأحزاب  وبين المؤسسة التي تدير البلاد وسقط مئات الشهداء من أجل أن تستمر الثورة في مسيرتها ، وعانى شعبنا الأمرين من تدني مستوى المعيشة وعدم توفر الأمان وأنتشار البلطجة والسلب والنهب والتعدي على المستشفيات والهيئات الحكومية  وإنقطاع وسائل المواصلات  ونقص الغاز والبنزين وتصرفات التيار الديني وإنشغالاته البعيدة عن القضايا الأساسية وتوظيف الدين لخدمة السياسة . والخلاصة  هي انتشار الفوضى التي وعدنا بها الرئيس المخلوع .

ثالثاً : الخطأ كل الخطأ هو ان نلقي مسئولية ما حدث لبلادنا بعد الثورة لطرف ثالث مجهول ليس منا ، وبالتالي إختزال كل ما حدث في الطرف الثالث . المسئولية تقع على جميعنا حين إعتقدنا ان التغيير يجب ان يطال أفراد النظام السابق ، أو حين أعتقدنا ان مجرد تغيير الوجوه هو إنجاز عظيم يضمن لنا سلامة الثورة . الثورة  يجب ان تغير طريقة تفكيرنا وحياتنا وسلوكياتنا لتليق بالأنفس الطاهرة التي سفكت دمائها من أجل العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

رابعاً : التطبيق العملي للثورة يجب ان يظهر في حياتنا وسلوكياتنا اليومية : لللأسف ما زلنا نكسر إشارات المرور ونبني على الأراضي الزراعية ونعلي بناياتنا بطريقة مخالفه ونعطي دروس خصوصيه بنفس طريقة ما قبل الثورة ، أيضاً إنتهاز فرصة الضعف الأمني في أعمال الخطف والنهب والبلطجه وغيره من الأعمال المشينة ، إزداد التكالب على المادة والمصلحة الفردية والأنانية .....الخ

خامساً : يجب ان نعترف ان القوى الثورية لم تستغل فترة الحوار الذي كان متاح بينها وبين المجلس العسكري لأنها إشتركت في حوارات مع المجلس بمكابره ثورية حولت الحوار إلى إملاءات غير مقبولة ، والنتيجة كما نرى عُزلة شبه تامة بينها وبين أصحاب اليد العليا في إدارة شئون الدولة ، وترك الساحة للتيار الديني ليعقد حوارات مصلحية جنى منها بمفرده معظم ثمار الثورة .

سادساً : يجب الأعتراف أيضاً بأن الأحداث التي مرت بها البلاد على المستوى الثوري من سقوط شهداء على أيدي مجهولين بلغة القانون ، وعلى المستوى الأقتصادي من كساد وتدهور ، وعلى المستوى الإجتماعي من غياب الأمن وانتشار البلطجة وقلة الغاز والبنزين ووسائل المواصلات وحرائق هنا وهناك ، كل هذه الأحداث أجبرت قطاع من شعبنا أن يتحسر على أيام النظام السابق وفُتح  الطريق لأثنين من المحسوبين على النظام السابق بأن يترشحا إعتماداً على هذا القطاع  الذي كل أمله هو أن ترجع أيام النظام السابق .

سابعاً : أياً كان النظام القادم :  رئاسي أو برلماني ، الرئيس القادم لن تكون في يديه عصا سحريه يصنع بها المعجزات حتى لو كان متديناً ، الخلاص سوف يأتي من تآزر كل قوى الشعب مع الرئيس ، مضى زمن الرئيس الفرد والزعيم والقائد والمبجل والممسك بكل الخيوط .

ثامناً : الإجابة على سؤال : التصويت لمَنْ ؟ لا أستطيع أن أملي عليك مرشح بعينه ، لكن لو أردت ان تستمر الثورة في مسيرتها ، أمامك طريقين :

 الأول : أن تختار مرشح من التيار المدني الثوري مثل حمدين صباحي

الثاني : أن تختار مرشح من التيار الديني الثوري مثل د عبد المنعم أبو الفتوح

أما لو كان حلمك مجرد الرجوع إلى ما قبل الثورة مع تحسن ولو غير جذري ، أمامك طريق واحد هو ان تختار إما الفريق أحمد شفيق أو عمرو موسى

إذن لا تحتار وإحسم أنت  موقفك ، هل أنت مع إستمرارية هذه الثورة أم أنت مع الإكتفاء بما أحدثته هذه الثورة  ، وتتمنى رجوع مُحّسن لأيام النظام السابق  ؟ .

قد يكون هذا التحليل خاطيء لكن يكفي ان نفكر معا وليكن القرار الذي يتخذه كل واحد منا هو قرار حُر وشخصي ، " وكُن رجلاً ولا تتبع خُطواتي " كما قال أحد الفلاسفة .

الاثنين، 14 مايو 2012

القديس أثناسيوس في مواجهة تشكيك الآريوسيين في ألوهية الإبن


          القديس أثناسيوس في مواجهة  تشكيك الآريوسيين في ألوهية الإبن - د جورج عوض

                                                           

 إن تفسير القديس أثناسيوس للكتاب المقدس يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجهاده ضد الآريوسية. ومقالاته ضد الآريوسيين تمدنا بأمثلة عديدة لكيفية تفسيره  للكتاب المقدس، وكيف يطبق هذا التفسير ليرّد على تعاليم الآريوسيين الهرطوقية. إننا نجده حين يشرح آيات من الأناجيل عن التجسد، يستعرض اعتراضات الآريوسيين الشائعة: " لو كان الابن ابنًا بالطبيعة، لما كان في احتياج أن يأخذ، بل كل شئ يكون له بالطبيعة كابن، وكيف يكون هو القوة الطبيعية والحقيقية للآب وهو في وقت الآلام قال " ... الآن نفسي قد اضطربت... " (يو27:12ـ28).

 لو كان هو القوة لما كان قد ضَعُف، بل لكان قد أعطى قوة لآخرين ... لو كان هو حكمة الآب الحقيقية والذاتية، فلماذا كُتب عنه: "
 الآن نفسي قد اضطربت وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو52:2).

وبالمثل عندما جاء إلى نواحي قيصيرية فيلبس سأل التلاميذ :

"ماذا يقول الناس إني أنا " (مت13:16).

وأيضًا حينما جاء إلى بيت عنيا سأل عن لعازر "  أين دُفن  " (انظر يو18:11).

وأيضًا قال لتلاميذه "  كم رغيفًا عندكم  " (مر38:6) ...

 كيف إذًا يكون هو الحكمة وهو ينمو في الحكمة، وكان يجهل الأمور التي كان يسأل عنها الآخرين؟ ...

كيف يمكن وهو الله، أن يصير إنسانًا؟ ... كيف يمكن لمَن لا جسد له أن يلبس جسدًا؟ ...

 كيف يمكن أن الذي ينام ويبكي ويطلب أن يعرف كإنسان، يكون هو الكلمة أو هو الله؟ [1].



   إن رد القديس أثناسيوس على هذه الأسئلة وغيرها قد تركز على العلاقة بين لاهوت المسيح وناسوته. وهو مقتنع تمامًا أن الكتاب المقدس يحتوي على تقرير مزدوج للملخّص: [ والآن فإن هدف الكتاب المقدس وميزته الخاصة، كما قلنا مرارًا، هو أنه يحوي إعلانًا مزدوجًا عن المخلّص: أى أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاعه وحكمته، ثم بعد ذلك اتخذ من أجلنا جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا][2]. ويؤكد ق. أثناسيوس بأن هذا الإعلان المزدوج هو موجود في كل الكتاب المقدس الموحى به من الله، ثم يبدأ في تدوين نصوص وفقرات تؤكد على لاهوت وناسوت المسيح. المشكلة كما يراها أثناسيوس في العلاقة بين المسيح بكونه إله وبكونه إنسان في آنٍ واحد، مع التركيز على أن الابن قد صار ما نحن عليه "لأجلنا"، لأن الابن اتحد بنا اتحاد حقيقي، اتحد بجسدنا. وصفات الجسد تخص الابن حقًا لأنها هى خصائصه في إطار التجسد:
 [ خواص الجسد هى خاصة به حيث إنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصة بالجسد ][3].
ويستمر ق. أثناسيوس قائلاً:
[ بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والكلمة حمل ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله ][4].


   هنا جوهر رد ق. أثناسيوس على الإرتباك الآريوسي بين لاهوت وناسوت المسيح. فالكلمة لم يكن "خارج" ناسوته الذي أخذه. بالحري حين خدم الابن المتجسد، فإن اللاهوت والناسوت كانا معًا يعملان في وحدة لا تنفصم:


   [ فحينما كان هناك احتياج لإقامة حماة بطرس التي كانت مريضة بالحُمى فإنه مدّ يده إليها بشريًا، ولكنه أوقف المرض إلهيًا (انظر مت14:8). وفي حالة الإنسان المولود أعمى فإن تفل البصاق كان من الجسد ولكن فتح عين الأعمى بالطين إلهيًا. وفي حالة لعازر، فلكونه إنسانًا فقد دعاه بصوته البشري ولكونه في نفس الوقت إلهًا فقد أقامه من الأموات. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا لأنه كان قد اتخذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا، ولذا كان يليق بالرب بأخذه جسدًا بشريًا أن يكون لهذا الجسد كل الخواص التي للجسد، حتى كما نقول إن الجسد كان جسده. هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به، أى الكلمة رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته ][5].


   هكذا ركز ق. أثناسيوس على إيضاح حقيقة أن المسيح يعمل لاهوتيًا وناسوتيًا معًا من خلال جسده الذي أخذه. وحين يعمل بقوة ويشفي المرضى ويقيم الموتى، ندرك نحن لاهوته في الفعل. وحين يكون متعبًا فإننا نرى مظاهر الناسوت الأصيل والحقيقي الذي أخذه.


   لقد أخطأ الآريوسيين إذ قرأوا الكتاب المقدس قراءة هزيلة غير عميقة، ورأينا فشلهم في التمييز بين ما يليق بلاهوت الابن وما يناسب بشريته أو ناسوته. وهذا الإخفاق يقود إلى إنكار لاهوت الابن. وهذا ما نتحقق منه دائمًا حين نرى تيارات فكرية غريبة تسقط في هذا الإخفاق وتنكر ألوهية الابن. ومن هنا نجد الأهمية العظيمة لتعليم القديس أثناسيوس التفسيري الذي يساعد أبناء الكنيسة على فهم الكتاب المقدس فهمًا أرثوذكسيًا.











32 القديس أثناسيوس الرسولي، المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، ترجمة د. مجدي وهبة ود. نصحي عبد الشهيد، مراجعة د. جوزيف موريس  ود. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة ثانية منقحة، أبريل 2007م ص54ـ59.
33 المرجع السابق ص59ـ60.
34 المرجع السابق ص62.
35 المرجع السابق.
36 المرجع السابق ص63ـ64.