الجمعة، 7 سبتمبر 2012

الله كما تعرفه الكنيسة



الله كما تعرفة الكنيسة د جورج عوض إن الله فى الإعلان الكتابى يعلن عن نفسه للبشر ، فحركة الإعلان أتت من أعلى إلى أسفل وليس العكس ، والله ليس موضوع قابل للفحص والإثبات، ولكن يعلن نفسه للإنسان ، ولو فهم الإنسان الله وتصوره بمعايير بشرية تحول الله إلى وثن وصنم ، فالله غير مصنوع من نتاج أفكارنا البشرية ، فالإنسان خُلق على صورة الله وليس العكس . الإله الحقيقى للكتاب المقدس والكنيسة هو الله (السر) أى الذى يعلن عن نفسه باستمرار للإنسان ولا يُستنزف إطلاقًا ، فكلما ظن الإنسان أنه عرفه، ينتابه شعور ويقين أنه مازال على الأبواب ولم يدخل بعد ، إنه " بحر سباحة لا يُعبر " كما رآه حزقيال ، وبهذا المعنى هو البعيد جدًا وفى نفس الوقت هو القريب الذى يملأ الكل ، وموجود فى كل مكان حولنا وداخلنا . وهو كائن ليس كغلاف جوى أو قوة غير مشخصة، ولكن بطريقة شخصية ، أى أن الله يعلن نفسه للإنسان كشخص، صانعًا علاقة محبة بينه وبين الإنسان الله لا يُقارن بأى شئ وهو فوق كل شئ ، لذلك يستخدم الكتاب صور مقربة وتعابير بشرية عن الله وهى بالتأكيد غير كافية لكى تعبر عن تنزيه الله ، إذ هو " منزه عن أى وصف بشرى " لذلك فإن اللاهوت فى أغلبه يُعبر بطريقة سلبية عن الله كما فى القداس الغريغورى : " مستحق وعادل । مستحق وعادل । مستحق وعادل । مستحق بالحقيقية وعادل । أن نسبحك ونباركك ، ونخدمك ، ونسجد لك ونمجدك ، أيها الواحد وحده الحقيقى ، الله محب البشر ، الذى لا يُنطق به ، غير المرئى، غير المحوى، غير المبتدئ ، الأبدى، غير الزمنى ، الذى لا يُحد ، غير المفحوص، غير المستحيل ، خالق الكل ، مخلص الجميع ، هذا يعنى أننا لكى نقترب من الله السر يستلزم دائمًا تغييرًا للفكر (التوبة)، الذى هو تغيير داخلى مستمر فى الفكر لكى نتجاوز كل الصور البشرية، فالاقتراب من الله يتطلب نقاوة للفكر والذهن، وهذا هو سر أوشية الإنجيل التى يصليها جهارًا الكاهن أن يعطينا الله أذانًا للسمع وعيونًا لنرى ، لنستحق أن نسمع ونعمل بالإنجيل ، وفى أوشية أخرى للإنجيل "وافتح حواس نفوسنا، ولنستحق أن نكون ليس فقط سامعين بل عاملين أيضًا بأوامرك المقدسة .. ". وفى بداية قانون الإيمان نقول " نؤمن بإله واحد "، ولا نقول " نؤمن بوجود إله واحد" فالفرق بينهما شاسعًا، كما يؤكد الأسقف الأرثوذكسى كاليستوس. فالصيغة الأولى تؤكد على أنه توجد علاقة شخصية بيننا وبين الله، فعندما أقول أؤمن بك يعنى إننى أحبك وأصنع علاقة معك كشخص ، أما (يوجد فلان) هذا لا يعنى أن هناك علاقة مؤكدة بينى وبينه . فالإيمان بالله ليس هو نتاج تأكيدات منطقية أو هو مجموعة نتائج لمشكلة حسابية ، أن نؤمن بالله ليس هو نتيجة إثباتات نظرية عن وجود الله ، ولكن هو نتاج معرفة حقيقية ومحبة وعلاقة شخصية بينك وبينه، الإيمان دعوة شركة بيننا وبين الله ، فالله يصير موضوع حبنا، وليس موضوع تفكيرنا (أى موضوع إثباتات نظرية)، الله غير قابل للتملك ولكن يصنع شركة مع كل المخلوقات لأنه هو سر حياة كل الخليقة ، والموت لأى كائن هو انقطاع العلاقة بين الكائن والله . إن كل مخلوق هو ظهور إلهى (ثيؤفانيا)، والمسيحى هو الذى يرى الله فى كل شئ ، لذلك فالمزمور يقول "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه ". إذن الكون والبيئة المحيطة والطبيعة وكل شئ حامل للإعلان الإلهى ، فكلها مقدسة لأن سر وجودها يكمن فى هذه الشركة والعلاقة بينها وبين الله، وعلى الإنسان أن يرى الخليقة فى هذا الإطار، فالخليقة حاملة للإعلان الإلهى ، هى ظهور إلهى، والتعامل معها يكون من هذا المنطلق، فهى خليقة الله وفى علاقة دائمة معه، لأنه هو سر حياتنا، فالإساءة إليها إنكار لقدسيتها وتجاهل أنها تحمل ختم الله . نستخلص من كل ما سبق أن إيماننا بالله، إنه شخص يعنى أنه يصنع علاقة معنا ومع كل الخليقة ، وانقطاع العلاقة يعنى الموت لأنه هو سر الحياة لهذا الكون ، والخليقة التى تحمل هذه العلاقة هى مقدسة بهذا المعنى، والتعامل معها دائمًا من هذا المنطلق . الله الثالوث إننا نؤمن بإله واحد، وفى نفس الوقت نؤمن بثلاثة أقانيم الآب والابن والروح القدس . الله ليس واحد فقط ولكن وحدة بين ثلاثة أقانيم . وعبارة " الله محبة " لا تُفهم إلاّ فى إطار الثالوث، لأن الواحد لا يستطيع أن يحب ما لم يكن هناك آخر ، وهذا هو تعريف الشخص ، فالشخص يصنع علاقة ، أما الواحد والفرد فهو منعزل ومركزه الأنا. فالمحبة لا تُوجِد فى الانعزال ولكن تستلزم الآخر. فالثالوث يعلن أن الله محبة، والثالوث كما قال فلاديمير لوسكى " هو صليب لطرق التفكير البشرى " ، إذ يتطلب تغييرًا جذريًا، أى تغيير حقيقى للفكر "الذهن " والقلب ، لأن الإنسان فى سقوطه يفكر بطريقة فردية، أى بمركزية الأنا ولا يستطيع أن يستوعب ويدرك أن الله محبة، إلاّ إذا لم يكن فى حالة تغيير مستمر ذهنيًا " تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم " . إن شارلز وليامز فى روايته " النزول للجحيم " يقول إن محبة نفوسنا هى الجحيم لأن محبة نفوسنا تضع النهاية لأى فرح وأى معنى . الجحيم ليس الآخرون، كما يدعى سارتر، ولكن الجحيم هو نفوسنا عندما تكون منفصلة عن الآخرين ومحصورة فى الأنا । إذن، سلوكيات الإنسان الساقط (الفرد) دائمًا متمركزة حول الأنا ، هو لا يصنع علاقة، ولكن يريد أن يمتلك الآخر سواء كان إنسان مثله أو شئ । بهذا المعنى عندما يتعامل الفرد مع البيئة المحيطة ، يتعامل معها بأسلوب التملك ، يريد أن يمتلكها ويستغلها لنفسه بغض النظر عن الأضرار التى يسببها للبيئة وللآخرين، لأنه يعيش لنفسه । هذا الكلام يسرى على الأفراد وعلى الدول فى فرديتها وأنانيتها، والمطلوب أن يتحول الفرد إلى شخص لكى يتعامل مع الآخر صانعًا علاقة شركة حوارية وليست إحتلالية . الله الخالق لقد خلق الله العالم من عدم أى بدافع المحبة ، فلا يوجد شئ يجبر الله على خلق الإنسان والكون । والخلق لا يعنى أن الله حرك العالم بحركة أولية وترك الكون يعمل بقوانين معينة ، فالله ليس " ساعاتى" لهذا العالم ولكن الخلق ديناميكى ومتحرك ومازال الله يعمل "أبى يعمل" فالعالم يعتمد اعتمادًا كليًا على الله । لم يتوقف الله أن يكون خالق لهذا الكون ، هو موجود فى قلب كل شئ " فيه يقوم الكل " ، والقداس الكيرلسى يقول : [ يا خالق البرية ، ما يُرى وما لا يُرى ، المعتنى بكل الأشياء لأنها لك يا سيدنا محب الأنفس ॥ ] . فالله خالق كل شئ ، ولم يكتفِ بذلك بل يعتنى بكل الأشياء لأنها خليقته. فالخلق ليس حدث قد تم فى الماضى ، ولكن هو له علاقة فى الحاضر، لو أن الله لم يستمر فى الخلق ولو للحظة واحدة لصار الكون عدمًا . الخليقة لا تستطيع أن تنفصل عن خالقها ولو للحيظة (أى جزء من الثانية) لأن فيه يقوم الكل ، لذا كل خليقة الله حسنة وجيدة ولا توجد ثنائية غنوسية أو مانوية والتى تنادى بوجود إلهين، واحد للخير وآخر للشر . لا توجد عداوة بين المادة والروح أو بين الجسد والروح ، أساس ما علَّمنا به الكتاب المقدس عن طبيعة الإنسان أن الإنسان لا يمكن أن يُدعى فقط نفس ، ولا فقط جسد ، ولكن الاثنين معًا كما يشرح القديس كيرلس الأسكندرى . عندما نتكلم عن " الجسد " بطريقة سلبية أى تحط من شأنه مثل تعبير " حياة جسدية "، نقصد الإنسان فى حالة سقوط وليس الجسد فى حد ذاته . وبكلمة روحى لا نقصد النفس ولكن الإنسان " جسدًا ونفسًا " فى حالة شركة مع الله . إن صراع الإنسان المؤمن ليس ضد الجسد فى حد ذاته، ولكن ضد سلوكيات جسدية لها جذورها فى الأنا ونتائجها المدمرة للإنسان والطبيعة . الآباء كانوا ضد تعاليم الغنوسية عن الجسد الإنسانى ، الذى كان فى نظرهم نتيجة للسقوط ، متأثرين بالأفلاطونية التى كانت تعتبر أن الإنسان خلق روحًا، وعندما سقط حبس فى الجسد كعقاب له، وأيضًا المانوية التى كانت تعتبر أن الجسد أو المادة هو من خالق الشر، لكن الكنيسة تمسكت بتعاليم الكتاب لأن " الكلمة صار جسدًا" (يو1)، فاللوغوس لم يكن فكرة أو صياغة مجردة نظرية أو فلسفية ، ولكن اللوغوس هو الخالق، شخص الذى صار له وجود جسدى ومادى والذى شارك طبيعتنا ، وبهذا المعنى، لم يُعلِّم الكتاب بأن الإنسان مقسم إلى عنصر روحى وعنصر جسدى ، لكن الإنسان هو روح وجسد ، ولا يوجد بينهما انفصال ولكن وحدة ، ولا توجد أفضلية نوعية بين الروح والجسد ولا اختلاف جوهرى بينهما ، لذا المادة تقدست بالتجسد ، ونحن نتحد به بواسطة سر الإفخارستيا (الخبز والخمر يصيران جسد ودم الكلمة المتجسد). وفى المعمودية، الماء يصير وسيلة لنقاوة الجسد والنفس ، فالمادة ليست عدو لنا ، ولكن تقدست . إن بقايا أجساد القديسين تظل مصدر قداسة لنا ـ القيامة ستكون قيامة أجساد وتجلى لكل الخليقة المادية ، إن جسد الإنسان هو هيكل للروح القدس (1كو19:6) . وفى الخلق أتت الحياة من المادة ، الله أخذ ترابًا من الأرض ونفخ فيه نسمة حياة وخلق الإنسان ، وبولس الرسول يعلن أن كل خليقة الله صالحة (1تى4:4) . لقد أحب الله كل ما صنعته يداه، وبحسب الأسقف كاليستوس وير " يجب أن نتكلم عن الله لا كصانع (خالق) ولكن الله العاشق ، فهو حقًا يعشق ويحب الإنسان والكون حبًا لا حدود له " . الله هو مدبر الخليقة ، والعالم ـ بحسب الآباء ـ هو مكان الله ، لأنه المكان الذى يعلن الله فيه عمله (يوحنا الدمشقى) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق