الخميس، 23 فبراير 2012

هل خُلِقَ الإنسان الأول في حالة الكمال؟


هل خُلِقَ الإنسان الأول في حالة الكمال؟


                                 د . جورج عوض إبراهيم

البعض ينادي بأن آدم وحواء خُلِقا كاملين ، لأن ما يصنعه الله هو كامل . وبسبب خطاياهما فقدا  معاً حالة الكمال  ، ودخل الضعف وكذلك المرض والشيخوخة والموت إلى الحياة البشرية كنتيجة لهذا السقوط . بالتالي ، هدف الله – منذ البداية -  بالنسبة للإنسان هو ان يُوجد أبدياً في حالة الكمال وعدم فعل الخطية وعدم الموت في فردوس أرضي بدون تطلع لحياة سماوية . فإن كان الله يريد لآدم ان يذهب إلى السماء ما كان قد خلقه في الأرض بل في السماء .  والرد على هذا الفكر الخاطيء نستعرضه من عرضنا للأنثربولوجية المسيحية من المنظار الأرثوذوكسي :

كامل أم حسنُ جداً؟


وفق الكتاب المقدس لم يخلق الله أي مخلوق أرضي كامل ، كما وصف موسى النبي في سفر التكوين : " وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً "  ( تك31:1 ) . وحين نقارن بين "حسن جداً" و " كامل " نجد ان "حسن جداً " هو ناقص بالنسبة لحالة الكمال . والمخلوق الكامل هو المخلوق الذي لا يعتريه أي نقص . إذن كل من آدم وحواء وكذلك كل الخليقة المادية الباقية كما وصفها سفر التكوين هي مخلوقات غير كاملة.

هل هذا يعني ان الله لم يتقن عمله جيداً ؟ بالطبع حاشا. السبب الذي من أجله لم يخلق الإنسان – من البداية – كامل ، هو ان  تحقيق الكمال كان لابد ان يكون نتيجة عمل الإنسان المشترك مع الله . وهذا يتضح من النص التالي : [وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».  فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ ]  (تك26:1-27.) .

بحسب تعليم الآباء يبدو كيف ان الله كان لديه هدف ان يخلق الإنسان " بحسب صورته ومثاله " . بالتالي عندما صنعه قد صنعه بحسب الصورة . هنا يُخفى سر الكمال . الإنسان كمخلوق " بحسب الصورة " كان " حسن جداً " . لكن عندما يدخل في طريق الكمال يصير بحسب مثال الله .

إذن ما أهمية تعبيرات مثل " بحسب الصورة " و " بحسب المثال " ؟


نعمة "بحسب الصورة " هي الإمكانية التي منحها الله للإنسان ، كمخلوق حر وعاقل ، لأن يتشبه بالله . أما نعمة " بحسب المثال " هي مسيرة الإنسان لتحقيق هذا التشبه . وهذا يتحقق فقط بعمل الإنسان المشترك مع الروح القدس " μόνο με τη συνέργεια τού ανθρώπου και τού Αγίου Πνεύματος "


لأن الله هو الذي يريد  ولا يستخدم الإجبار  ، كان يجب على الإنسان ان يريد ، وأن يحاول مستخدماً نعمة الحرية والإدراك العقلي للخلق بحسب الصورة لكي يصل إلى الكمال أي إلى مسيرة التشبه بالله . هذا هو الملمح الذي لدى الإنسان فقط من بين المخلوقات . ويؤكد هذا الأمر القديس كيرلس الأسكندري ، قائلاً :  [ لا ينبغى أن يشك أحد فى أن الإنسان قد جاء إلى الوجود ليس لأجل أعمال مخزية بل لأجل عَمَل كل ما هو ممدوح، بما أنه ثمرة إبداع الله الصالح. ولكن تظل الحقيقة قائمة أنه قد خُلق سيدًا لنفسه وحرًا، وقادرًا على التحرك بواسطة قوة إرادته الخاصة نحو أى اتجاه يختاره سواء كان خيرًا أو شرًا] ضد يوليانوس الجاحد (PG76, 925).


لم يكن من الممكن ان يُخلق الإنسان مباشرةً ( أي إجبارياً ) كامل . لكن الذي حدث أن الإنسان قد فَضّل  ان يتشبه بالله عن طريق إستقلاله وعمله الذاتي بدون معونة الروح القدس . هكذا إنحرف الإنسان في تحقيق هذف الكمال وبدلاً من التشبه بالله تشبه بالحيونات الفاسدة . هدف الكمال  يجب أن يكون هو هدف كل مسيحي وهذا يبدو من الشواهد الكتابية الآتية :

" فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ " ( مت 48:5 ).

" لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ " ( عب 1:6 )

" إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " ( أفس13:4 )


يجب علينا هنا ان نتذكر بأن الكمال الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس هو ليس الكما الجسدي كما يدعي البعض ، بل يتحدث الكتاب عن التشبه بالله ، وهذا ليس له أي علاقة بالجسد . وكون ان جسد الكاملين يكتسب عدم الفساد وعدم الموت ، فهذا طبيعي من نتاج الكمال وليس الكمال ذاته .


لكن كيف سوف نتشبه بالله طالما نحن لم نراه . الإجابة أيضاً توجد في تعبير " بحسب الصورة  والمثال " لم يقول " صورة الله ومثاله " . ماذا يعني كلمة " بحسب " تعني " صورة الصورة " وليس مباشرةً صورته . ومَنْ هو صورة الله المباشرة ؟ بالطبع هو يسوع المسيح : " اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ " ( كو 15:1 ) .


إذن خُلِقَ آدم " بحسب صورة الله " أو " صورة المسيح " . وكون أن يسوع المسيح لم يكن قد وُلِدَ بعد كإنسان  حين خُلِق الإنسان، فهذا ليس هو مشكلة . الله بكونه خالق الدهور يعرف جيداً المستقبل . كل هذا يتناسب مع ما جاء في رسالة أفسس 13:4 : " إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " .  يجب ان نتمثل بالمثال الذي تركه الرب يسوع المسيح ، وهذا سوف يقودنا إلى التشبه بالله ، أي في مسيرة الكمال .


ربما الكمال ليس سهل المنال ، طالما اننا نتحدث عن التشبه بكمال الله . جزئياً هذا الكلام صحيح . لكي نصل إليه لهو بالتأكيد مستحيل . سوف نقترب منه لكن من الآن ولكل الأبدية ، نصير كلنا متشبهين به ، مثلما قال بولس الرسول : " وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ " 2كو18:3


الكمال إذن هو شيء نسبي ، وكل واحد يوجد في مسيرة نحو التشبه إما بالله أو عدوه الشيطان . الإرادة الحرة لكل واحد هي التي تحدد في أي إتجاه تتحرك . الكمال ليس هو موقف واحد ساكن بل مسيرة دائمة . وهناك عبارة ذُكِرت في سفر التكوين توضح ان الكمال نسبي هي : " كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارّاً كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ " تك9:6 . دُعي نوح كامل مقارنةً بمعاصريه ، لأنه سار مع الله . وُجد في مسيرة الكمال ، لقد استنزف الوسائل التي كانت لدى ذلك العصر لمسيرته تجاه الكمال . لكن في الحقيقة ، خلق الإنسان أُكتُمِلَ متأخراً جداً . بولادة ربنا يسوع المسيح فقط ظهر أخيراً الإنسان الكامل . يسوع المسيح هو الإنسان الوحيد الذي هو كامل بالحقيقة . في شخصه ، وجدت البشرية الإكتمال النهائي لهدف الله بالنسبة للإنسان : " نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" تك26:1 . فتح يسوع الطريق تجاه الكمال وتجاه الآخرين الذين وجدوا في مسيرة " بحسب المثال " : " .... \لَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ \للَّهِ " يع9:3 .

هدف المسيرة المسيحية


الشواهد الكتابية تعلن ان المسيحيين هم موجودين في مسيرة الكمال تابعين الكامل المطلق ، يسوع المسيح :                      كو28:1 " الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ انْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ انْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ انْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "

يع4:1 : " وَأَمَّا \لصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ "

مت48:5 : " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ "

رو29:8 : " لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ ".

عب 14:5 : " وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ".

الشواهد السابقة تُظهِر أيضاً ان الإنسان لم يُخلق كاملا بل يصير كاملا بعمله المشترك مع الروح القدس :

" لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ " ( عب 1:6 )

" إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " ( أفس13:4)

نتيجة كمال الإنسان سوف تكون لها فاعلية على كل الخليقة التي خضعت للتغيير لكي يكتمل هدف خلق الإنسان ، ليس فقط للإنسان بل لبقية الخليقة المادية التي فيها عُين الإنسان ملك وكاهن : رو 19:8-21 : " لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا - عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ ".

إذن ، طالما ان الخليقة سوف تتحرر مع الإنسان من عبودية الفساد يعني كيف انها سوف تصير هي أيضاً غير فاسدة .

هكذا الإنسان خُلِقَ بحسب صورة الله بهدف ان يصل بحرية الى الكمال الذي هو هدف خلق الإنسان بحسب المثال . هذا يتحقق اليوم بالنسبة للمسيحيين الذين يتبعون مثال الرب يسوع المسيح . هؤلاء ، طالما نالوا الروح القدس بواسطة المعمودية سوف يصير الكل أكثر كمالاً كذلك كل الأبدية سوف يقتربوا من كمال الله .  وقد سبق للقديس إيرينيوس ان يشدد على ان الإنسان كان مدعواً للكمال ، إذ يقول : " وإذ جعل الإنسان (آدم) سيدًا على الأرض وكل شئ فيها، فإنه جعله كذلك سيدًا على الكائنات التي كان ينبغى أن تخدمه. ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها أى الإنسان لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكى يحقق كماله " ( الكرازة الرسولية 12 )

وبالرغم من ان كلمة " كمال " لم تُذكر في علاقة مع الجسد  ، إلا أنه سوف يكتسب المخلصون جسد جديد غير فاسد ، وسوف يأخذون الحياة في أرض جديدة غير فاسدة عائشين في نفس الوقت في حضور الله السماوي . آمين تعال أيها الرب يسوع































هل خُلِقَ الإنسان الأول في حالة الكمال؟

                                 د . جورج عوض إبراهيم
البعض ينادي بأن آدم وحواء خُلِقا كاملين ، لأن ما يصنعه الله هو كامل . وبسبب خطاياهما فقدا  معاًحالة الكمال  ، ودخل الضعف وكذلك المرض والشيخوخة والموت إلى الحياة البشرية كنتيجة لهذا السقوط . بالتالي ، هدف الله – منذ البداية -  بالنسبة للإنسان هو ان يُوجد أبدياً في حالة الكمال وعدم فعل الخطية وعدم الموت في فردوس أرضي بدون تطلع لحياة سماوية . فإن كان الله يريد لآدم ان يذهب إلى السماء ما كان قد خلقه في الأرض بل في السماء .

كامل أم حسنُ جداً؟

وفق الكتاب المقدس لم يخلق الله أي مخلوق أرضي كامل ، كما وصف موسى النبي في سفر التكوين : " وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً "  ( تك31:1 ) . وحين نقارن بين "حسن جداً" و " كامل " نجد ان "حسن جداً " هو ناقص بالنسبة لحالة الكمال . والمخلوق الكامل هو المخلوق الذي لا يعتريه أي نقص . إذن كل من آدم وحواء وكذلك كل الخليقة المادية الباقية كما وصفها سفر التكوين هي مخلوقات غير كاملة.
هل هذا يعني ان الله لم يتقن عمله جيداً ؟ بالطبع حاشا. السبب الذي من أجله لم يخلق الإنسان – من البداية – كامل ، هو ان  تحقيق الكمال كان لابد ان يكون نتيجة عمل الإنسان المشترك مع الله . وهذا يتضح من النص التالي : [وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».  فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ ]  (تك26:1-27.) .
بحسب تعليم الآباء يبدو كيف ان الله كان لديه هدف ان يخلق الإنسان " بحسب صورته ومثاله " . بالتالي عندما صنعه قد صنعه بحسب الصورة . هنا يُخفى سر الكمال . الإنسان كمخلوق " بحسب الصورة " كان " حسن جداً " . لكن عندما يدخل في طريق الكمال يصير بحسب مثال الله .
إذن ما أهمية تعبيرات مثل " بحسب الصورة " و " بحسب المثال " ؟
نعمة "بحسب الصورة " هي الإمكانية التي منحها الله للإنسان ، كمخلوق حر وعاقل ، لأن يتشبه بالله . أما نعمة " بحسب المثال " هي مسيرة الإنسان لتحقيق هذا التشبه . وهذا يتحقق فقط بعمل الإنسان المشترك مع الروح القدس " μόνο με τη συνέργεια τού ανθρώπου και τού Αγίου Πνεύματος "
لأن الله هو الذي يريد  ولا يستخدم الإجبار وكان يجب على الإنسان ان يريد ، وأن يحاول مستخدماً نعمة الحرية والإدراك العقلي للخلق بحسب الصورة لكي يصل إلى الكمال أي إلى مسيرة التشبه بالله . هذا هو الملمح الذي لدى الإنسان فقط من بين المخلوقات . ويؤكد هذا الأمر القديس كيرلس الأسكندري ، قائلاً :  [ لا ينبغى أن يشك أحد فى أن الإنسان قد جاء إلى الوجود ليس لأجل أعمال مخزية بل لأجل عَمَل كل ما هو ممدوح، بما أنه ثمرة إبداع الله الصالح. ولكن تظل الحقيقة قائمة أنه قد خُلق سيدًا لنفسه وحرًا، وقادرًا على التحرك بواسطة قوة إرادته الخاصة نحو أى اتجاه يختاره سواء كان خيرًا أو شرًا] ضد يوليانوس الجاحد (PG76, 925).
لم يكن من الممكن ان يُخلق الإنسان مباشرةً ( أي إجبارياً ) كامل . لكن الذي حدث أن الإنسان قد فَضّل  ان يتشبه بالله عن طريق إستقلاله وعمله الذاتي بدون معونة الروح القدس . هكذا إنحرف الإنسان في تحقيق هذف الكمال وبدلاً من التشبه بالله تشبه بالحيونات الفاسدة . هدف الكمال  يجب أن يكون هو هدف كل مسيحي وهذا يبدو من الشواهد الكتابية الآتية :
" فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ " ( مت 48:5 ).
" لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ " ( عب 1:6 )
" إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " ( أفس13:4 )
يجب علينا هنا ان نتذكر بأن الكمال الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس هو ليس الكما الجسدي كما يدعي البعض ، بل يتحدث الكتاب عن التشبه بالله ، وهذا ليس له أي علاقة بالجسد . وكون ان جسد الكاملين يكتسب عدم الفساد وعدم الموت ، فهذا طبيعي من نتاج الكمال وليس الكمال ذاته .
لكن كيف سوف نتشبه بالله طالما نحن لم نراه . الإجابة أيضاً توجد في تعبير " بحسب الصورة  والمثال " لم يقول " صورة الله ومثاله " . ماذا يعني كلمة " بحسب " تعني " صورة الصورة " وليس مباشرةً صورته . ومَنْ هو صورة الله المباشرة ؟ بالطبع هو يسوع المسيح : " اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ " ( كو 15:1 ) .
إذن خُلِقَ آدم " بحسب صورة الله " أو " صورة المسيح " . وكون أن يسوع المسيح لم يكن قد وُلِدَ بعد كإنسان  حين خُلِق الإنسان، فهذا ليس هو مشكلة . الله بكونه خالق الدهور يعرف جيداً المستقبل . كل هذا يتناسب مع ما جاء في رسالة أفسس 13:4 : " إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " .  يجب ان نتمثل بالمثال الذي تركه الرب يسوع المسيح ، وهذا سوف يقودنا إلى التشبه بالله ، أي في مسيرة الكمال .
ربما الكمال ليس سهل المنال ، طالما اننا نتحدث عن التشبه بكمال الله . جزئياً هذا الكلام صحيح . لكي نصل إليه لهو بالتأكيد مستحيل . سوف نقترب منه لكن من الآن ولكل الأبدية ، نصير كلنا متشبهين به ، مثلما قال بولس الرسول : " وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ " 2كو18:3
الكمال إذن هو شيء نسبي ، وكل واحد يوجد في مسيرة نحو التشبه إما بالله أو عدوه الشيطان . الإرادة الحرة لكل واحد هي التي تحدد في أي إتجاه تتحرك . الكمال ليس هو موقف واحد ساكن بل مسيرة دائمة . وهناك عبارة ذُكِرت في سفر التكوين توضح ان الكمال نسبي هي : " كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارّاً كَامِلاً فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ " تك9:6 . دُعي نوح كامل مقارنةً بمعاصريه ، لأنه سار مع الله . وُجد في مسيرة الكمال ، لقد استنزف الوسائل التي كانت لدى ذلك العصر لمسيرته تجاه الكمال . لكن في الحقيقة ، خلق الإنسان أُكتُمِلَ متأخراً جداً . بولادة ربنا يسوع المسيح فقط ظهر أخيراً الإنسان الكامل . يسوع المسيح هو الإنسان الوحيد الذي هو كامل بالحقيقة . في شخصه ، وجدت البشرية الإكتمال النهائي لهدف الله بالنسبة للإنسان : " نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا" تك26:1 . فتح يسوع الطريق تجاه الكمال وتجاه الآخرين الذين وجدوا في مسيرة " بحسب المثال " : " .... \لَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ \للَّهِ " يع9:3 .

هدف المسيرة المسيحية

الشواهد الكتابية تعلن ان المسيحيين هم موجودين في مسيرة الكمال تابعين الكامل المطلق ، يسوع المسيح :                      كو28:1 " الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ انْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ انْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ انْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ "
يع4:1 : " وَأَمَّا \لصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ "
مت48:5 : " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ "
رو29:8 : " لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ ".
عب 14:5 : " وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ".
الشواهد السابقة تُظهِر أيضاً ان الإنسان لم يُخلق كاملا بل يصير كاملا بعمله المشترك مع الروح القدس :
" لِذَلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ " ( عب 1:6 )
" إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ " ( أفس13:4)
نتيجة كمال الإنسان سوف تكون لها فاعلية على كل الخليقة التي خضعت للتغيير لكي يكتمل هدف خلق الإنسان ، ليس فقط للإنسان بل لبقية الخليقة المادية التي فيها عُين الإنسان ملك وكاهن : رو 19:8-21 : " لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا - عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ ".
إذن ، طالما ان الخليقة سوف تتحرر مع الإنسان من عبودية الفساد يعني كيف انها سوف تصير هي أيضاً غير فاسدة .
هكذا الإنسان خُلِقَ بحسب صورة الله بهدف ان يصل بحرية الى الكمال الذي هو هدف خلق الإنسان بحسب المثال . هذا يتحقق اليوم بالنسبة للمسيحيين الذين يتبعون مثال الرب يسوع المسيح . هؤلاء ، طالما نالوا الروح القدس بواسطة المعمودية سوف يصير الكل أكثر كمالاً كذلك كل الأبدية سوف يقتربوا من كمال الله .  وقد سبق للقديس إيرينيوس ان يشدد على ان الإنسان كان مدعواً للكمال ، إذ يقول : " وإذ جعل الإنسان (آدم) سيدًا على الأرض وكل شئ فيها، فإنه جعله كذلك سيدًا على الكائنات التي كان ينبغى أن تخدمه. ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها أى الإنسان لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكى يحقق كماله " ( الكرازة الرسولية 12 )
وبالرغم من ان كلمة " كمال " لم تُذكر في علاقة مع الجسد  ، إلا أنه سوف يكتسب المخلصون جسد جديد غير فاسد ، وسوف يأخذون الحياة في أرض جديدة غير فاسدة عائشين في نفس الوقت في حضور الله السماوي . آمين تعال أيها الرب يسوع



















 






الأربعاء، 8 فبراير 2012

هل يوجد ما يُسمى تعليم " ما بعد الآباء "؟


هل يوجد ما يُسمى تعليم " ما بعد الآباء "؟ المطران إيروثيوس فلاخوس – ترجمة د.جورج عوض إبراهيم


             

                   

إن التعليم اللاهوتي للكنيسة هو تعليم نبوي ، رسولي وآبائي ولذلك لا يمكن ان يُنسب له مصطلحات أخرى مثل ما بعد التعليم النبوي ، ما بعد التعليم الرسولي ، ما بعد التعليم الآبائي ، وبالطبع ولا ما بعد التعليم الأرثوذوكسي . عادةً ، التيارات الإنسانية تأخذ مثل هذه المصطلحات ، مثل عصر الحداثة وما بعد الحداثة .

آباء الكنيسة هم خلفاء الرسل في التعليم اللاهوتي والعمل ، يشتركون في نفس الخبرة الإعلانية ذاتها . بالتأكيد ، آباء الكنيسة لكي يحفظوا الخبرة الرسولية من تغييرات الهراطقة ويقودوا المسيحيين إستخدموا مصطلحات عصرهم لكي يعبروا عن التقليد ذاته الذي كان لديهم بدون ان يغيروه . هكذا ، التعليم العقيدي حُدد من المجامع المسكونية وصار جزء من التقليد حيث لا يستطيع أي " أب حديث " ان يتجاهله أو يتخطاه . بناء على ذلك ، لا يمكن ان يصير حديث عن تعليم ما بعد الآباء .  مسألة مختلفة عندما نواجه التيارات المعاصرة في داخل التعليم الأرثوذوكسي الذي لا يمكن ان يُدعى " ما بعد الآباء " ولا يخص تغيير العقائد .

ما يسمى تعليم ما بعد الآباء يرتبط بنظريات أليكس خوميناكوف الروسي ( 1804-1860 ) الذي في عصره لعب دوراً هاماً في الكتابات اللاهوتية الروسية . ليس من المناسب هنا ان نتكلم عن آرائه ، لكن فقط يُلاحظ ان وفق خوميناكوف ، آباء الألفية الأولى يتحدثون في عصره ولديهم قيمة لكن التعليم المدرسي ( القرن التاسع – القرن الثالث عشر ) تخطى التعليم الآبائي مثلما التعليم الروسي اللاهوتي فيما بعد تجاوز الأثنين السابقين ( الآبائي والمدرسي ) . ما هو خطأ خوميناكوف ، خطأه هو أنه ربط بشدة الأرثوذوكسية بالحضارة لكن ليست الأرثوذوكسية حضارة .

عموماً ، نظرية أليكس خوميناكوف أثرت بدرجات مختلفة على التعليم الروسي للشتات في باريس لذلك اليوم يصير حديث عن تعليم " ما بعد الآباء " . الفيلسوف الروسي كيريفسكي وصديق خوميناكوف قال : " إنه من غير الممكن ان تُجدد فلسفة الآباء في الشكل الذي كانت عليها في عصرهم . إنها تجيب على أسئلة عصرها وحضارته التي نَمت فيه "

كتب الأب رومانيدس أن : " خوميناكوف يتفق أيضاً مع ملاحظة صديقه عن الحاجة لتطور فلسفة مسيحية روسية تجيب على الأسئلة الدينية والإجتماعية للمجتمع المعاصر ".

الأب جورج فلورسكي ، وهو يضع في حسابه وجود هذا التيار ، تحدث عن " الرجوع إلى الأباء " ، أي " الرجوع إلى المصادر الآبائية والأسس الآبائية " ، وفي هذا التطلع تحدث عن ما يُسمى المستويات اليونانية للفكر . كتب ، قائلاً : " الإبتعاد عن المسيحية اليونانية ليس هو أبداً تقدم بل رجوع إلى المآزق ولأرتباكات يونانية أُخرى ...لا يوجد أي مخرج إلا فقط من خلال التعليم الآبائي ". إن لم نرى آراء الأب جورج فلورسكي داخل هذا الإطار ، أي إن لم يتفق  مع آراء الأثنين الروس لكُنا ظلمناه بأنه ينادي بتعليم ما بعد الآباء .

هذا يعرفه البطريرك المسكوني بارثلماوس ، لأجل ذلك في أفتتاحيته للمؤتمر المعروف في أكاديمية فولو اللاهوتية ، حيث أنه ذكر أن تعليم الكنيسة لا يمكن ان يجهل الحضارة الحديثة ، إذ يقول : " المستقبل ينتمي إلى تعليم لاهوتي " أصيل – حقيقي " آبائي ، أبعد من تعليم آبائي حديث وتعليم ما بعد الآباء ، إنه أقرب إلى تعليم لاهوتي كنسي ، يُحيّا من الشد بين " ما تحقق بالفعل " و " ما لم يتحقق بعد  " لملكوت الله " .

التعليم اللاهوتي الأرثوذوكسي هو تعليم كنسي ، أي صوت الكنيسة ، والآباء تحدثوا ويتحدثون هذه اللغة . لذلك لا يمكن ان يُقبل مصطلح تعليم ذات " حداثة آبائية " ، أو تعليم " ما بعد الآباء " ، طالما أن التعليم الأرثوذوكسي هو نبوي ورسولي وعلى أي حال تعليم كنسي .




الجمعة، 3 فبراير 2012

إجهاض مشروع إنسان مع سبق الاصرار والترصد


إجهاض مشروع إنسان مع سبق الاصرار والترصد: أنس  "الضاحك الذى أبكى ملايين المصريين"
                                             د.جورج عوض إبراهيم

يتحدث المتخصصون في التربية وعلم النفس عن حتمية وجود فجوة بين الأجيال ، وأحيانا يقولون عنها صراع الأجيال ، طبعاً صراع في الجدل والحوار واستخدام الأساليب والمناهج والطرق لمعالجة مشاكل الحياة . والأمر الحتمي والطبيعي هو ان كل ما هو حديث يأتي فيزعج ما أستقر عليه الكبار ، إلى ان يتم قبوله بالحوار وتبادل الآراء والتجربة العلمية والتطبيق وظهور النتائج وتقيمها . والشباب دائما يملك كل ما هو جديد وحديث  لأنه يستخدم أدوات حديثة وتكنولوجية متقدمة ومعلومات متوفرة عبر شبكة الأنترنت ، الأمر الذي لم يكن مُتاح للكبار. والمجتمع المتقدم هو الذي يفسح المجال للشباب ليأخذ دوره في ممارسة حقه في بنائه  بأسلوب عصري وحديث متفق مع مسيرة التقدم بالتعاون مع خبرة الكبار وحكمتهم، لكن يظل الشباب هم الأساس والقاعدة .

أما في بلادي يسعى الكبار لقتل الصغار لكي يظلوا هم قابعون في مراكزهم حتى آخر لحظة في حياتهم . وتحصن الكبار بمبررات كاذبة أختلقوها ونسوا أنها من نتاج خيالاتهم وصدقوها لكي يتذرعوا ببقائهم الدائم في مراكزهم . وحين نجح الشباب فيما فشل فيه الكبار وأزاحوا  رؤساء النظام الفاسد بثورة 25 يناير التي أذهلت العالم أجمع ، ما زال يصر هؤلاء الذين أخذوا فرصتهم وفرص الكثيرين في فترة دامت ثلاثون عاماً أنهم الأجدر على إدارة شئون المجتمع وتحقيق التقدم والعدالة والكرامة. والمبرر أيضا هو أن مَن قاموا بالثورة هم خونه ينفذون أجندة خارجية لتقسيم وإضعاف البلاد ، ونسوا أنهم فشلوا طوال ثلاثون عاماً في كل مجالات الحياة من تعليم وصحة وثقافة واستثمار الموارد البشرية والأقتصاد والأبحاث العلمية وغيرها . المشكلة الحقيقية هي التمسك بالسلطة حتى آخر نفس وغياب ثقافة التداول  وإفساح المجال للآخر، ولا يتردد هؤلاء في الدفاع عن بقائهم في استخدام كل الأساليب الخبيثة من التشويه والأهانات والقتل ليظلوا  دائماً هم أصحاب الموقف الصحيح .

لنأخذ مثال من هؤلاء الشباب والذي كان مشروع إنسان بمعنى الكلمة ، أنس محيى الدين الذي  لم يتخط الخامسة عشرة من العمر هو أحد مشجعي النادي الأهلي ، فَقَد حياته فى مجزرة بورسعيد على خلفية مباراة الأهلى والمصرى البورسعيدى ليصبح أصغر ضحايا تلك المجزرة.  ولكي نعرف أنس ونكوّن  فكرة عن شخصيته ، علينا ان نقرأ ماذا كتب في وصيته فى 24 يناير الماضي قبل أن يستشهد فى 1 فبراير وأرسلها من هاتفه المحمول لأصدقائه طلب فيها الآتي : " أن يتم لفه بعلم مصر، وأن يتم تشييع جنازته فى ميدان التحرير وأن يصلى عليه فى الميدان، وأن يتم التبرع بقرنية عينيه وباقى أطراف وأجزاء جسده لمصابي الثورة ". أنس من خلال وصيته هو شاب وطني يحب بلاده  فهو يفضل ان يتم لفه بعلم مصر وان يتم تشييع جنازته في ميدان التحرير ، الميدان الذي يرمز للثورة المجيدة التي أيقظت الناس من سُباتهم . أنس يحب بلادة بالرغم من إمكانيات الرعاية المتواضعة التي توفرها بلادة لمَنْ هم في عمره من جهة التعليم والصحة والرياضة وغيرها ، إلا انه يحبها ويعشقها من كل قلبه . أيضاً لدى أنس محبة شديدة تجاه أخوته الثوار المصابين والمفقوده أعينهم ، فأوصى بالتبرع لهم بقرنية عينيه وباقي أطراف جسده  . ماذا لو أفسح المسئولين الكبار المجال لمثل  هؤلاء الشباب لكي يأخذوا فرصتهم بعد توفير سُبل الرعاية لهم ؟ للأسف أصّر الفاسدون على قتل مستقبل هذا الوطن ، شبابنا الذي يحلم بغدٍ أفضل حاملين هؤلاء الحاقدون شعار: نحن أم قتل كل ما هو جميل فيكم . تركوا لنا بيوت  كثيرة زرعوا فيها الحزن إما على ابن أزهقوا حياته أو مصاب مفقوء العين او مُقعد . لكن هم واهمون إذا ظنوا أنهم سوف ينتصروا على حتمية التغيير الذي يقوده شبابنا . أنس وأمثاله مازالوا أحياء في شعب قرر أن يعيد تقييم حياته ليلحق بقيم  الحق في الحياة والعدل والكرامة والتقدم والرُقي . ستظل إبتسامة أنس تبث فينا روح الأمل في التغيير شاكرين الله على نعمة الحرية التي أنعم بها على مخلوقاته التي تسعى  جاهده على الحفاظ على هذه النعمة من أهواء النفس وشرورها من خلال تواصلها مع خالقها  بشتى الطرق .

الثلاثاء، 31 يناير 2012

التبني عند القديس أنطونيوس الكبير - د.جورج عوض ابراهيم


التبني

 عند القديس أنطونيوس الكبير

د. جورج عوض إبراهيم



مقدمة : 

          عندما يتكلم الآباء الشيوخ عن موضوع مثل التبني ، نراهم مُنشغلين بترجمة خبراتهم الداخلية التى ذاقوها واختبروها لفائدة المؤمنين وكأن لسان حالهم ما قاله يوحنا الإنجيلى " الذى رأيناه .. سمعناه .. لمسته أيدينا.. ".

          لم يقصدوا هؤلاء الآباء أن يؤسسوا تعليمًا يدافعوا به ضد محاولات الهراطقة المستمرة فى تزييف التعليم الأرثوذكسى المُسلم مرة للقديسين ولكن خبراتهم وتفاعلهم مع عطايا النعمة الإلهية خير شاهد على صحة إيمانهم الأقدس ، فجاءت عظاتهم خُلاصة خبرة مُعاشة مؤسسة على الحق الكتابى .

          لذلك نجد فى كتابات القديس أنطونيوس والقديس مقاريوس كنوزًا للمعرفة الحقيقية النابعة من الخبرة الوجودية لحياة النفس البشرية مع الله ، لم ينشغلوا ببراهين كتابية ( مع أنهم كانوا على دراية عميقة بالكتاب المقدس بعهديه ) ليشرحوا العلاقة الحية بينهم وبين الله فى شخص يسوع المسيح ، بل العكس حياتهم صارت مفسرة وشارحة وشاهدة للحق الكتابى.

          النفس فى علاقتها مع الله هى الشُغل الشاغل للآباء النُساك والتميز واضح بين كتاباتهم وكتابات الآباء المعلمين مثل ( ايريناؤس ـ أثناسيوس ـ كيرلس ... ) الذين لهم دور بارز فى تحديد التعاليم المسيحية الأصيلة ضد خيالات وانحرافات الهراطقة .

      لذلك

 عندما نتناول موضوعًا مثل ( التبني ) نجد أن الآباء المعلمين يركزون على هذه العطية الإلهية كحقيقة اعلنها الوحى الإلهى فى الكتب المقدسة والتقليد بينما ينشغل الآباء الشيوخ        ( النُساك ) بكيفية حفاظ النفس على هذه العطية وكشف كل المُعطلات والحروب الشيطانية التى تهدف إلى فقدان النفس لهذه العطية وعدم الاستمتاع الحقيقى بعطية التبني ، الآباء المعلمون يؤكدون لنا محبة الله  الفائقة الوصف والتى صيرتنا أولادًا لله ، بينما هدف الآباء النُساك كيف نسلك كأولاد لله وكيف نجهض ونحارب كل القوات الشريرة التى تريدنا أن نفقد هذه النعمة .



التبني فى فكر القديس أنطونيوس :

مبادرة محبة الله :



          يُشبّه القديس أنطونيوس سقوط الإنسان أوبحسب تعبيره سقوط الجوهر العقلى ( الكيان الروحى أو العقلى أو القلبى أو نفسه الحقيقية ) بالجرح الغير قابل للشفاء  ( رسالة 6 ) وأن الله أفتقد البشرية برحمته وذلك عن طريق موسى مُعطى الناموس والأنبياء الذين مهّدوا الطريق للطبيب الأعظم " لكن الله فى محبته الفياضة والتى لازيف فيها ، جاء إلينا"        ( رسالة 2 ) . آخذًا صورة عبد ( فى7:2،8 ) لقد أخذ جسدنا وبذل نفسه لأجل خطايانا وسُحق بآثامنا وبجراحاته شُفينا جميعًا ( أش5:53 ) .



يسوع المسيح هو البر الذى يقود إلى التبني :

          يؤكد القديس أنطونيوس أنه لايوجد تبنى بدون الابن الحقيقى يسوع المسيح ففى الرسالة ( 2 ) :

[ ويجب على كل واحد من الخلائق العاقلة التى جاء المخلص أساسًا لأجلها، أن يفحص حياته ، وأن يعرف عقله وأن يميز بين الخير والشر ، لكى ما يتحرر ( يخلص ) بمجئ ( يسوع ) لأن كثيرين تحرروا ( خلصوا) بتدبيره ودعوا ( عبيد) خدام الله . إلا أن هذا ليس هو الكمال بعد ، وإنما فى وقته الخاص كان هو البر ، وهو يقود إلى تبنى البنين ] .

          وفى رسالته الرابعة يقولها بأكثر وضوح أنه بالمسيح صار لنا التبنى وأيضًا يشدد على دور الروح القدس .

[ لأنه إذا اقترب إنسان من النعمة فإن يسوع سيقول له "سوف لاأدعوكم عبيدًا ، بل أدعوكم أصدقائى وأخوتى لأن كل الأشياء التى سمعتها من أبى أخبرتكم بها ( يو15:15 ) فإن كل الذين اقتربوا من النعمة وتعلموا من الروح القدس قد عرفوا أنفسهم حسب جوهرهم العقلى . وفى معرفتهم لأنفسهم صرخوا قائلين " لأننا لم نأخذ روح العبودية للخوف ولكن روح التبنى الذى به نصرخ يا أبا الآب " ( رو 15:8 ) حتى نعرف ماذا أعطانا الله " إن كنا أبناء فإننا ورثة ، ورثة الله ، ووارثون مع المسيح "          ( رو17:8 ) ] .

          وفى الرسالة ( 7 ) يشدد القديس على الفرق الواضح بين المسيح كابن (طبيعى) لله وبقية المخلوقات التى من طبيعة متغيرة ( ليست كاملة )       [ ... لذلك فإنه هو الآن حياة كل طبيعة عاقلة مخلوقة على مثال صورته ،  وهو نفسه ( المسيح ) عقل الآب وصورته غير المتغيرة ( الصورة الكاملة) ( عب 3:1 ) ، أما المخلوقات المصنوعة على صورته فإنها من طبيعة متغيرة ( ليست كاملة ) لأن الشر قد دخل فينا ، وبه مُتنا جميعًا ،  حيث إنه غريب عن طبيعة كياننا العقلى ( الروحى ) ] .

سلوك البنين :

          يركز القديس على السلوك الذى يجب أن يكون عليه أولاد الله :

1- قدموا أنفسكم ذبيحة لله فى القداسة :

          ويشرح ذلك مؤكدًا أن القداسة تتجلى وتظهر فى فعل الصلاح والتوبة .

رسالة (5) : [ ... قدموا أنفسكم ذبيحة لله فى كل قداسة لكيما تروه . لأنه بدون قداسة لايستطيع أحد أن يرى الرب كما يقول الرسول (عب14:12) ... وهى أن تفعلوا الصلاح وهكذا تنعشون القديسين وتعطون بهجة للطغمات الملائكية فى خدمتهم ... ] .

          [ والآن ليمزق كل واحد منكم قلبه أمام الله ويبكى أمامه قائلاً " ماذا أرد للرب من أجل كل أحساناته " ( مز12:116 ) ] .

          وهنا نجد أن التوبة عند القديس تأخذ المعنى الجوهرى وليس الشكلى بتمزيق القلب ومن ناحية أخرى تأخذ الإيجابى فالبكاء هنا سببه الأساسى هو احسان الله ومحبته الفائقة التى غمرنا بها ونحن غير مستحقين ، فماذا نرد للرب من أجل كل احساناته . ] .

2- لاتهملوا خلاصكم وتمثلوا بأعمال القديسين :

          يحذرنا القديس بجرأة المحبة من خطر اهمال خلاصنا نتيجة انشغالاتنا بهذه الحياة السريعة الزوال أو بسبب الأهواء والشهوات الجسدية من أن نفقد الميراث الأبدى الذى هو نصيب القديسين .

          ويؤكد القديس أنطونيوس أن الشر دخيل على المخلوقات لأنها نشأت من مصدر واحد وهو الثالوث كلى القداسة الآب والابن والروح القدس . وبسبب سلوك بعضهم الشرير صار من الضرورى أن يُعطى الله أسماء لكل نوع منهم طبقًا لأعمالهم . وأولئك الذين تقدموا كثيرًا أعطاهم مجدًا فائقًا .

3- محبة الأخوة :

          يؤسس القديس أنطونيوس تعاليمه على وصية المسيح العظمى التى هى المحبة " تحب الرب إلهك من كل قلبك وفكرك وقدرتك ، وتحب قريبك كنفسك " ويشدد على حب القريب كالنفس ففى رسالته السادسة يقول  إن الشياطين يعلمون أن هلاكنا هو عن طريق " بغضة " القريب وأن حياتنا أيضًا وخلاصنا هى عن طريق ( محبة ) القريب ، وأن الذى يخطئ ضد قريبه يُخطئ ضد نفسه ، والذى يفعل شرًا لقريبه فإنه يفعل شرًا بنفسه ، والذى يصنع خيرًا بقريبه يصنع خيرًا بنفسه .

          وهنا نجد أن القديس يشدد على أن العلاقة الخاصة بين الإنسان   والله تظهر فى علاقات الإنسان بأخيه ، فالذى يحب الله محبة حقيقية تظهر فى محبته لقريبه والعكس بغضة القريب تعنى أنه لاتوجد محبة فى القلب تجاه الله ، فالأخلاق عند القديس غير منفصلة عن العبادة الروحية والمحبة عنده يجب أن تترجم فى كم المعاملات اليومية مع الآخرين .

4- أهمية التمييز والتواضع :

          فى الرسالة السادسة يحث القديس المؤمنين أن يتدربوا على التمييز ويبتعدوا عن الكبرياء ويتحلوا بالتواضع ، وروح التمييز هنا لمعرفة طريق الرب من طرق الشياطين .

          [ حقًا ، يا أبنائى ، إنى أريدكم أن تعرفوا أن كثيرين قد سلكوا طريق النسك طوال حياتهم ، ولكن نقص التمييز والافراز تسبب فى موتهم، حقًا يا أبنائى ، إنكم إذا اهملتم نفوسكم ، ولم تميزوا وتمتحنوا أعمالكم فلا أظن أنه يكون أمر عجيب أن تسقطوا فى يد أبليس بينما أنتم تظنون أنكم قريبون من الله ،  ... فأى احتياج كان ليسوع حتى يمنطق نفسه بمنشفة ويغسل أرجل من هم أقل منه ... إلا لكى يعطينا مثالاً ، من جديد !( انظر يو 4:13-17 ) .

          لأن بداية حركة الشر كانت هى الكبرياء الذى حدث أولاً ... ولهذا فبدون اتضاع عظيم بكل القلب والعقل والروح والنفس والجسد ، لن تستطيعوا أن ترثوا ملكوت الله ] .

امتياز البنين :

1- مجئ الروح القدس إلينا ليسكن فينا :

          يذكرنا القديس بأن نار الروح القدس الغير مرئية هى نصيب البنين الذين يسلكون بحق كأولاد لله ، هذه النار تحرق كل الشوائب لتتطهر روحنا وعندئذ يسكن فينا الروح القدس ويمكث بذلك المسيح معنا ، وهكذا سنكون قادرين أن نسجد للآب كما يحق ، ويحذرنا القديس بأنه لوبقينا متصالحين مع طبائع العالم ، فإننا نكون أعداء لله ولملائكته ولجميع قديسيه ( رسالة 5 ) .

          هنا نجد دور الروح القدس الذى يقدس ويطهر القلب والروح والنفس ويهيئ الإنسان لمعية المسيح .

2- الحرية الحقيقية بالمسيح :

          مفتاح حريتنا الحقيقية هو المسيح نفسه الذى أخلى ذاته آخذًا صورة عبد ( فى 7:2 ) لكيما يحررنا بعبوديته .

          والتلمذة للمسيح فى نظر القديس أنطونيوس هى أن نحرر أنفسنا بواسطة مجيئ المسيح ونتشبه بتواضعه فنصير تلاميذ له ونرث معه الميراث الإلهى ( كبنين ) .



3- موهبة الافراز والتمييز ( البصيرة الروحية ) :

          فى الرسالة الحادية عشر يذكر القديس أن النظر الجديد أى البصيرة الجديدة أو موهبة الافراز والتمييز هى من نصيب أولاد الله : [ هؤلاء هم الذين صاروا أولاد الملكوت ، وحسبوا فى حالة التبنى لله ، هؤلاء يعطيهم الله هذا النظر الجديد فى كل أعمالهم ، لكى لايستطيع إنسان أو شيطان أن يخدعهم . لأن المؤمن يمكن أن يُخدع بحجة الصلاح ، وكثيرين خدعهم الشيطان بهذه الطريقة ، لأنهم لم يكونوا قد نالوا هذا النظر الجديد من الله . ولأن الرسول بولس المغبوط ، عرف أن هذا هو غنى المؤمنين الذى لاحد لعظمته ، كتب يقول " إنى احنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح ... لكى يعطيكم روح الحكمة والاعلان فى معرفته ، لكى تستنير عيون قلوبكم لكى تعرفوا العرض والطول والعلو والعمق ، وتعرفوا غنى ميراث القديسين . ( أف14:3،18 ـ أف 16:1-18 ) ] .


الجمعة، 27 يناير 2012

المرأة والكهنوت....رؤية لاهوتية


المرأة والكهنوت....رؤية لاهوتية


                           د. جورج عوض إبراهيم

إن مسألة كهنوت المرأة  دخلت في التعليم الأرثوذوكسي بواسطة حوارات الحركة المسكونية. لقد أعاد لاهوتيون كثيرون النظر في مواقفهم ، أما بالنسبة للأرثوذوكس  قد تمثل هذه الفكرة عائق صعب تخطيه في مسيرة الحوار والوحدة .

بالنسبة للكنيسة الأنجليكانية ، قد إنعقد مؤتمراً في lamberth في أغسطس 1988م وتقرر فيه قبول النساء في الدرجة الأسقفية مع الأعتراف بأنه ستكون هناك صعوبات سوف تنشأ في أحضان الجماعة الأنجليكانية  . فالكنيسة الأنجليكانية في مصر ،على سبيل المثال ، لم تقبل مسألة رسامة المرأة للكهنوت. لكي ندرك الأساس اللاهوتي لقبول أو رفض هذه المسألة ، علينا ان نتعرف على وجهة نظر الكنيسة الأنجليكانية من خلال الحوار الذي تم بين روما وكانتربري ، نقصد البابا بولس الثاني من خلال الكاردينال جوهانس ويليبراندس Johannes willebrands رئيس سكرتارية الفاتيكان عن وحدة المسيحيين وبين Robert Cantuar  رئيس أساقفة كانتربري cantarbury .

لقد أنطلق رئيس أساقفة كانتربري من طبيعة جسد الكنيسة ، على أساس الكهنوت العام من خلال ما ورد في 1بط5:2-6: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، بَيْتاً رُوحِيّاً، كَهَنُوتاً مُقَدَّساً، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لِذَلِكَ يُتَضَمَّنُ أَيْضاً فِي الْكِتَابِ: «هَئَنَذَا أَضَعُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرَ زَاوِيَةٍ مُخْتَاراً كَرِيماً، وَالَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَنْ يُخْزَى».

وكذلك نص رؤ6:1 :" وَجَعَلَنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً لِلَّهِ أَبِيهِ"

هكذا الكاهن يقبل بالرسامة رسالة الكنيسة لكي يمثل المؤمنين الذين هم رجال ونساء ، بالتالي يمكن للكهنوت السرائري ان يُمارس أيضا بواسطة النساء. بالمثل ينادي أستاذ اللاهوت النظامي paul k.Jewett  : " الكاهن عندما يخدم لا يخدم بأسمه – in persona propria – بل بإسم الجماعة التي تنتمي إلى الله " وقد دعم رأيه بشهادة من توما الأكويني حين قال ان الكاهن يوجه صلوات الخدمات الليتورجية بإسم الكنيسة – in persona Ecclesiae -  هذا الطرح يقود إلى نظرية الكهنوت العام لكل المؤمنين الوارد في نصوص الكتاب مثل نص 1بط9:2 : "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ". وكذلك نص تيطس 5:3 : "لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ -خَلَّصَنَا بِغَسْلِ \لْمِيلاَدِ \لثَّانِي وَتَجْدِيدِ \لرُّوحِ \لْقُدُسِ". بالتالي المرأة يمكن ان تكون قائمة على الليتورجيا أمام المذبح[1]. وطالما كل مؤمن ينال قوة المسيح في حياته ويجب ان ينقلها إلى الآخرين ، بالتالي – بحسب رأي الأب جون ريشس John Riches – الرجال والنساء من المؤمنين بدون تمييز ينقلون قوة المسيح للآخرين إذ يمثلون المسيح للآخرين[2].

إذن صار مدركاً كيف ان الكهنوت  - بالنسبة إلى الكنيسة الأنجليكانية – هو ممكن لكل المؤمنين ، كذلك المعمد هو كاهن طالما بواسطة نوال الميلاد الثاني أخذ رسالة تجاه الجماعة الكنسية . من الواضح ان مفهوم الكهنوت يختلف تماما عن مفهومه في الكنيسة الأرثوذوكسية . في التعليم البروتستانتي مصطلح رسامة χειροτονια يقترب من مفهوم مصطلح : إختيار εκλογη أو مصطلح  : وضع اليد  للمباركة χειροθεσια لتتميم خدمات كنسية خاصة في سياق كهنوت المؤمنين العام ، بينما في الكنيسة الأرثوذوكسية مصطلح رسامة χειροτονια يتطابق مع الرسامة السرائرية الخاصة بالسلطان الكهنوتي . الكهنوت تراه الأرثوذوكسية على أساس ان مركزه المسيح وليس  جسد الكنيسة المكون من أعضائها الرجال والنساء . إن جذور الكهنوت نراه في كهنوت المسيح وليس في طبيعة الكنيسة . فالكهنوت يكون في الكنيسة لأجل الكنيسة لكن لا يعتمد عليها ، بل فقط على المسيح ذاته الذي هو رئيس الكهنة الأعظم ، هنا نرى ان الكنيسة الأنجليكانية شأنها مثل البروتستانت يخلطون بين الكهنوت العام للمؤمنين وبين الكهنوت الخاص الذي يقوم بالخدمة السرائرية  ، لذلك ليس صدفة ان لا نرى في الكنيسة البروتستانتية استخدام مصطلح مذبح وذبيحة اثناء تتميم ذكرى عشاء الرب ولا تُسمي القائم على الخدمة بلقب كاهن .  بالنسبة للكنيسة الأرثوذوكسية ، الكهنة ينتمون الى الكنيسة كأشخاص مؤمنين لكن مصدر الكهنوت السرائري لا يُوجد في الكنيسة بل في المسيح ذاته . نفس الأمر الرسل قد أُختيروا من بين التلاميذ لكن رتبتهم الرسولية ليس لها مصدرها من تلاميذ آخرين بل من المسيح ذاته . كذلك إبن الله أخذ جسد وطبيعة بشرية لكن لقب رئيس كهنه لم يأخذه من الطبيعة البشرية بل من الله أبيه : ( " كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ». كَمَا يَقُولُ أَيْضاً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ» ) عب 5:5-6 . إذن الكهنوت السرائري لم يُؤسس على الكهنوت العام بل على كهنوت المسيح .

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ، هو : هل أُثير هذا الموضوع في الكنيسة الأولى ؟ وإذا كانت الإجابة : نعم ، ما هو موقف الكنيسة وقتذاك ؟

الإجابة على السؤال الأول ، نعم قد أُثير هذا الموضوع من جانب الغنوسيين والمونتانيين المنشقين وكذلك أتباع بعض الهراطقة مثل ماركيون وغيره . بالتالي ، ما هو موقف الكنيسة وقتذاك ؟ الإجابة : لم تقبل الكنيسة رسامة المرأة في الخدمة الكهنوتية لكن أكدت على مكانة المرأة العظيمة في الكنيسة ، ونرى هذه التعاليم في كتاب تعاليم الرسل  المكتوب في النصف الثاني من القرن الثاني في ترجمته السيريانية: Αποστολικαι Διαταγαι , ΙΙΙ,6,1-6 9,1-4 . أساس هذه النصوص هو تعليم بولس الرسول الذي يؤكد على مكانة المرأة في الكنيسة : ( أنظر 1كو14:6-19. 1:7-17 . 3:11-14. 34:14-35. غلا 26:3-29. أفس22:5-23.....الخ ).

وفق الكتاب المقدس رسالة المرأة لا تحتوي على الرسالة الكهنوتية السرائرية . فنحن أما غياب تام لنصوص كتابية تشير إلى دخول المرأة في سر الكهنوت ، وكذلك غياب النصوص الآبائية يؤكد موقف الكنيسة. المرأة قد تكون نبية ، قديسة لكن ليست كاهنة . لقد أسس الرب يسوع إرارخية حيث أختار ودعا الرسل الأثنى عشر بدون ان يتوجه إلى أُمه أو أي إمرأة لكن سمح لهن ان يتبعنه ( أنظر لو13:6) . أيضاً دعا بطرس قائلاً " أرع خرافي "  ( يو15:21-17) ، أثناء العشاء السري دعا فقط الأثنى عشر تلميذاً لكي يؤسس الإفخارستيا وطلب منهم " إفعلوا هذا لذكري " ( لو 19:22) بعد قيامته وقبل يوم الخمسين نفخ فيهم الروح القدس ، قائلاً : «ﭐقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ». وفي رسالته هذه لم يدعو المسيح أمه ولا أي إمرأة . والرسل أنفسهم بعد ذلك لم يرسموا أبدا إمرأة للكهنوت . لدينا شهادة واضحة من القديس إبيفانيوس أسقف سالاميس ضد الهراطقة الذين ينادون برسامة المرأة للكهنوت السرائري ، إذ يقول : "  من الأزمنة الأولى لا نجد إمرأة خدمت خدمة كهنوتية ، بالرغم من اننا نرى في العهد الجديد نساء نبيات أو من الأنبياء ( أنظر لو 36:2.أع9:21 ) ، ولا إمرأة واحدة  نجدها من الرسل ، ومن الكهنة . كانت نساء كثيرات يتبعن المسيح : مريم أُمه ، سالومي وأُخريات من الجليل ، لكن من بينهن لم يجعل واحدة منهن رسول ولا كاهن . كان يوجد في الكنيسة طقس الشماسات ، هذا مؤكد . لكن هذه الوظيفة تختلف عن وظيفة الكاهن . بالأضافة إلى الشماسات ، لدى الكنيسة الأرامل والعذارى لكن أبدا لا نجد نساء في رتبة الكهنوت . بعد هذه الأجيال الكثيرة التي حملت هذا التقليد لا نستطيع نحن أن نرسم نساء للكهنوت " [ Επιφανιου , Παναριον lxxix,3  ]. نكتفي بهذا القدر على وعد بأننا سوف نرجع إلى هذا الموضوع بأكثر تفصيلاً لتعميق الأساس اللاهوتي له  ولكي نرى ردود كنيستنا القبطية الرسمي  على الحوار الذي تم بين الكنائس بشأن هذا الموضوع ا.





[1] Paul k. Jewett , the ordination of women, Michigan1980,p79-80
[2] John Riches,” Anglican Orthodox joint Doctrinal Discussions – the case of ordination of women to the priesthood” ( Ad/DD1985),p26-27

الأربعاء، 18 يناير 2012

سر المِسحة - الأب رومانيدس - ترجمة د جورج عوض


26ـ عن سر المِسحة

الأب رومانيدس – ترجمة د. جورج عوض



يبدو في الكنيسة الأولي بأنه لا يُتمّم سر المسحة  مع سر المعمودية. سر المعمودية يُتمّم لغفران الخطايا, أما سر المسحة يُتمم للذين بالفعل قد صاروا أعضاء لجسد المسيح.  يُفترض أنه لهؤلاء قد أتي بالفعل وصلي الروح القدس في قلوبهم, أي كانوا مدعوون من الله. لذا سر المِسحة يُتمم كختم لهذا الحدث. لأجل هذا أثناء إتمام السر يقول الكاهن "ختم عطية الروح القدس" عندما يُمسَح المسيحي. هذا الختم وقتذاك كان تأكيد من الكنيسة أن ذاك المسيحي الذي للتو قد مُسِح, هو موجود في حالة الإستنارة. لأجل هذا في التقليد اللاتيني المسحة تُسمي Confirmatio, أي التأكيد. التأكيد بأن ذاك المسيحي, طالما مرَّ من التطهير, قد وصل إلي حالة الإستنارة. بالتالي تأتي الكنيسة أيضًا لتختمة ويُعتبَّر بعد ذلك عضو لجسد المسيح.

هكذا في الكنيسة الأولي فقط بعد المسحة يُعتبر المعمد عضو للكنيسة. بالمعمودية ينال غفران الخطايا وبالمسحة يصير عضو للكنيسة.  اما اليوم المسحة تُتمم للأطفال مباشرةً بعد المعمودية.