السبت، 11 مايو 2013

التفكير الإيجابي


التفكير الإيجابي

ΑΝΤΩΝΙΟΥ ΑΛΕΒΙΖΟΠΟΥΛΟΥ
ΔΡ. ΘΕΟΛΟΓΙΑΣ – ΔΡ. ΦΙΛΟΣΟΦΙΑΣ

http://www.egolpion.net/pateres_thetikhs_skepsis.el.aspx

ترجمة د.جورج عوض إبراهيم

 

ظهرت حركة " قوة التفكير الإيجابي" في القرن الماضي. نادى Ralph Naldo Emerson (1083-1882م) كيف أن الحقيقة الفريدة هي " العنصر الإلهي" الذي يُوجد في الإنسان، وإستخدم التنويم بهدف إيقاظ قدرات الإنسان الداخلية ووَعَدَ بأسلوبه أن يقود إلى ملء الوجود. أفكار مماثلة كرز بها أيضًا الصيدلي الفرنسي Emile Coue (1856-1926م).

أيضًا كأب للتفكير الإيجابي يُحسب جوزيف مورفي Joseph Murphy (+ 1981). المبشرون الأساسيون هم نورمان نينسيت Norman Nincent, Peale, O E. Freitag وكُتبهم تتداول اليوم في ملايين النُسخ.

الروشتة أو الوصفة

العقيدة الأساسية للتيار الجديد هو أن فكر الإنسان يتطابق مع العمل الذي يمكن أن يغير حياة الإنسان لدرجة أنه يصل إلى أن يخترق ويسود على اللاوعي ، عندئذٍ تُفعَّل القدرات غير المحدودة حيث تتحول الحالة السلبية إلى إيجابية، كل الأمور المؤسفة والسلبية في العالم وفي الإنسان تُواجه بالأفكار الإيجابية.

كما دوَّن R. Dahlke (Bio 4/ 1987, P. 68) وفق التفكيرالإيجابي، لو لم يشعر المرء أنه بحالة جيدة، يمكن أن يلجأ إلى التعبير الكلاسيك " من يوم إلى يوم أكون دائمًا في حالة أحسن" الأفكار الإيجابية التي تصير موضوع للتأمل الفردي أو الجماعي تخترق إلى اللاوعي وتنال من هناك قوتها. لكي تتحقق مثل هذه الحالات تُستخدم وسائل مساعدة للبلوغ ، مثل الموسيقي في حالة التنويم المغناطيسي حيث تعمل جيدًا، ويختم Dahlek عرضه ذاكرًا أفكارًا للتيار الجديد.

الوصفة أو الروشتة تنتمي إلى E. Coue الذي ينصح بالآتي: "كل حياتك، كل صباح، عندما تستيقظ ، كل مساء، عندما تذهب إلى السرير، أغلق عينيك وعِد آليًا عشرون عقدة من سبحة بدون أن توجه فكرك لشيء محدد وكرر هذا الأمر محركاً الشفاه بقوة لتسمع هذه الأقوال التي : " كل يوم أكون من كل الوجوه أفضل" (E. Coue, NNasich. Sacye, Basel HB 1980).

أضاف جوزيف مورفي على هذه الوصفة شواهد كتابية. وقَبِلَ فقط بقوة واحدة لا نهائية تُوجد في كل إنسان وتجعل إمكانية إتمام أي رغبة هي " الله الذي يُوجد في داخلنا"

J. Murphy, Die Kosmische dimension ihrer kraft Positives Denkenim einkiang mit den universum des geistes, München 1982, P.11. 27.                                   

لا يوجد في العالم شيء أقوى من هذه القوة " يمكن أن تتمم كل رغباتكم. هي الطبيعة الروحية وتوجد في داخلكم، هي الروح العالمية (الكونية) وواحد معه. ( J. Murphy, Die Gesetze des Denkens und Glaudens, Minchen 1983, P. 13)         

" قوة العقل الباطن الخاص بكم :the Power of your subconscious mind "، هذا هو عنوان كتاب ميرفي Murphy. هكذا الإنسان يصنع في عقله الباطن السعادة أم التعاسة" الله العقل الباطن الذي أعطاكم الرغبة سوف يُظهِر لكم أيضًا الطريق إلى تحقيقها... ثق في ذاتك! وفي قدراتك النائمة في داخلك.

(Murphy, Die Gesetze P. 108).

يستطيع الإنسان أن يُفعِل " الإله ـ داخله" بالفكر. إنه " الحكمة غير المحدودة" " كل مرة يفكر يستخدم القوة اللا نهائية ـ للخير أو للشر" قياسًا بفكره. يستدعي Murphy معلمه RolphNNaldo Emerson:  بقوله " الإنسان هو هذا الذي يفكر في قلبه" ( Murphy, Die Kosmische dimension, P. 1001)

" كل مرة حين يفكر الإنسان ، يُشكِل قوته الخلاقة.. الإنسان يخلق سماءه أو جحيمه قياسًا بالفكر ، والإيمان والإحساس. لديكم الحرية أن تختاروا الصحة أم المرض، الغنى أو الفقر"، الإنسان لديه " الحق الإلهي" أن يختار ويقرر أن يكون بصحةٍ جيدةٍ وسعيد وناجح في الحياة ولكي يزدهر يمكن أن يجعل الخير يسود على عالمه " بواسطة التفكير والإيمان" كل شيء يمكن أن يجعله حقيقة واقعة في حياته.   Murphy, Die Kosmische dimension, P. 105, 112))

القوة التي توجد داخلنا تعرف كل الإجراءات الشفائية وعندما ينشطها أي أحد يستطيع أن يصنع معجزات. هكذا مورفي يذكر نموذج لإمراة شَفّت اليد كما بأمر: " بواسطة القوة التي في داخلي أُحَرِك بحريةٍ يدي" ! لو أحد المرضى قاد فكره بوعي إلى قنوات تسر الآلهة ويشكل فكر عقله الباطن إلى قنوات تسر الآلهة ويُشَكِل هكذا إيجابيًا عقله الباطن يتحرر تمامًا... ومعجزة الشفاء تتحقق"  Murphy, Die Kosmische dimension, P. 67))

هذه النظرية قادت أتباع " الفكر الإيجابي" إلى تفائل لا حدود له. معلمون كثيرون يعملون اليوم " أعمال ذهبية تدر دخلاً " بائعين دورات ومؤتمرات خاصة لرجال أعمال واعدين إياهم بالنجاح في أعمالهم والفوز في نفس الوقت بملكوت الله . عالِم " التفكير الإيجابي" الأمريكي Albert Ellis أسس ما يُسمى Rational – Emotive therapie على أساس: " نحن نكون على ما نفكر" ، الشر أو الأفكار السلبيىة عن ذواتنا وعن حياتنا العاطفية تدمر وعينا الذاتي القيّم ويُنشئون مشاكل، وشدد على تعليم الناس أن يستخدموا في حل مشاكلهم عقلهم وأن لا يعتمدوا على القيم الأخلاقية للمجتمع.

(G. NNirsin was wir Denken, Psychologie Heute, PP. 29-32).                                                  

إن مورفي Murphy ورُسل " التفكير الإيجابي" الذين يروجون لوصفتهم في الغرب يستخدمون مصطلحات مسيحية مثل "الإيمان" و" الصلاة". لكن هذه المصطلحات تعلن عن حالات تأملية وتتطابق مع التفكير ومع مواقف ذهنية.

هل لديهم منهج عِلمي؟

يزعمون رُسل " التفكير الإيجابي" بأن منهجهم هو عِلمي ومتخصصيهم هم " مهره ومناسبون لهذا العمل" (J. Murphy, Die Macht Ihres unterbewusstseins, Genf 1981).         يجب أن تقول أن نشاط أو فاعلية " التفكير الإيجابي" تستلزم الإيمان به وفي " إيجابيات النشاط. لكن كما يقول Bernhard Flossdorf في مجلة Psychologie Heute لا يمكن أن يفحص أحد الإيمان إختباريًا وتشخيصيًا (PHII, 1988, P. 65)

لو شرع أحد في تفسير هذه المسألة إختياريًا سيكون مضاد للمهنة الطبية، لأنه كما يشدد Tomies، قائلاً: مثل هذا الشيء يعني كأن يترك المرء المضي بلا مساعدات حارمًا إياهم من أي مساعدة طبية معترف بها ويقدم لهم كمسكن وحيد " التفكير الإيجابي" (Sven Tonies, PHII, 1988, PP. 22-28).                        

بحسب Tonies، مسألة إلى أي مدى الأفكار السلبية المستمرة تقود إلى حالات جسدية ونفسية غير طبيعية هي مفتوحة، وكذلك مسألة أن هذه الأفكار هي تعبير لإضراب في الصحة، لهو أمر غير مؤكد.

" بحسب ملاحظاتي، يقول تونيس Tonies، التفكير الإيجابي والسلبي هما مستقلين الواحد عن الآخر ولا يتأثر الواحد بالآخر مهما تحدثنا لأنفسنا بطريقة مفرحة، هذا لا يؤثر على قياس الأفكار التعيسة التي نفكر بها عن ذواتنا ولا يحدث العكس. المشاعر الإيجابية والسلبية هما مستقلان الواحد عن الآخر"!

يستدعى تونيس Tonies بحث الأمريكية  Barbie Cassleth الذي أُجريَّ على 359 مريض بالسرطان وأثبت هذا البحث أن حالتهم النفسية ليس لها أي تأثير على زمن الموت ولا على تكرار ظهور المرض (الإنتكاسية).

لا يرفض تونيس التأثير الإيجابي لحالة المريض النفسية كشيء يُضاف للعملية العلاجية، ربما تعمل هذه الحالة عملاً مساعدًا. لكن ما يُدعى " إجعل صحتك أحسن" هو فقط شيء لحظي كما يحدث مع الإيحاء . لقد عمل تونيس تجارب مع مجموعة مختلفة تمارس " الفكر الإيجابي" وآخرين في حالة التأمل والإيحاء الذاتي ، وكانت النتائج  هي نفسها التي إستنتجها من المجموعتين.

إن منهج " شفائيين" " التفكير الإيجابي" يستند على الإيحاء الذاتي. طور E. Coue منهج خاص للتنويم لكي يساعد " التفكير الإيجابي". أي نوع مبرمج من التفكير. لقد بنى مورفي فوق منهج Coue وإستثمره بكلمات شفائية. إستخدام الإيحاء الذاتي يستلزم إعتقادات أنثروبولوجية لمجموعات " التفكير الإيجابي"، بأنه في داخل الإنسان توجد قدرات " شفاء ذاتي" والتي يجب على المرء أن يفعلها بالإيحاء، بالتكرار المستمر للتعبيرات " الإيجابية" تحت حالات تنومية أو نصف تنومية. مثل هذه التعبيرات الإيحائية هي: " يوم مع يوم أصير أحسن"، " أنا كامل وكمال الإنسجام يمر في جسدي"..الخ.

تأثير الإيحاءات على المستوى النفسي الجسدي يصير مقبول، حيث كثير من الشذوذ الجسدي هو نتيجة التأثير النفسي. لأجل هذا، مرات كثيرة تُستخدم أدوية إفتراضية. لكن من الخطأ أن تقول إن كل الأمراض بسبب هذه العِلة وتُشفى بمثل هذه الأساليب. إن إغفال تناول الأدوية أو إحتقار الطبيب يمكن أن يجلب كوارث لا حصر لها. ضحية " التفكير الإيجابي" ينخدع من "الإيمان" المشعوذ بتصرفات خاطئة حيث يقود مرات كثيرة إلى إحباطات. هكذا عندما يتحدث مورفي أو أي رسول من رسل " التفكير الإيجابي" عن النتائج الإيجابية يقول نصف الحقيقة.

بعض المجموعات تستعرض كبراهين على النتائج الإيجابية لروشتة التفكير الإيجابي، إعترافات مرضى سابقين. لكن مثل هذه الشهادات ليست لها أي قيمة موضوعية.

كون أن أحد يمارس نقد لـ " الأسلوب" أو " المنهج" الذي ينتهجه رُسل " التفكير الإيجابي" أو يكون له موقف سلبي تجاهه، هذا يعني أن هذا الشخص ليس لديه "الشرط الأساسي" للنتائج الإيجابية، الثقة في قدرة " الروشتة" الموصوفة. وهذا يعني أيضًا أنه يمارس " التفكير الإيجابي" وأنه تحت سطوة الأفكار " السلبية"، الأمر الذي يقود بلا مفر إلى الحالات السلبية! لأجل هذا أي نقد أو شك يُعبر غير مسموح به. لذلك يشدد ثيوفان بوكا θεοφνη Μποκα على أنه غير مسموح بنقد منهج " التفكير الإيجابي"، ولا يجب أن يُشكك أحد في نتائجه أو يثق في " الظواهر" التي تخدع حتى لو رأى أحد من أحبائه يموت جراء مرض مخيف، يجب أن يثق في أنه في كامل صحته، وأنه بالفعل قد إستعاد  صحته حتى لو أنه خارجيًا يبدو غير ذلك . إن منهج ثيوفان النفسي الديناميكي - كما يؤكد هو نفسه - هو قادر على كل شيء.

كل الذين يستخدمون مصطلح " إيمان أو ثقة" بدلاً من مصطلح " التفكير" يصفون شواهد كتابية كثيرة تتحدث عن الإيمان والصلاة، وييشددوا على انه لا تستطيع أن تصلي لأجل شيء مرتين لأنه عندما تفعل هذا تُعلِن بهذه الطريقة أنك لا تؤمن بأنك نلته . وهذا هو التفكير السلبي(أو الإيمان السلبي) الذي يقود إلى الإخناق. لأجل هذا يوصون: لو أن أحد " قد صلى" و "طلب" أي شيء من " الله"، يجب بعد ذلك أن يعبر فقط على ثقته بأنه " نال" هذا الشيء و " يشكر"، ولا يكرر طلب هذا الشيء في " الصلاة"!

هكذا " التقنية" فيما يخص مسئولية المُعالج في حالة الإخفاق قد غُطت تمامًا. الإخفاق لا يُحسب على " المُعَالج" بل على الضحية ذاتها التي لم تُظِهر " ثقة أو إيمان". هذا الأسلوب يقود أُناس تُعساء كثيرين إلى اليأس. لماذا إذن يقود أُناس تُعساء كثيرين إلى اليأس. لماذا إذن لا نحسب سبب الإخفاق على المُعَالجِين ذاتهم، طالما أن تجريم ضحاياهم بمثابة أيضًا تفكير سلبي؟

وفق " الروشتة" ينبغي عليهم أن يفكروا " إيجابيًا"، بأن المرضى " يفكرون أيضًا بأكثر إيجابيًا"، " يُوجدوا جميعًا في إنسجام تام مع أجسادهم" و " كل يوم يصيرون أفضل"! . أيًا كان الأمر، حركة " التفكير الإيجابي" لا يمكن أن تُوصَف بأنها " منهج علمي". لأجل هذا عُلماء عِلم النفس والطب النفسي يرفضون هذا المنهج ويعتبرونه خطر على الصحة الجسدية وسلامة الناس الفكرية.

ليس لدى " رُسل التفكير الإيجابي" الشروط الهامة التي تجعلهم ينخرطون في مواضيع الصحة، ولا تتوفر لديهم الشروط القانونية التي تعزر ممارساتهم في مجال الصحة. لذلك بطرق متنوعة يبذلون جهودًا للإفلات من القانون ويمارسون عملهم في مجالات أخرى بها ثغرات قانونية يقول E. Freitag في كتابة   " أعرف قوتك الروحية" " لا تدع ذهنك يقنعك بأن ليس لديك تصريح أو أنك تحتاج إلى أن تدرس. إنه من السهل أن تطلب أحد وأن تبدأ معه شيء جديد تمامًا. الآخر لديه دبلومه، أنت لديك أموال أو فكرة. على سبيل المثال أحد معارفي لديه عيادة علاج طبيعي بدون أن يكون مُعَالِج عمليًا هذا ليس مشكلة تمامًا"! [ إقتباس منThomas Kirshcner, Positiv: NNenken. Kraftig zahien, PH II, 1988, P.35].

مسألة ثغرات القانون هي محسوسة جدًا هذه الأيام. لأجل هذا علماء نفس مشهورون وأطباء علم نفس وآخرون متخصصون ينبهوننا إلى الخطر ويطلبون سَن إجراءات قانونية لمواجهة التهديد الذي يأتي من مجموعات "التفكير الإيجابي".     

ينتهي تونيس Tonies في بحثه الذي ذكرناه (PH II/ 1988, PP. 22-28) إلى نتيجة بأن هؤلاء المدعون معالجون ينظمون مؤتمرات يعرضون فيها زيفًا حالات شفائية ليستغلوا لصالحهم إحتياج كثيرين من التعساء للمساعدة . ذكر هيرمان Hermann J. Elling في معهد « Rica – Institut Munster» قائلاً: " يوميًا أتقابل مع أُناس سقطوا في مصيدة مثل هذا العلاج النفسي. تعبيراتهم (عرضهم) هو تقريبًا واحد: بعد غسيل مُخ، يمتليء المرضى المعذبين (الزبائن) بالرجاء في أنهم من الآن فصاعدًا لن يكونوا إلا أفضل من قبل. لكن التفكير الإيجابي لا يحفظ هذا التحسن عكس ما يدعيه الذئاب الذين يرتدون ثياب الحملان عندئذٍ يصير من الواضح بعد أن حلّقوا في الأعالي على سُحب الأمنيات، يضربون رؤوسهم بغطاء الإنا الذي أرادوا به أن يغطي وعاء مشاكلهم. وعندما يصير كل هذا واضح بأن النتيجة ليست كما كانوا يأملون، يلقى المعالجون عليهم الذنب قائلين: لم تمارس ما قلناه بطريقة صحيحة. هذه الكارثة تدفع ذاك الذي يطلب مساعدة أعمق إلى مستنقع يحاول أن يخرج منه وهو يشد شعره. وبعد جلسات الشفاء هذه يسقط المريض سقوطًا مريعًا من أعلى سُحب الأمنيات لتصل حالته أسوء مما كانت عليه من قبل. هكذا ينبغي على المعالجين الحقيقيين أن يهتموا بهؤلاء الضحايا لكي يمتثلوا للشفاء حتما بعد سنين عديدة من العلاج" (H. I. Elling, ΠH2/ 1989, P. 65-66)

هذه الأمور كبرهان على أن " رُسل التفكير الإيجابي" الذين يزعمون أن منهجهم هو علمي، يرتكبون الخداع. هؤلاء المعالجون كما قالت مجلة Psychologie Heute (II/ 1999, P. 22) يستغلون وضع صحيح بأن الإنسان يمكن أن يُلهِم ذاته بالشجاعة ويستخدم أفكاره ضد الخوف والأحباط. والعلاج النفسي الحقيقي يعترف بدور " الحوار أو التأمل الداخلي". لكن أن يجعل أحد هذا الأمر مطلق ويفرض " التفكير الإيجابي" مثل " وصفة أو روشتة عامة" فهذا عمل إجرامي. يجب على الدولة أن تحمي مواطنيها من مثل هذه الإستغلالات حيث تضع حياتهم وإتزانهم النفسي في خطر.

 الرؤية المسيحية

يجب أن نشدد على أن " الوصفة أو الروشتة" الجديدة تستند على أفكار ضد تعليم المسيحية عن الله والعالم والإنسان. بحسب الإيمان المسيحي، الله هو ثالوث وشركة أشخاص ليس هو قوة غير مشخصنة تنتشر في كل مكان. على النقيض، وفق إعتقادات رُسل التيار الجديد، لا يوجد إله شخصي. الله عندهم هو " بداية أو أصل الحياة الكونية" أو مجرد " روح" منتشره في كل مكان. ويشددون على أن هذا هو الذي يذكره الكتاب المقدس، " الله، براخما، كلي الروح،.. الخ" ( J. Murphy, Die Kosmische Dimension, P. 102)

يقول مورفي Murphy: " الله يصير لكم هذا الذي تدركوه عن الله.. سواء تسمونه الثالوث القدوس أو الخالق، سواء الله ، أو براخما، أو العناية العظمى ، أو الحكمة غير المحدودة أو الحضور في كل مكان، أو صانع الكون أو الروح الإلهية، أو الكائن الأعلى، أو بداية أو أصل الحياة، أو الله الحي أو القدرة الخلاقة، لا يهم الأسماء" [1].

 " الله" الذي تكرز به حركة " التفكير الإيجابي" هو " إله آخر"، ليس هو إله الكتاب المقدس الذي قال: " أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ.لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ " (خر2:20ـ5). ليس هو ذاك ، الذي في شخص الإبن وكلمته وضح ، قائلاً : "  أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو6:14). لا يوجد أي شيء مشترك بين إله المسيحيين الشخصي وبين " الله داخلنا" . في       " التفكير الإيجابي" مكان الله يأخذه الإنسان ذاته ، إذ يقول مورفي Murphy، داخلنا توجد القوة الإلهية غير المحدودة. هذا يذكرنا بفكر ساكني السامرة عن سيمون الساحر: " هذا هو قوة الله العظيمة"! (أع10:8).

مؤمني " التفكير الإيجابي" يلتفون عشقًا حول ذواتهم ويعكسون المحبة الذاتية. يتحدث مورفي عن هذا الأمر " المحبة تجاه الذات" وتقول " تعني بالمفهوم الكتابي الصحيح (!)، أن نعرف الروح المُحي داخلنا، أن نكرمه ونمجده ونوقره ونكون مؤمنين له بدون حدود"[2].

هنا، قدرات الإنسان تصير مطلقة ويؤله الإنسان ذاته في هذا الإتجاه حيث يسيطر " التفكير الإيجابي" على المجموعات المسماه " العصر الجديد". آمال هذه الحركة عُبِّر عنها بواسطة جلوريا ستينليم Gloria Steinlem: " أتمنى في عام 2000م أن نربي أولادنا على الإيمان بقدرات الإنسان وليس بعد على الإيمان بالله"، على هذا الأمر تهدف كل العبادات النفسية التي تلتف حولها المجموعات التي تعرض روشتة " التفكير الإيجابي".

يشددون على أنه لكي يحقق أحد نتائج أفعاله، من الضروري أن يتبع التقنيات والأساليب التي يقدمونها في السناريوهات المختلفة[3].

يستخدم Murphy وكذلك جوزي سيلفا Jose Silva وآخرون شواهد من الكتاب المقدس ومصطلحات مسيحية. لكن هذا لا يبرر إعتقادات " التفكير الإيجابي" على أساس الإيمان المسيحي. حين يتحدث هؤلاء عن الإيمان يقصدون شيئًا ليس هو خارج الإنسان بل داخله ، فكره وحالته الذهنية. " الإيمان" يعني هنا التفكير الإيجابي، الإقتناع بقدرات ذواتنا غير المحدودة، بقدرات اللاوعي غير المحدود، التي تتطابق مع " الله" لا يوجد إختلاف بين الإيمان والتفكير هكذا يقول مورفي Murphy لذلك لا يحتاج الإنسان إلى الإيمان بقوة ما خارج ذاته. ببرمجة الإيمان أو الفكر يمكن أن يتغير كل شيء "هذا الذي تؤمنوا به يصير" (Die Gesetze, P.35).     " فكروا حسنًا، النتيجة تكون حسنة ، فكروا في السيء يتبعه سيء"[4].

هذا النوع من " الإيمان" هو نابع من موقف التفكير فقط والثقة في قوة اللاوعي. مثل هذا " الإيمان" يُسند بواسطة تقنيات المجموعات المختلفة التي تَعِد بصناعة الإنسان السوبر «υπερανθρωπος». 

 " الإيمان" له صلة بقدرات سرية توجد زيفًا في داخل الإنسان، القدرات التي يعد ساحر " التفكير الإيجابي" بأن تتفعل وبحسب رغبات الإنسان. هكذا هذا الإتجاه يرتبط بالمجموعات وطقوسها الساحرة .

حتى لو صار حديث عن يسوع المسيح أو إستخدام شواهد كتابية، لن يُحدد " الإيمان" محتوى المصطلح المسيحي. الإيمان المسيحي له صِلة بالله الذي هو شخص وليس قوة " كونية" غير مشخصنة لا يخص ذواتنا ولا يمثل قوة في حد ذاتها تعمل لأن الإنسان يؤمن بها. لو كانت هكذا، لن يكون هذا إيمان بالله بل بقوة تُوجه تجاه الله، بهدف إجباره على أن ينفذ ما يؤمن به الإنسان، إنه نوع من برمجة الله لكي ينسجم مع الإرادة البشرية!

يقولون إذا شُفيَّ الإنسان فلأنه صَدَقَ بأن الشفاء سوف يصير، القوة تُوجد في فكر الإنسان. عندئذٍ " الله" سيكون فقط وسيلة " مساعدة" لتعزيز الفكر أو كما قيل: " مخدر يُنَشِط قليلاً إيماننا، ولو أن الكل يعمل بناموس النجاح، عندئذٍ الله ليس له أي ضرورة ونعمته بلا معنى"!.

يقبل المسيحي الإيمان ليس كأنه نتيجة محاولاته بل كأنه عطية الله، مثل ثمرة الروح القدس. أيضًا يؤمن أن الفرح الحقيقي والسلام هما عطية الله، ليس من نتائج تقنيات تُقدَّم بمكافأة سامية للسيناريوهات المختلفة لحركات " التفكير الإيجابي".

غلاطية 22:5: " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ ". كل مؤمن مسيحي لا يثق في ذاته، في     " قدرات" داخله، بل ينتظر معونة " من خارج". إيمانه يخص الله ، ليس الإيمان بالإيمان. هذا ما يؤكده الكتاب المقدس: " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ :«لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ" (مر22:11).

هذا الإيمان هو " مفتوح" للتقويم " من الخارج"، ليس " من الداخل" كما يكرز على سبيل المثال Jose Silva حيث يتحدث عن التقويم وبحث أتباعه أن يتأملوا كلمة " غير ساري المفعول، غير ساري المفعول" ! إيماننا ليس هو تأملي بل يتضمن حفظ وصايا الله بهذه الطريقة تنمو علاقة الطاعة بين الإنسان وموضوع الإيمان أي طاعة الإله الصالح. المسيحي يُحَث بأن يجاهد لأجل الإيمان الذي أُعطيَّ مرة واحدة للقديسين (يهوذا 3) ليس لأجل إيمان يتطابق مع رغبات شخصية. " إيمان" مجموعات " التفكير الإيجابي" هو نوع من الإيحاء الذاتي يؤمنوا بأن النتيجة لا تعتمد على إرادة إلهية ، بل على يقين " الإيمان"، على التوتر الذي  يُمارسه " التفكير الإيجابي".

بالنسبة للمسيحي، كل شيء يُوجَد في سيادة الله وذاك يقسم مواهبة وفق إراداته:

1كو28:12ـ30 : " فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟".

عب4:2 : " شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ".

لكن التفكير الإيجابي أو " الإيمان" "كل شيء هو لكم أنتم الخالقون، يكفي أن تفكروا بطريقة خلاقة". هكذا سيادة الله سُلِمَت إلى قوة التفكير سواء إيجابي أو سلبي. " السيد" المطلق هو " التفكير" أو  " الإيمان" و " الله" يجب أن يعمل هذا الذي ننتظره منه، لأن كل ما نفكر فيه ونؤمن به يجب أن يتحقق بإجراءات آلية ذاتية، ليست الحاجة إلى علاقة محبة شخصية مع الله بكونه شخص.

يزعم مورفي Murphy بأن هذا الإيمان يمكن أن يُعزز بـ     " الصلاة". لكن أيضًا هنا يُستخدم المصطلح المسيحي بمحتوى آخر " صلوات" مورفي هي في الحقيقة " مناقشة مع ذواتنا" ، يقول مورفي: "مسيحيون، بوذيون، محمديون ويهود تُستجاب لصلواتهم بطريقة واحدة... فقط وفقط لأنهم روحيًا ونفسيًا لديهم قناعة بأن صلواتهم تُستجاب... أساسًا كون أن صلاة تُستجاب، ليس شيء آخر إلا أنها تمثل تحقيق لبعض رغبات القلب". وأيضًا يتحدث مورفي عن " الصلاة العِلمية" وبهذا المصطلح يقصد " العمل المنسجم للقدرات الروحية الواعية واللاوعية التي تُستخَّدم لتحقيق هدف معين بمعونة مناهج عملية آمنة"[5]. لو أحد صلي بطريقة صحيحة، عندئذٍ يُوضع ناموس كوني للعمل ويجلب نتائج، لا يمكن أن تصير شيء آخرًا ! هذا الفكر يسود أيضًا على مجموعات خمسينية أمريكية حيث يتبعون حركة تُدعَّي " الإعتراف الإيجابي".   

هكذا يقول شارليس كابس Charles Capps زعيم هذه الحركة: " ليست مجرد نظرية بل واقع حقيقي. هنا نتحدث عن ناموس روحي. يعمل كل مرة بشرط أن نفكر بطريقة صحيحة فالمرء يصنع النواميس الروحية مباشرة في وضع الحركة، مجرد أن يعبر بكلمات... عندئذٍ كل ما يقوله سيحدث". القس يونجي شوي Yonggi Choe من الحركة ذاتها يؤكد هذا الأمر: " بالقول الذي نعبر عنه نخلق بمفردنا الظروف والعادات"[6].

هنا يدعون أن الله ذاته يخضع للنواميس الروحية. لكن هذا يمثل أساس لكل مشتغل على مسرح السحر وعمومًا في الشعوذة. ليست نعمة الله التي تفعل تلك النعمة التي تستلزم تواضع من جانب الإنسان المدعو أن يطلب رحمة الله. الله يمكن بحسب هذا الفكر أن يكون مجربًا بواسطة " النواميس".

هذا الذي يبقى بالنسبة للإنسان هو أن يكتشف " النواميس" ويطبق وسائل مناسبة لكي يفعلها. هذه هي النصيحة التي نصحتها الحية القديمة لحواء!

هذا مثال واضح روته جلوريا كوبيلاند Gloria Capeland من أتباع " الإعتراف الإيجابي". تتحدث عن تحقيق رغبتها في الحصول على بيت : " لقد لاحظت مع الوقت أن لدي توكيل عن هذا البيت وتوكيل عن الأموال التي أحتاجها أمرك أن تأتي إلىَّ... في إسم يسوع. انتم أرواح خادمة، أذهبوا وإحضروها ليَّ هنا. وطالما نتحدث عن الملائكة... لو أنتم صرتم صوت الله على الأرض، بأن تضعوا أقواله في الأفواه، عندئذٍ إرسل ملائكتك ليعملوا، إنهم مساعدين متدربين ومهرة، يعرفون جيدًا إنجاز ما يُطلب منهم"[7].  

أنُاس " الإعتراف الإيجابي" يقتبسون كثيرًا من الكتاب المقدس، يحثون المؤمنيين بأن يصلوا ويطلبوا من الله ويؤكدوا لهم بأن ما يطلبونه سوف ينالونه، لو لديهم إيمان، سوف ينالون كل ما يطلبونه في الصلاة. وبالطبع لا يترددوا في الإقتباس من الكتاب المقدس (مت7:7، 22).

لكن صلاة المسيحي لا تتوجه إلى اللاوعي الخاص به، لا تتطابق مع " الفكر"، تخص إسم وشخص يسوع المسيح، لأنه هو " الطريق" (يو6:14. مت24:16. 20:18). المسيح ليس هو فقط من داخلنا، ليس هو ذواتنا، يجب أن ندعوه لكي يأتي (رؤ20:3). الصلاة المسيحية تنتظر الكل من الله الذي لا يتطابق مع " قوة الوعي" بل لديه أقنوم شخص الله هو حر في أن يسمع صلواتنا أو لا يستجيب لها. نحن عندئذٍ يجب أن نقول: " لتكن مشيئتك" (مت10:6). الرب يُحبنا، لأجل ذلك لا يُرضي رغباتنا السخيفة التي أحيانًا نطلبها والتي إن حققها لنا سوف تقودنا إلى الدمار. نحن المسيحيون نعرف ما نطلبه في الصلاة ينبغي أن يكون وفق إرادة الله وليس وفق رغباتنا الخاصة وقتذاك فقط يستجيب الله ويتجاوب مع طلباتنا (يو14:5ـ15): " بَعْدَ ذلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ:«هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ». فَمَضَى الإِنْسَانُ وَأَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ".

ينطلق المسيحي دائمًا من المحبة تجاه الله وليس من ذاته. لأجل هذا أيضًا يترجى الله أن يعلمه كيف ينبغي أن يصلي وما الذي ينبغي أن يطلبه في صلاته. إذن الصلاة تخضع لتصحيح الله. يقول لنا الكتاب المقدس إن المؤمن يصلي مسترشدًا بواسطة الروح القدس، وليس بواسطة إراداته الشخصية. (رو15:8): " إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ:«يَا أَبَا الآبُ».

يجب على المسيحي أيضًا أن يهيء قلبه نقيًا، يمكن فقط أن يتوجه إلى الله بالصلاة وننتظر رحمة الله: " وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ. وَبَعْدَ هذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ. وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ . لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ" (يو21:3ـ24). محبتنا للمسيح تمثل شرط محبتنا لله الآب، وشرط لإستجابة صلواتنا التي تصير في اسم المسيح:  يو26:16ـ27: " فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِاسْمِي. وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ الآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ، لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي، وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجْتُ".

إن رُسل " الوصفة ـ الروشتة" الجديدة يكرزون بأن " التفكير الإيجابي" يقود إلى رُقي أعظم وأن " الجانب الآخر" هو غير كافي، لأن الرفاهية لها عِلتها في " التفكير الإيجابي"، وفقط فيها. لكن هذا ليس هو رجاء المسيحيين الكتاب المقدس يشددعلى حقيقة الألم وضعف الصليب الذي يُقيَّم إيجابيًا وليس سلبيًا.

الكتاب المقدس لا يكرز بالسمو الذاتي بل بالإيمان في صليب الرب. كرازة الصليب ليست بالنسبة للمسيحي جهلاً بل فخرًا ونبع الخلاص، الصليب هو " قوة الله" (1كو 18:1، 22-23): " فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، أَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً!" (غلا6: 14): " وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ". السلام بالنسبة للمسيحي يُوسس على صليب المسيح، وليس على " أفكار إيجابية" :

أفسس14:2ـ16 : " وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ"، لا يوجد خلاص من أي مكان آخر.

(أع 12:4) : " وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»، (يو6:14): " قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي".

يعرف المؤمن بأنه ستأتي أيام صعبة ووقت " عصيان": (2تس 1:2ـ2): " ثُمَّ نَسْأَلُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ، أَنْ لاَ تَتَزَعْزَعُوا سَرِيعًا عَنْ ذِهْنِكُمْ، وَلاَ تَرْتَاعُوا، لاَ بِرُوحٍ وَلاَ بِكَلِمَةٍ وَلاَ بِرِسَالَةٍ كَأَنَّهَا مِنَّا: أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ". ويجب أن يسهر ويستعد لأن كل الأمور ستأتي فجأةً: (لو34:21ـ35): " فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ بَغْتَةً. لأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ".

لا تكفي " الأفكار الإيجابية". لم يحررنا المسيح تمامًا من الحزن والضيق، بل على النقيض، قال لنا أنه في العالم سيكون لنا ضيق لكن لا يجب أن نفقد ثقتنا وشجاعتنا، لأن ذاك قد إنتصر على العالم: (مت9:24، 21): " حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ"، (يو13:16) : " وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ"، مَنْ ينكر هذا الجانب من الحقيقة فهو معلم كاذب لو سارت الأمور على ما يرام، فمن السهل أن يصير المرء أحد أتباع " التفكير الإيجابي". لكن في أوقات الأزمة يأتي الوجه الآخر للحقيقة على السطح ويقود إلى عدم الأمان والإرتباك. المسيحي لديه فكر آخر عن السعادة والخلاص يطابق خلاصه بالسلام مع الله والبشر. لا يناله بأنانية لكن في تواصل مع الله وأخية في الإنسانية. لأجل هذا يمكن أن يفرح مع أولئك الذين يفرحون ويبكي مع أولئك الذين يبكون: (رو15:12): " فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ"، (1كو26:12): " فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ".

يمكن أن نشكر الله لأن ظروف حياته هي مفرحة، وأيضًا يشكر الله على الصليب الذي دُعيَّ أن يرفعه في حياته، والأثنان يعنيان الخلاص، وليس واحد فقط: (1تس18:5): " اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ"، (أفسس20:5): " شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ِللهِ وَالآبِ". يجب على ذلك الذي يريد أن يتبع يسوع أولاً أن ينكر ذاته، ولو أراد أن يخلص نفسه، يجب أن يموت لأنه ما الإستفادة لو ربح كل العالم وخسر نفسه؟

(مت24:16ـ26): " حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا. لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟". إننا نرى في حركة " التفكير الإيجابي" العكس. وهذا يبدو من مفهومهم عن الخطية.

الخطية بالنسبة للمؤمن تتطابق مع حكم الإنسان الذاتي لأجل هذا يحث الرسول بطرس: " فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ" (1بط 6:5). الرب ذاته وضع ذاته " وأطاع حتى الموت" ويستنتج الرسول كيف يجب أن يوجد أيضًا لدينا نفس التصرف " فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (فيلبي5:2ـ8).

على النقيض، أتباع " التفكير الإيجابي" يحرصون على أن يكون لديهم إحساس بقيمتهم وأن يحصلوا على " معرفة" قدراتهم. " الخطية" الوحيدة بالنسبة إليهم هي الجهل بالنواميس التي تقدم هذه " القدرات" :

" الخطية تعني... أن تتجاوز مفهوم الحياة وتفقد طريق الصحة والسعادة البشرية والسلام الداخلي" هكذا يقول مورفي[8]. الخطية ليست تمرد الإنسان من محبة الله بل جهل " النواميس" التي تعمل بطريقة ذاتية. هذا يقود إلى المرض والتعاسة.

أن يكون أحد مريض، فقير، متضايق فهذا خطية. الهدف النهائي " للنظام الأخلاقي" هو اللذة. كل التعليم يهدف إلى إكتساب اللذة حيث اللذة تتطابق مع السعادة: " الأموال ليست هي شيء حسن بل شيء حسن جدًا"، " الفقر هو مرض فكري"[9].

مَنْ هو الفقير؟ هو الذي ليس لديه موقف فكري صحيح. الذي يفكر إيجابيًا، يُرضي كل رغباته كون أحد يريد أن " يصلب" ذاته، حتى عندما يخص هذا الأمر خلاص الآخرين، فهذا خطية، لأنه يفقد   " هدفه" الذي هو اللذة وليس الألم: " ان تفقد هدفك أو ان تصل إليه، فهذا خطية لا شيء أكثر أو أقل لأجل هذا إن لم يهدف إلى الرفاهية والسعادة والصحة والسلام النفسي والمحبة والنجاح فهذا خطية"[10].    " التفكير السلبي" هو الذي يجعل المرء خاطيء ويغوص في التعاسة. أليس هذا إنجبل مضاد لمِا بشر به المسيح؟ لم يكرز المسيح بمثل هذا الإنجيل ، على النقيض أتى لكي يطلب الإنسان الخاطيء، ذاك الذي يقبل خطئه ويقوده إلى التوبة. ليس إلى الخلاص الذاتي بل إلى الخلاص في المسيح: (لو32:5): " لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ". (1تيمو15:1): " صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا".

الكتاب المقدس لا يعلم بأن الفضلاء سوف يتنعمون في هذه الحياة، بل على النقيض " جميع الذين يريدون أن يحيو بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون". لأجل هذا يحث الرسول بولس تيموثاؤس، قائلاً: " وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ. وَلكِنَّ النَّاسَ الأَشْرَارَ الْمُزَوِّرِينَ سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَرْدَأَ، مُضِلِّينَ وَمُضَلِّينَ. وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ، عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ" (2تيمو12:3ـ14).

لا يهدف المسيحي إلى الخلاص الذاتي. على النقيض، بالنسبة لحركة " التفكير الإيجابي" الخلاص الذاتي هو الخوف الأسمى الذي يتحقق جراء تأقلم الإنسان للنواميس، التي تعمل بطريقةٍ عمياء.

إن مؤمني " التفكير الإيجابي" لا يهدفون إلى الخلاص في المسيح. ضالتهم لا تُوجد في إنسجام مع طبيعة الإنسان الحقيقية، التي بحسب الإيمان المسيحي هي شركة أشخاص وليس شركة كائن يتمركز حول ذاته لأن لديه إحساس بالإكتفاء الذاتي. لا توجد في إنسجام مع الله كما أُعلِنَ في الكتاب المقدس ولا مع خطة الله لأجل الإنسان. إنها " خلاص" آتٍ من اللاوعي لأجل هذا مقال Iothar Gassmann

الذي نُشرَ في مجلة Factum يحمل عنوان " الخلاص من اللاوعي"[11].

لا يستطيع أن يطلب مورفي أن يتوب أو يطلب غفران من الله ، بل فقط من ذاته " إذا غفرنا لذواتنا سوف يُغفر لنا " ثم يقول " الإدانة الذاتية جحيم، والتبرير الذاتي هو سلام السماء"[12].

مورفي وأتباعه الذين يؤمنون بمعتقداته يظلون بلا غفران وبعيدين عن الخلاص، لأن لا أحد من البشر يستطيع أن يخلص ذاته. والله لا يخلص أولئك الذين لا يرغبون في خلاص الله، لا يخلص أولئك الذين يرفعون إراداتهم فوق إرادة الله. أولئك الذين عن وعي يحتقرون خطة محبة الله ويستبدلونها بخطة " الخلاص الذاتي" بواسطة " المعرفة". الذي يستطيعون أن يحققوه بمعرفة منفصلة عن الله هي معرفة ذواتهم العارية، وليست معرفة الحق التي تحرر: (يو32:8): " وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" هذه الحقيقة لا توجد في لا وعي الإنسان بل هي يسوع المسيح الذي قال: " قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو 6:14).

 

 

       



[1] Murphy, Die Gesetze, P. 67.
[2] J. Murphy, Die Kosmische Dimension, P. 45.
[3] D. Hunt – T. A. Mcmahon, Die Velfuhrung des Christentums, Factum 6/ 1987, P. 9.
[4] J. Murphy, Das I Ging orakel Ihres unterbevvusstseins, Genf 1980, P. 39.
[5] Murphy, Das I ging Orakel, P. 15.
[6] D. Hunt – T. A. Mcmahon, P. 7.
[7] Gloria Copeland, God`s will is prosperity, Harison House 1987, PP. 48-49.
[8] Die Gesetze, P. 45.
[9] Murphy, Davv I ging Orakel, PP. 123-124.
[10] Murphy, Energie aus dem kosmos, Genf 1977, P. 87.
[11] Factum 6/ 1984, PP. 18-28.
[12] I. Gassmann, Factum 6/ 1984, P. 20

الأحد، 5 مايو 2013

لا تلمسيني


لا تلمسيني


د. جورج عوض إبراهيم

نقرأ بحسب إنجيل يوحنا أن المسيح القائم لم يسمح لمريم المجدلية أن تقترب منه ” لا تلمسيني” (يو17:20). لكن بعد أسبوع, دعيَّ المسيح نفسه توما لكي يضع إصبعه مكان الجرِاح (يو24:20ـ29). كيف يتوافق هذان الحدثان؟

            إن تعبير القائم "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلي أبي" (يو17:20), يمثل تعبير من التعبيرات عسرة التفسير. قد يبدو أنه يوجد تناقض في أن المسيح, من جهةٍ, لا يسمح لمريم المجدلية أن تلمسه لأنه لم يصعد بعد إلي أبيه, من جهةٍ أخرى, في نهاية الإصحاح نفسه, وأيضًا قبل أن يصعد إلي أبيه يقول لتوما: "هات إصبعك إلي هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا" (يو27:20).

            في وجهة النظر الأولي, حالة مريم المجدلية يبدو أنها لا تتوافق مع الأحداث الأخري المذكورة في العهد الجديد والتي تؤكد علي البُعد المادي والجسدي في شركة وتواصل القائم مع تلاميذه. هكذا, في نفس الإنجيل الرب القائم يكسر ويوزع الخبز والسمك بيديه علي التلاميذ. وعلي الجانب الآخر, بحسب إنجيل متى فإن حاملات الطيب أثناء تقابلهم مع القائم: "فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له" (مت9:28). وبحسب إنجيل لوقا الرب القائم يمسك الخبز ويباركه ويقطعه ويوزعه  علي تلميذي عمواس (أنظر لو30:24), بينما في موضع آخر في نفس الإنجيل يأكل قطعة من السمك المشوي (أنظر لو 43:24). وفي النهاية, تعبير "وفيما هو مجتمع معهم" الواردة في سفر الأعمال (أع4:1), تعلن بوضوح أن الرب بعد القيامة وحتى الصعود أكل مع التلاميذ وكانت له شركة وتواصل معهم عن قُرب.

بحسب بعض المفسرين, قول المسيح لتوما بأن يلمس آثار الجروح لا يعني أنه لمسَّ جسده. حقًا دعى المسيح توما بأن يلمسه (أنظر يو27:20) لكن توما مضى مباشرةً في إعترافه "ربي وإلهي" (أنظر يو28:20) بدون أن يُذكَّر أنه حقًا لمسَّ الرب. هؤلاء المفسرون نادوا بأن توما قد آمن بالفعل ولم يتجرأ علي لمس ربه وإلهه وإنحصر في إعترافه الذي ذكره. وفق هذا الرأي لا يوجد بالضرورة تناقض بين "لا تلمسيني" و"هات يديك وضعها في جنبي", طالما أن توما لم يتجاوب مع هذا الأمر الأخير.

مفسرون آخرون يعتبرون أنه لا يوجد بالضرورة تناقض بين "لا تلمسيني" وحقيقة أن المسيح ظهر مرات معينة وهو يأكل مع تلاميذه ويوزع لهم خبز وسمك, لأن هذا لا يستلزم, علي أي حال, أيضًا إتصال جسدي معهم. وبالرغم من ذلك يظل بلا تفسير لماذا المسيح يستطيع أن يأتي في علاقة مع أشياء مادية, لكن ليس مع الناس.

أيضًا المقارنة بين "لا تلمسيني" والصورة التي ذكرها متى في (مت9:28) والتي بمقتضاها حاملات الطيب يمسكون أرجل القائم هي صعبة جدًا. فالذي رفضه المسيح في إنجيل يوحنا مع مريم المجدلية يُقدمه بحسب إنجيل متى لكل حاملات الطيب بما فيهم مريم. بالطبع صيغ الرأي بأن الروايتين يكمل الواحدة الآخر كالآتي: لم يُسمح لمريم المجدلية أن تمسك الرب بمفردها (أنظر يو17:20) لكن عندما إبتعدت مع حاملات الطيب عن القبر سُمِح للجميع معًا أن يسجدوا له ويلمسوا أرجله (أنظر مت9:28).

لكن ليس هناك إنسجام للروايتين خاصةً أنه وفق الشهادة الواضحة لنصوص القيامة الواردة في الإناجيل أن الرب القائم كان لديه جسد مادي. كان يستطيع أن يظهر في أماكن مغلقة بدون أن يحتاج لفتح الأبواب (أنظر يو19:20 ،26) ويظهر بنفس الطريقة (أنظر لو31:24) لكن الطبيعة البشرية المقامة لم تُحرم من البُعد الجسدي. يمكن لجسده أن يكون لديه خواص المادة التي هي مماثلة لخواص أجسادنا التي وُلدِت وتحيا في عالم السقوط وتخضع للفساد والموت, لكن جسده القائم لديه نوعية المادة التي سوف تكون لدي أجسادنا بعد قيامة الأموات. لن يكون جسد خيالي بل جسد "في عدم فساد" (1كو42:15), "في مجد", "في قوة" (1كو43:15), إنه "جسد روحاني" (1كو44:15).

لو أن المسيح لم يهتم بجسده المادي, عندئذٍ القبر لن يوجد فارغًا, هو نفسه لن يأكل مع تلاميذه متقاسمًا معهم الخبز والسمك, وبالتأكيد لا أحد يستطيع أن يلمسه.

إذن لماذا قال "لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلي أبي" (يو17:20)؟

توجد آراء تفسيريه كثيرة لهذا النص, نذكر منها الآتي:

1ـ المسيح لم يسمح لمريم المجدلية أن تمسكه لأنها إمرأة. هذا الرأي لا يتمشي مع حقيقة أن المسيح القائم يقدر ويكرم بالحري النساء معلنًا ذاته أولاً لحاملات الطيب (أنظر مت9:28, مر9:16, يو14:20) وبعد ذلك لتلاميذه (أنظر مت 17:28, مر12:16, 14, يو19:20). هكذا كما ذُكِر بالفعل في إنجيل متى, سمح المسيح لحاملات الطيب أن يعبروا عن إحترامهم له ماسكين أرجله وإعترافهم بإلوهيته وتعبيرًا عن محبتهم لشخصه.

2ـ المسيح لا يريد أن يأتي في إتصال جسدي مع البشر حتى لا يتدنس جسده القائم الذي سوف يصعد إلي السموات.

هذا الرأي أيضًا لا يمكن أن يكون صحيحًا لأن الله هو يسمو فوق أي دنس يأتي من الطبيعة البشرية. لأن غير ذلك كان بالأولي أن لا يتجسد.

3ـ مريم تعلن عن نيتها بلمسها للمسيح أن تأخذ عطية روحية علي أساس ما قاله لهم المسيح أنه سوف يرسل لهم المعزي (أنظر يو26:15), المسيح لم يتركها تقترب منه وشرح لها انه مازال لم يصعد لأبيه مذكرًا بأنه طالما الشرط للعطية الروحية هي صعوده وجلوسه عن يمين الآب, ولا يمكن مادام هو موجود علي الأرض, أن يمنح عطية الروح القدس. هذا الرأي يفترض مسبقًا أن مريم, للتو تعرف يسوع, أول ما فكرت هو أن تستغل حضوره لفائدتها, لكن في الواقع مريم تظهر بأنها تتصرف من منطلق محبتها غير المغرضة تجاه الرب.

5ـ رأي مماثل للسابق ينادي بأن مسألة "لا تلمسيني" ليس لديها مفهوم "لا تتكيئ عليّ" بل "لا تمسكيني" بكلام آخر دُعيت مريم من المسيح أن لا تعتمد علي شخصه ولا تتقيد بصورته الأرضية. فقط طالما المسيح سيصعد إلي أبيه ويرسل الروح القدس, سيمكن لمريم ومعها كل الجماعة الكنسية أن تمسكه صانعين شركة معه ليست بعد علي مستوي الأشخاص التاريخيين بل علي مستوي الإيمان والخبرة, هذا لأن الباراقليط سيكون بعد الشخص الذي سوف يجعل الرب القائم قريبًا للمؤمنين. هذا الرأي به صعوبة أن فعل «άπτομαι»: ألمس يمكن أن يُدرك بنفس معني κρατῶ: أي أمسك.
ـ أخيرًا, يوجد رأي يشرح الحدث, بأن المسيح صعد إلي الآب في الفترة ما بين ظهوره لمريم المجدلية (أنظر يو11:20ـ17) وظهوره للتلاميذ (أنظر يو19:20ـ23). هكذا, بينما تجنب الإتصال بمريم, لأنه مازال لم يصعد وبالتالي لم يأت الروح "  لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ " (يو7:16), بعد ذلك قد صعد إلي الآب, يمنح الروح (يو19:20, 21ـ23) معطيًا أيضًا الإمكانية لتوما أن يلمسه (يو27:20). هذه الفرضية تبدو منذ البداية أنها تعطي حل للتضاد الموجود بين الحدثين, لكن لا تستند علي معطيات الرواية الإنجيلية طالما لا يوجد أي برهان في النص أن الصعود صار بين الحدثين. نعم أعطي الروح للتلاميذ ( " وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ:«اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ» (يو22:20ـ23). لكن هذه العطية لا تتطابق مع حلول الروح القدس في يوم الخمسين.

هذه الآراء التي إستعرضناها لا تجيب إجابة كافية علي الصعوبة التفسيرية لآية (يو17:20), إلا أن هناك إمكانية أخري لنفهم هذا النص.

يبدو من سياق النص أن مريم المجدلية وُجِدت في حالة إضطراب وإختلطت الأمور في ذهنها. فهي  مَنْ رأت الحجر مرفوعًا عند مدخل قبر المسيح (يو1:20). ثم بعد ذلك أسرعت واعلنت لبطرس وليوحنا بأنهم أخذوا الرب وأنه غير معروف أين وضعوه والتلميذين اسرعوا تجاه القبر والتلميذ المحبوب آمن وهو يري القبر فارغ (يو3:20ـ8). لكن مريم كانت مازالت في حالة إرتباك لأن جسد معلمها المحبوب قد إختفي. فالإرتباك وثقل الإجهاد العاطفي بدأ من أنها ظلت أبعد من أي منطق خارج القبر الفارغ وهي تبكي (يو11:20). في تلك الساعة ترى أمامها ملاكين لكن لم تكن في حالة أن تدرك هويتهما (يو13:12). هكذا أجابت علي سؤالها لماذا تبكي قائلة للمرة الثانية أنهما أخذوا سيدها وهي لا تعرف أين وضعوه (يو13:20). بمفردها بعد ذلك إلتفتت للخلف ورأت يسوع لكن لم تعرفه أيضًا (يو14:20).

لقد سألها المسيح نفس السؤال وظنت أنه البستاني وتوسلت إليه أن يقول لها إن كان أخذه وأين وضع جسد سيدها حتى تستطيع أن تأخذه (يو15:20), فقط, عندما نطق القائم  بإسمها, للحال رجعت من إرتباكها, وعرفته وهمت بأن تلمسه داعية إياه كما إعتاد التلاميذ, يا معلم (يو16:20). لكن المسيح بعبارة "لا تلمسيني" إتخذ مسافة ولم يسمح لها أن تعبر عن فرحتها. ولم يفعل ذلك لأنه يشك في نيتها الصالحة أو محبتها العميقة. فعل هذا لكي يبلغها بكل وضوح أن الذي أمامها ليس مجرد معلم, بل الإبن وكلمة الله المتجسد والقائم.

أيضًا في حياته الأرضية إتخذ مسافة بينه وبين أشخاص محبوبون له حتى يصير مدركًا بكونه الله وأنه لا يمكن أن ينقاد من إحتياجات ورغبات بشرية, بل لديه تحكم كامل لكل الحالات ويعمل عندما هو يريد. والمثل الواضح لهذا الأمر ما قاله لأمه "ما لي ولك يا إمرأة" (يو4:2), عندما طلبت منه مباشرةً أن يتدخل ويعطي حلاً لمشكلة نقص الخمر في عرس قانا الجليل.

إذن المسيح برَّر قوله "لا تلمسيني" حين أضاف قائلاً :"لأني لم أصعد بعد إلي أبي". هنا نشأت مشكلة جديدة لو الآن هو لا يُقتَّرب منه حيث لم يصعد بعد إلي أبيه, كم بالحري سيسري هذا الأمر, عندما إبتعد أصلاً من العالم؟ لكن هذه المشكلة يمكن أن تُحَّل لو دخلنا إلي عمق التعليم اللاهوتي المختفي في هذا التعبير.

مريم المجدلية, مثل معظم مَنْ تبعوا بثقة المسيح, لم تكن قد إستطاعت أن تدخل بعمق في سر لاهوته. لأن غير ذلك ما كانت تحزن وهي تري القبر فارغ بل كان عليها أن تفرح مدركة أن المسيح قام كما سبق وقال لهم. الآن, إذن,حيث تري أمامها القائم تقترب منه من جديد كمعلم لها, حيث بالنسبة لها لم يتوقف عن أن يكون إنسان عادي. سبب سوء فهمها لا يوجد فيها هي ذاتها بل في حقيقة أنها مازالت لم تأخذ الروح القدس الذي سيجعلها قادرة علي إدراك شخص الرب وعمله وتعليمه, وفق ما أعلنه: " بِهذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ " (يو25:14ـ26).

بالتالي, مريم المجدلية لا ينبغي أن تنتظر بأنها سوف تستطيع أن تقترب من المسيح لأن أبيه مازال لم يرسل الروح القدس الذي سوف يفتح ذهنها ويُعطيها القدرة أن تدركه حقًا. محبة مريم للمسيح لم تكن كافية. كانت تحتاج إلي المعرفة المستقيمة عنه, والتي سوف يمنحها لها الروح القدس معطيًا إياها المقدرة أن تقترب لشخص سيدها المحبوب.

هذا الروح القدس منحه القائم خاصةً لتلاميذه, بالفعل قبل الصعود وقبل يوم الخمسين. هذه العطية قد أخذها  أيضًا توما بالرغم من أنه كان غائبًا عن إجتماع التلاميذ في اللحظة التي منح فيها الرب القائم الروح القدس للتلاميذ. إن عطية الروح القدس منحت للتلاميذ المقدرة أن يدركوا ويعترفوا بهوية يسوع الحقيقية. وتوما نائبًا عن باقي التلاميذ يعترف ويقر بأن يسوع هو "الرب والإله" وعلي أساس هذا الإعتراف يمكن أن يقترب من المسيح القائم ليس علي أساس أنه معلم محبوب بل بكونه كلمة الله المتجسد.

   

     

السبت، 4 مايو 2013

مكاسب القيامة

مكاسب القيامة
د. جورج عوض إبراهيم
ما المكاسب التي حصلنا عليها من القيامة ؟
أولاً : أعطتنا المسيح الحيّ . دُفن المسيح ثلاثة أيام في القبر، وبدا ان الموت قد إبتلعه مثلما بلع الحوت يونان النبي . في النهاية أخرج الحوت  يونان حياً . هكذا أيضاً الموت تقيأ المسيح حياً. لماذا تقيأ الحوت يونان حياً ؟
لأنه لم يجد في يونان طعاماً مناسباً ، أي طعامه المعتاد . لقد بدا له يونان انه طعام غير معتاد عليه ، لذلك لم يستطع ان يفترسه ويهضمه . أُجبر ان يًخرجه حياً.
والوحش الذي يُسَمىَ الموت  تقيأ المسيح حياً لأنه لم يجد فيه الطعام الذي يعرفه. طعام الموت هو الخطية. المسيح كان لا علاقة له بالخطية. بالتالي بالنسبة لمِعدة الموت كان المسيح ثقيل جداً ولا يُهضم ( ق.ذهبي الفم ( ΕΠΕ31,294  ) 
بالقيامة خرج المسيح الحيّ الذي هو حجر الزاوية الثمين.
عندما يبتلع أحد حجراً ، أولاً تحاول المعدة ان تفرز سوائل لهضمه . إن فشلت في هذا الأمر ووجدت ان هذا مستحيل، عندئذٍ تتقيأ الحجر بألم شديد.   مثل هذا الأمر حدث مع الموت. حينما بلع يسوع المسيح الذي هو حجر الزاوية ، الحجر الثمين . لم يستطع ان يهضمه ليحلله ويُخفية . أًجبر ان يطرده خارجاً بآلام شديدة.  وهو يتقيأ يسوع المسيح تقيأ معه كل الطعام الذي كان في معدته . أي كل الطبيعة البشرية. بقيامة المسيح  قامت كل البشرية (  ΕΠΕ31,294-296).

ثانياً : بالقيامة خرج الموت ميتاً ! بدلاً من ان يبتلع المسيح أُبتلع هو ذاته : [  وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ» ] 1كو54:1. قيامة المسيح ألقت خارجاً عُقم الموت .
لدينا في العهد القديم ولادات معجزية من نساء عاقرات، مثل ساره أم إسحق، رفقة أم يعقوب ، حِنه أم صموئيل ، أليصابات أم يوحنا السابق . هؤلاء ولدن بطريقة معجزية.
هذه الأحداث المعجزية تشير إلى ولادة الإله المتأنس ليس من عاقر بل من عذراء. إنها ترمز لولادة حشد من الأولاد من كنيسة كانت عاقر قبل المسيح. تشير إلى القيامة من أرض عاقر وقبر عاقر. تشير إلى عُقم الموت. يقول القديس ذهبي الفم : " قد سبق للعاقرات ان تلد لكي تؤكد ولادة العذراء. وليس هذا فقط . لو تفحصنا الأمرجيداً هذا الأمر يصور لنا عُقم الموت " (ΕΠΕ31,296 ) .
ولادة إسحق من سارة العاقر ترمز إلى قيامة المسيح من أرض عاقر. مثلما ولادة إسحق كانت إختبار الإيمان لآبرآم ، هكذا قيامة المسيح هي إختبار الإيمان لكل مسيحي. ومثلما صار إبرآم أب لأناس كثيرين وللأمم ، هكذا المسيح بقيامته صار أب لكثير من المسيحيين. بقيامة المسيح أُصيب الموت بالعقم . كان للموت أجنة في الهاوية . والآن بالقيامة جُرد الموت وصار ميتاً. أيضاً القيامة أبطلت خوف الموت . لن نحيا مرعوبين من الموت . لن نهابه.

ثالثاً : قيامته تمثل ضمان لقيامتنا. يقول القديس ذهبي الفم : " بعدما مات حقاً ، قام. لأجل ذلك أيضاً كان مع تلاميذه لمدة أربعون يوماً لكي يُخبرهم ويُظهر لهم كّم البهاء الذي ستكون عليه أجساد كل المؤمنين بعد القيامة " ( ΕΠΕ31,246)  . بما ان المسيح هو الرأس ونحن جسده ، هل يمكن ان يقوم الرأس ويظل الجسد ميت؟  إذن قيامة المسيح تعني قيامة أجسادنا. وحيث أننا قمنا نرى بالرجاء الحياة. نواجه بجرأة الضيقات والآلام : " نعاني في الحياة الحاضرة من آلام شديدة. إن لم يوجد رجاء في الحياة الأخرى عندئذٍ مَنْ هو الآخر الذي هو أتعس مِنا؟ " ( ΕΠΕ31,602,604).
رابعاً : القيامة أعطتنا أن نحيا حياة جديدة ، فالقيامة تُعيد إحياء الإنسان . فالعالم يجعلنا نشيخ أما المسيح يعيد إحيائنا مرة أخرى. المسيح بقيامته من القبر أخذنا نحن الخطاه العجزة والذين على وشك الموت وجعلنا شباب وأُمراء لممالك. منحنا الشباب الأبدي.

إذن ثمار القيامة هي :
إماتة الموت
رجاء الحياة الأبدية
حضور المسيح الحيّ
ربيع الحياة الروحية
السلام الحقيقي والفرح الحقيقي


                                                                   

الجمعة، 3 مايو 2013

هل العذراء مريم هي الأولى - من حاملات الطيب - التي رأت المسيح القائم ؟


هل العذراء مريم هي الأولى - من حاملات الطيب - التي رأت المسيح القائم ؟

ملحوظة : هذه المقالة مجرد طرح جديد يقبل النقاش

                                                                            د.جورج عوض إبراهيم


حاملات الطيب هي النساء اللاتي تبعن الرب مع أمه ، ظلوا معها أثناء الآلام الخلاصية وحرصوا على دهن جسد الرب بالطيب . عندما طلب كل من يوسف الرامي ونيقوديموس وأخذا من بيلاطس جسد الرب ، أنزلاه من على الصليب ولفاه بملاية مع عطور وأطياب مختارة ووضعوه في قبر جديد ووضعوا على باب القبر حجراً كبيراً ، وكانت توجد هناك ، بحسب إنجيل مرقس ، مريم المجدلية ومريم الأخرى جالسين أمام القبر. مريم الأخرى كان يقصد أم الرب . ولم يكن هؤلاء فقط هناك ، بل نساء أخريات كما ذكر الإنجيلي لوقا .

قيامة الرب هي إعادة تجديد للطبيعة البشرية وإعادة خلق ، والصعود مرة أخرى إلى حياة آدم الأولى غير المائتة ، آدم الذي أُغرق من الموت بسبب الخطية وبواسطة الموت رجع إلى الأرض التي خُلِقَ منها . إذن مثلما ذاك في البداية لم يراه أي إنسان ، حيث لم يكن يوجد أحد تلك الساعة ، بعدما أخذ هو الأول نسمة الحياة بالنفخة الالهية رأته إمرأة ، لأن بعد الإنسان الأول خُلقت حواء . هكذا آدم الثاني ، أي الرب ، عندما  قام من الأموات لم يراه أي إنسان - طالما لم يكن موجود أحد من خاصته والجنود الذين كانوا يحرسوا القبر مرعوبين من الخوف صاروا كمثل الأموات - وبعد قيامته رأته في الأول إمرأة .

إذن ، بعدما أعدّت حاملات الطيب الأطياب والحنوط بحسب  الوصية إسترحن يوم السبت .

يقول القديس لوقا: " ثم في أول الأسبوع ، أول الفجر ، أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددته ، ومعهن أناس .....وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن .... " لو1:24-10 .

 بينما يقول القديس متى : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى " مت1:28.

وكذلك القديس يوحنا يقول : " وفي اول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر  باكراً والظلام باقٍ " يو1:24 ، اما القديس مرقس : " وبعدما مضى السبت أشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه . وباكرا جدا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس " مر 1:16-2 .

أول الأسبوع المذكور في الأناجيل هو يوم الأحد . بناء على هذا، عبارات مثل : باكر جداً والظلام باقٍ،  أول الفجر ،  تدل على وقت الفجر وامتزاج النور مع الظلام . ويبدوا بالطبع ان الإنجيليون يختلفون مع بعض بخصوص الوقت وعدد النساء . حاملات الطيب كانوا كثيرات وأتين إلى القبر ليس مرةً واحدة بل مرتين أو ثلاثة ،  أتين في صُحبة ، لكن ليس  بالضرورة  في كل مرة نفس الأشخاص  ، وجميعهن في الفجر لكن ليس في نفس الوقت بالضبط . هكذا نرى ان أول من أتت إلى قبر إبن الله هي والدة الإله ومعها مريم المجدلية . وهذا الإستنتاج من إنجيل متى لأنه يقول : " وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى "  التي كانت هي أم الرب ،  " وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ " مت 2:28-4.

نعتقد أنه لأجل والدة الإله فُتح القبر ( لأنها هي الأولى التي لأجلها ومن خلالها فُتح لنا كل شيء  سواء في السماء أو في الأرض ) ولأجلها أبرق الملاك لكي ترى القبر الفارغ والمعجزة العظيمة بوجود الأكفان بدون المسيح القائم , وواضح ان الملاك المبشر هو غبريال الذي أعلن حقيقة القيامة مظهراً القبر الفارغ وقائلاً لحاملات الطيب ان يخبرن التلاميذ . وعندئذٍ " خرجن بخوف وفرح عظيم " .

ونعتقد  أيضاً أن الخوف إنتاب مريم المجدلية والنساء الأخريات ، بينما أم الله فرحت فرحاً عظيماً لأنها أدركت أقوال رئيس الملائكة المفرحة التي صدقتها  أكثر من الأحداث التي تستحق التصديق  ، مثل : حدث الزلزال وتحرك الحجر والقبر الفارغ والأكفان الخالية من الجسد . والسبب الذي جعل الإنجليون لا يبرزون شهادة العذراء لقيامة الرب ورؤيتها له من منطلق أنها كانت أُم الرب وشهادتها بالنسبة لغير المؤمنين شهادة مجروحة . لذا كانت مريم المجدلية أحد الشهود الأساسيين لقيامة الرب في الأناجيل .

هكذا والدة الإله هي الأولى التي تعرفت على القائم ووقعت عند قدميه وصارت رسولة تجاه الرسل ، وأثناء عودتها ظهر يسوع إلى حاملات الطيب ، قائلاً لهن : " سلام  " . وكما رأت حواء الأولى لأول مرة آدم الأول بعد أن قام من السُبات العميق ، هكذا العذراء مريم ، حواء الثانية هي الأولى من حاملات الطيب التي رأت يسوع  بعدما قام .












الأحد، 28 أبريل 2013


السلطة الدينية تحرض الشعب الجاهل على صلب يسوع ( مقال قديم حديث )


د جورج عوض ابراهيم

ما الذى جعل الشعب يطلب صلب المسيح؟

ألم يهتف منذ قليل للمسيح اثناء دخولة الانتصارى الى اورشليم ، قائلاً : اوصنا فى الاعالى مبارك الآتى بإسم الرب؟

لماذا صرخ الشعب طالبين من بيلاطس: اصلبة اصلبة بل وفضلوا اللص باراباس عن المسيح؟  

ألم يكن يسوع يجول بينهم ويشفى كل مرض ويُخرِج الشياطين؟

 ألم يدافع المسيح عن عامة الشعب الفقراء والمظلومين؟ ألم يشاهد هذا الشعب يسوع وهو يقيم الموتى؟

ألم يشبع الآلاف منهم بخمس خبزات وسمكتين؟ ألم يعلم فى الهيكل وبُهتوا من تعاليمة؟

ما الذى جعلهم يصرون على موت المسيح قائلين : اصلبة اصلبة دمه علينا وعلى اولادنا؟

الاجابة على كل هذة الاسئلة هى : السلطة الدينية وخوفها على مكانتها دفعها الى شحن الشعب الجاهل ضد المسيح. والشعب الذى لا يملك حرية الفكر والمعتقد تلعب به السلطة الدينية كيفما تشاء. الشعب الجالس فى ظلمة العقل يسيرمسلوب الارادة وراء زعماءة سواء كانوا زعماء دينيين او سياسيين. هكذا زيفت السلطة الدينية ارادة الشعب وغيبت تفكيرة وأدعت ان يسوع هو مجدف على الذات الالهية اذ جعل نفسة مساويا لله . طبعا كونه مساوٍلله الآب هذا صحيحا لانة الماسيا ابن الله ، وعندهم النبوات ونصوص العهد القديم بمجىء الماسيا ابن الله لكن رفضوا ان يشهدوا للحق . رفضوا رؤية الحق فى شخص يسوع المسيح مع انه اظهر لهم بأقوالة وتعاليمة واعمالة انة الماسيا مشتهى كل الامم. لكن ماذا نفعل امام حبهم لسلطة العالم الحاضر ومكانتهم امام اعين الشعب. لقد اقنعت السلطة الدينية الشعب بأن يسوع ليس هو ملك اسرائيل المنتظرلأن مواصفات مملكة يسوع كما اعلنها هو علانيةً والتى ليست من هذا العالم لا تعجب الرؤساء الدينيين لانها تفضح تقواهم المزيف : اين هم من المحبة والتواضع والغفران للآخرين؟ اين هم من عبادة الله بالروح والحق؟ اين هم من الاحسان للفقراء والانحياز للمهمشين والمقهورين؟ الهوة شاسعة بين يسوع والسلطة الدينية. لقد هزم يسوع السلطة الدينية وكشف حجمها الحقيقى فى فهمها لنصوص العهد القديم وفى مزايداتهم على وصايا الله. لم تتحمل هذة السلطة شخص يسوع الذى فضح أكاذيبهم، فدبروا خطة للتخلص منه. لجأ اذن مكرهم الى الشعب الجاهل ليأخذوة ستار يغطى مخططاتهم الشريرة وأقنعوا الشعب انه مجدف مع انهم فشلوا فى تلفيق التهمة عن طريق الشهود، إذ تناقضت اقوالهم بعضها لبعض، ولعب رئيس الكهنة حنّان تمثيلية مكشوفة ومزق ثيابة وقال ما حاجتنا الى شهود لقد جدف معتبرا ذاتة مساويا لله. السلطة الدينية الفاسدة ترتكب الجرائم وتغلفها بثوب روحانى وكأنها تدافع عن تعاليم الله على اساس انها الوحيدة التى تمتلك الحقيقة المطلقة. والشعب الذى أشبه بقطيع ليس له عقل او رأى انقاد بسهولة وراء هذة السلطة الدينية الفاسدة. انها ثقافة القطيع الذى لا يستخدم لا حريتة ولا فكرة وكأنه قصبة تحركها الريح. تم تلفيق تهمة التجديف على الذات الالهية والتى تستوجب الموت. ثم جاء دور السلطة الدينية فى اجبار السلطة السياسية عل تنفيذ حكم الموت على يسوع وهذة المرة تلون الاتهام ليكون لة صبغة سياسية وادعوا ان المسيح نصب نفسه ملكا بدلا من قيصر، يا لمكر السلطة الدينية الان تدافع عن المستعمر ، تدافع عن قيصر الملك طالما هذا يجعلها تصل لهدفها ، لقد تبنت السلطة الدينية مبدأ الغاية تبرر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة الدفاع عن سلطة سياسية فاسدة محتلة . والمدهش بدلا من نبذ الملك المستعمر الغريب تعلن السلطة الدينية والشعب بان ليس لديهم ملك الا قيصر مخالفين الوصية المقدسة ضاربين عرض الحائط بالله ملك الملوك. اصبح الشعب مع السلطة الدينية ايد واحدة تريد صلب يسوع الذى شهد له بيلاطس امامهم بأنه برىء ولا يجد فيه عِلة للموت. والسلطة الدينية بمكرها لعبت بورقة امن المملكة وبأن يسوع متمرد سياسى ضد قيصر الملك ، هكذا رضخت السلطة السياسية للسلطة الدينية وتم التصديق على حكم السلطة الدينية الظالم والملفق بموت المسيح على الصليب لتنعم المملكة باستقرار امنى مزيف . والتاريخ يعيد نفسه اذ ما زالت السلطة الدينية فى اي بلد وخصوصا فى منطقة الشرق الأوسط تستخدم الشعب غير الواعي فى الضغط على السلطة السياسية لتحقيق مآربها المشبوهة وأهدافها الخبيثة ، وكل يوم يُصلب مسيح جديد بمباركة الشعب الجالس فى الظلمة وتحت شعار الشعب ( الجالس في الظلمة ) والسلطة الدينية المسيسة إيد واحدة.

السبت، 27 أبريل 2013

دخول المسيح الإنتصاري إلى أورشليم


 


 

 

دخول يسوع الإنتصاري إلى أورشليم

             دكتور ج. باترونس جامعة اثينا-ترجمة د جورج عوض

 

1-         دخول يسوع الإنتصاري إلي أورشليم

2-         تطهير الهيكل من التجار واللصوص

3-         تيبس شجرة التين

تلك الأحداث التي أعطت دافع نهائي لإضطهاد يسوع المباشر وسجلت "بداية النهاية" كانت حادثتي "الدخول الإنتصاري" إلي أورشليم وحادثة "تطهير الهيكل" الحدث الأول له أهمية لاهوتية وماسيانية ولأجل هذا أُشير إليهما تحليليًا وكاتبي الأناجيل الأربعة (مت1:21ـ17 مر1:11ـ11 لو29:19ـ44 يو12:12ـ19) كان لدي يسوع تأكيد تام, بأن ملء الزمان وصل وأن النبوات المسيانية كان ينبغي أن تتحقق "علنيا", أمام أعين الشعب والرؤساء. إذن, قرر هذه المرة أن يدخل مدينة داود وبيت يهوذا بكونه الماسيا تحت تهليل الشعب معطيًا في نفس الوقت هكذا "درس" لقناعاته المتعلقة بشخص الماسيا وهيئة حياته. في الطريق من بيت عنيا تجاه أورشليم وعلي بعد مسافة صغيرة من بيت فاجي علي جانبي جبل الزيتون, أرسل يسوع إثنين من التلاميذ لكي يحضروا جحش إبن أتان لكي يجلس فوقه ويأتي في موكب نصرة إلي المدينة المقدسة. يسوع في دخوله صاحبة جمع كبير من البشر وكثيرون من "الجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق. وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر وفرشوها في الطريق" (مت8:21). هذا الجمع الغفير قد أتي من الجليل ليسجد في الهيكل وأيضًا ليري لعازر عن قرب في بيت عنيا, والذي قد أقامه والآن مع التلاميذ رافق أيضًا يسوع إلي أورشليم (يو17:12). وحضور لعازر في كل الموكب أغضب الكتبة والفريسيين. وخاصةً رئيس الكهنة الذي أتي من فريق الصديقيين والذي عن قناعة لا يقبل فكرة القيامة عمومًا, علي الأكثر قيامة شخص معين (أنظر مر18:129). منظر الجمع الذي أتي ليؤكد قيامة لعازر والمعجزات التي فعلها يسوع, أيضًا أغضب بالأكثر الرؤساء (أنظر يو18:12). رغبة رئيس الكهنة في تلك اللحظة كانت أنه من الممكن القبض مباشرةً علي يسوع ولعازر ويقوده إلي الموت, لكي يُقنع العالم أن لا أحد يستطيع أن يسيطر علي الموت وان هذان الأثنين "أنُاس القيامة" يخضعون إلي مصير كل البشر وأيضًا بطريقة تراجيدية. وقتذاك, أى أفكار ووقائع وقناعات عن القيامة سوف تظهر كأنها أباطيل. بعض المعجزات (الآيات) هي بالحري هامة هنا من النصوص الإنجيلية المؤرخة لها. فروع السعف والأغصان التي كانت في أيدي الجموع (يو13:12), ترمز أساسًا للفوز والإنتصار بمفهوم أُخروي (أنظر سفر الرؤيا 7:9) تجاه نفس الإتجاه يمكن أن يُفسَّر أيضًا محتوي المزمور: "لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي، فَأَحْيِنِي حَسَبَ كَلِمَتِكَ" (مت9:21. مز25:119,...الخ). "هوشعنا" لها مفهوم الهتاف بالحياة, وأيضًا إستدعاء للخلاص. ليس واضح من النصوص, ما إذا كان الشعب إعتبر يسوع في تلك اللحظة بأنه الماسيا أو كشخص يهيء لمجيء الماسيا. متى الإنجيلي يربط هذا الحدث بنبوة زكريا الماسيانية والذي يري الماسيا كـ "ملك" يأتي و" اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ" (زكريا9:9. مت5:21). يسوع هنا يُهتَّف له كـ "ملك" لكن بالحري بمفهوم الماسيا الروحي وليس العالمي. يسوع, بالطبع كان لديه وعي تام لهذه الحقيقة. عرف كيف أن هذا الشعب الذي الآن يصرخ "أوصنا" يفرش ملابسه في الطريق ليمر كملك ويمسك في يديه فروع السعف, بعد قليل هو ذاته سوف يطلب الحكم عليه بالموت وسوف يصرخ مثلما يصرخ الآن: "خُذه أصلبه" (يو15:19). يسوع وهو واضعًا في حسابه الرؤي السياسية العامة للشعب والميول القومية لتلك اللحظة, بعمله إذ إستخدم جحش كركوبة لكي يدخل إلي المدينة المقدسة, ربما أراد يجعل هذه الأفكار الماسيانية العالمية هي أفكار كوميدية. لأنه, ما نوعية الملك, هذا الذي يدخل علي جحش لكي يكون "دخول إنتصاري" إلي قلب اليهودية المقدس وعاصمة أورشليم؟ ملوك تلك البلاد كانوا يستخدمون عادةً أحصنة مزينة ومشهورة في الحروب بعربات رئاسية مع فرسان يصاحبونهم. إنه من المعروف, ان مرقس الإنجيلي لا يتحدث أبدًا في نصه الخاص بهذا الأمر عن الجموع ولا عن دخول إنتصاري. يشير علي الأرجح لزيارة فاضلة ومعتادة ومتواضعة ليسوع مع تلاميذه إلي هيكل أورشليم وإرتحال مباشر وأيضًا تجاه بيت عنيا "فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ" (مر11:11). يبدو, أيضًا, من الأوصاف, أن كل هذا "الدخول الإنتصاري" ليس له أي أهمية عامة ولا يعني شيء للسلطة السياسية, طالما لم يخلق أي مشكلة لهؤلاء الذين هم مسئولون عن حفظ النظام خاصةً الآن حيث كانت أيضًا فترة تدفق كبيرة للزائرين بسبب أعياد الفصح. لكن إنزعجت الرئاسة الدينية, لأن "دخول" يسوع بتسابيح ومزامير, بالسعف وأغصان الزيتون, أخذ ملمح ديني وماسياني. الرسالة التي أراد أن يرسلها يسوع صارت مدركة من الشعب وزعامته الدينية. هذا المحتوي اللاهوتي للنصوص عن دخول يسوع إلي أورشليم لا يمكن بسهولة أن يتغافل عنها أحد, خاصةً عندما تُوضع تحت نور النبوة القديمة.هذا اليوم المحدد "للدخول الإنتصاري" لا نعرف ما أذا كان المسيح كرز في الهيكل, كما إعتاد أن يفعل في كل زياراته لا أحد من الإنجليين أعطانا معلومة عن هذا الأمر مرقس الإنجيلي أشار فقط إلي أن يسوع بعد زيارته للهيكل إرتحل مباشرة مع تلاميذه إلي بيت عنيا, لأن الوقت كان متأخرًا جدًا (مر11:11). هذه المعلومة تعطينا حلاً لمشكلة وقت حادث آخر, "تطهير الهيكل" هكذا الحدث الثاني صار غالبًا في اليوم الثاني يوم "دخوله الإنتصاري" كما سُجلت في إنجيل متى ولوقا, اللذين يرويان الحدث مع بعضهما بإنفصال الحادثين هذا, بحسب إنجيل مرقس, يتجانس أيضًا مع حادثة تيبس شجرة التين, حادث ثالث وارد عند متى ومرقس (مت18:21ـ19. مر12:11ـ14). تيبس شجرة التين: حقًا, بقي يسوع أيضًا ليلة في بيت عنيا, إنطلق في صباح آخر وأيضًا مع تلاميذه إلي أورشليم, بهدف هذه المرة أن يتحدث في الهيكل للشعب, الأمر الذي كان لا يمكن أن يفعله في اليوم السابق, بسبب المشاكل الخاصة التي نشأت من "الدخول" والوقت تأخر في هذا اليوم الجديد علي الطريق رأوا شجرة تين بأوراق كثيرة, لكن بدون ثمار, والتي يبست بقول المسيح: "لا يكن منك ثمر بعد إلي الأبد" (مت19:21). كل الحدث مع إرتباطه أيضًا بالمناخ الذي ساد في تلك الأيام, اخذ ملمح إعلاني تمامًا. شجرة التين كـ "شجرة إعلانية" دائمًا في العهد القديم وأيضًا في العهد الجديد. الله يطلب ويتقابل مع الأنبياء ورعاه الشعب عادةً تحت شجرة تين أو في كرم حيث هناك يجد البشر راحة (أنظر 1مكابين12:14. ميخا4:4. زكر10:3). يسوع يتقابل مع تلميذه نثنائيل "تحت شجرة التين" وزكا العشار فوق شجرة تين (يو48:1. لو4:19). والآن بتيبس الشجرة يريد يسوع أن يُظهِر أن العالم أتي بالفعل إلي وقت "النهاية". الهدف اللاهوتي لهذا الحادث لا يمكن أن نتجاهلة بسهولة. كثيرون من الآباء المفسرون والشُراح الحُداث يذكروا دائمًا رمزية حدث شجرة التين. البعض يتحدث عن الشجرة كمثل عملى. بهذا المفهوم ندرك أيضًا لماذا لوقا الإنجيلي يعطينا بدل هذه الحادثة المحدودة مثال ليسوع يخص شجرة غير مثمرة والتي بينما كانت مزروعة في كرم تحت ظروف حسنة ولم تعط ثمار علي مدار سنوات و صاحب الكرم متحير هل يقطعها أو يخلعها من جذورها (لو6:13ـ9). بكل هذا يريد يسوع أن يُظهِر أن وقت الدينونة قد وصل والدينونة ستصير علي أساس الثمار وليس الأوراق كل هؤلاء الذين, في النهاية, لا يحملون ثمارًا جديرة بدعوتهم سوف يُرفضون: "وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت10:13) و "أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو5:15ـ6) ولأنه كما أيضًا يشدد مرقس الإنجيلي, وقتذاك "لم يكن وقت التين" (مر13:11). يعني أن يسوع لم يجعل شجرة التين يابسه لأنه لم تعط لهم ثمار لكي يذوقوها, بل لأنه أراد أن يعرض بشدة سواء بالقول أو بالعمل حقيقة قاسية. هذه الحقيقة كانت, أن حوادث الآلام والصلب سوف تُحضِر الدينونة الحقيقية للمؤمنين وللعالم كله. تطهير الهيكل من التجار واللصوص الحادث الهام جدًا والآخير لفترة ما قبل الفصح والذي أزعج الزعامة الدينية لأورشليم وقادت إلي العراك المفتوح والمباشر مع يسوع, كان حادث "تطهير الهيكل" بالفعل قد ورد حادث مماثل "لتطهير الهيكل" في زيارة يسوع الفصحية الأولي وفق الإنجيلي يوحنا حيث طرد يسوع أصحاب الصرافة والتجار (يو13:2ـ22). كثيرون من المفسرين يتحدثون عن حادثين مختلفين, واحد في زيارته الفصحية الأولي وذُكِرت في الإنجيل الرابع (يو13:2ـ22), والآخر في زيارته الفصحية الآخيرة والتي ذُكرِت في الأناجيل الثلاثة الأولي (مت12:21ـ17. مر15:11ـ19. لو45:19ـ48). نعتقد أنهما حدث واحد, حيث يمكن أن يُوضع زمنيًا في الزيارة الفصحية الآخيرة ليسوع مثلما فعل الإنجيليون الثلاثة. لكن يوحنا لأسباب لاهوتية تمامًا يضع حدث التطهير وتجديد الهيكل في بداية نشاطه العلني, لكي يبدو هكذا الواقع الجديد بأكثر شدة حيث يقدم يسوع إلي العالم بكونه الماسيا. وأيضًا الأحداث الأخيرة وعلاقتها ببعض تقنعنا بالأكثر, بأن "تطهير الهيكل" يجب أن يصير تجاه نهاية نشاط يسوع العلني. لأنه أُعتبر كتدخل إستثنائي غير مقبول في سلطان الزعامة الدينية, قاد أيضًا لعراك تام بين يسوع ورئيس الكهنة ومسئولي الهيكل حيث (طالما) يتعرضون بهذا العمل لمجازفة من جانب المصالح الإقتصادية الضخمة. بالتأكيد, الصورة التي سوف يظهر فيها الهيكل في هذه المرة ستكون أكثر رعبًا من زيارة يسوع الرسمية الأولي وهذا المكان المقدس حيث المؤمنون أرادوا له ان يكون بيت صلاة وعبادة لله, قد صار "بيت تجارة" و "مغارة للصوص" (مر17:11) فعل التدخل هذا ليسوع وُصف بأنه إستفزازي وغير مقبول لكن أيضًا من جانب إستخدام تعبيرات من أنبياء إسرائيل الكبار, مثل أشعياء وأرميا أثناء تطهير الهيكل ليؤنب سلوكيات الشعب والرؤساء معتبرًا إياها سلوكيات عشوائية ودنسه لأجل هذا, عندما سمعوا الأقوال النبوية عن "بيت صلاة" (أش6:56) وعن "مغارة لصوص" (أر11:7) وإرتباطهما بالحالة الراهنة, بدأ الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة يبحثون عن طرق "كيف يهلكونه" (مر18:11). دخول المسيح إلي أورشليم وتطهير الهيكل لهما صدي شديد للتطلعات الأخروية (أنظر زكر9:9. ملاخي1:3,...الخ), ولأجل هذا أخذا بلاشك ملمح ماسياني واضح. التقليد اليهودي يقبل أن الماسيا أثناء مجيئه سوف يمسك في يديه سوط لعقاب الأغنياء الظالمين وحماية المؤمنين الفقراء. وهذا لا يعني عمل إنتقام, بل عمل "إستعادة" و "علامة" للسلطان. تعبير "لا تجعلوا بيت أبي" (يو16:2) ـ ليس "بيت أبوكم" ـ "بيت تجارة" تعبير يحتوي علي إنباء ماسياني واضح. هنا يسوع يستخدم التعبيرات النبوية و "بيت الآب" من المفهوم العام يصير عند متى بوضوح "بيتي" (مت13:21). "بيت الآب" هذا و "الإبن" من الآن فصاعدًا يجب أن يظل "بيت صلاة" وعبادة وليس "بيت تجارة" و "مغارة لصوص" (مت13:21. أش7:56. أر11:7). يتحدث يسوع هنا بسلطان وحق. كانت نتيجة كل هذه الأفعال أن يُدرك نشاط يسوع في الدرجة العليا وفي القلب المقدس لليهودية التقليدية وأمام أعين الرؤساء. بالتالي كان بعد كل هذا خصوم يسوع, الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة بدأوا ينزعجون بشدة ويفكرون بجدية في خطة للقبض النهائي علي يسوع والتخلص منه.