الاثنين، 3 سبتمبر 2012

العدالة الاجتماعية د. جورج عوض

العدالة الاجتماعية
          د. جورج عوض


ألف (نويوأكي نوتوهارا) أستاذ الأدب العربي في جامعة طوكيو كتابًا بعنوان: "العرب: وجهة نظر يابانية" شرح فيه وجهة نظره في مجتمعاتنا. أراد المؤلف أن يخاطب عقل القارئ العربي، لذا كتبه باللغة العربية. أشار إلى أول اكتشافاته الصادمة في المجتمع العربي وهو غياب "العدالة الإجتماعية" معتقدًا أن القمع داء عِضال في المجتمع العربي [1].
ونحن نرى أن أزمة الإنسان في مجتمعاتنا ليست أزمة إجتماعية مؤقتة بل هي أزمة أنثروبولوجية، كما يقول الميتروبوليت إيرويثوس فلاخوس، الأزمة الكبرى هي الإنسان نفسه. لقد فقد الإنسان العلاقة الحقيقية بينه وبين الله. فقدان هذه العلاقة له نتائج سيئة في نظرته لله وللكون ولأخيه في الإنسانية.
فالقمع هو "كل نظرة دونية لأي إنسان، وكل تعصب قبلي أو عائلي أو ديني أو قومي أو طائفي أو مذهبي أو سياسي، وكل تزوير وتضليل في كل الميادين الحياتية، وكل نقد تجريبي غير موضوعي، وكل رفض للحوار والتعاون والتنسيق والتوحيد، وكل إستهتار بالأخلاق والحريات والقوانين، الخادمة للإنسان" [2].
نعود إلى أستاذ الأدب العربي في جامعة طوكيو لنفحص وجهة نظره:
الإنسان في مجتمعنا ـ كما يقول أستاذ الأدب العربي في جامعة طوكيو ـ مشغول بفكرة النمو الواحد على غِرار الحاكم الواحد والقيمة الواحدة والدين الواحد. هنا يركز على غياب التمايز وغياب مفهوم الشخص لحساب مفهوم الفرد. فالإنسان في مجتمعنا ليس شخص له أقنوم خاص وهوية خاصة متفردة، وشخصية مستقلة تصنع علاقة مع الآخرين ولا تذوب في المجموع. الإنسان في مجتمعنا  هو مجرد فرد ورقم وواحد في قطيع. ويبرهن (نويوأكي) على هذا الأمر قائلاً: "إن الناس يحاولون أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم. وتحت هذه الظروف تغيب إستقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين، حيث يغيب المواطن الفرد لصالح الجماعة، وهنا يحاول الفرد أن يميز نفسه بـ "النسب" كالكنية أو المنصب في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود فيه القمع، فيغيب الوعي والشعور بالمسئولية، ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسئولية تجاه الممتلكات العامة، ولذلك يدمروها الناس إعتقادًا منهم أنهم يدمرون ممتلكات السلطة لا ممتلكاتهم هم. وهكذا تغيب المسئولية تجاه أفراد المجتمع الآخرين.
إن التعليم الذي كرز به المسيح كان ضد أي روابط فاسدة وغير إنسانية في المجتمع. لقد نادى بالتغيير، الذي هو التعديل المستمر نحو بلوغ حياة أفضل على المستوى الشخصي وعلى مستويات المؤسسات والأنظمة لأن جمود الأوضاع لفترات طويلة ضد سرعة الحركة والتطور، الأمر الذي يسبب عقم في الفكر والإبداع والخلق والتي هي سمات الإنسان المخلوق "على صورة الله ومثاله". هكذا المطلوب من المسيحي أن يجاهد ويعمل لكي يواجه المشاكل الإجتماعية حتى يساهم في بناء عالم أفضل من الآن فصاعدًا، أي داخل التاريخ. إن التغيير لا يخص الحالة الروحية للإنسان، ولكن تشمل كل حياة الإنسان بعلاقتها المتعددة. 
إن الوصية الجديدة للمحبة والتي نادى بها المسيح تتطلب ليس فقط إنسان جديد بل ومجتمع جديد، فأخلاق المحبة وثقافة "قبول الآخر"، و "ثقافة التسامح" التي علمها المسيح لها نتائج إجتماعية شاملة تطلب من الإنسان أن يغير الروابط الإجتماعية ويؤسس عالم يسوده العدل، عالم أكثر إنسانية. ومن جهةٍ أخرى، فإن المحبة لا يمكن أن تتصالح مع عادات وروابط وبرامج إجتماعية تعتبر الإنسان شيء أو أداه لكي ترضى أهدافها أو أيدلوجياتها، لقد قاوم المسيح بشدة الظلم: " تباعدوا عني يا جميع فاعلي الظلم" (لو27:13).
هناك أيضاً سؤال يفرض نفسه : هل أدخل المسيح برنامج معين أو نظام معين لحل المشكلات الاجتماعية؟ لكى نعرف الإجابة على هذا السؤال لابد أن ننطلق مما قاله المسيح فى (لو13:12) عندما سأله أحد أن يقاسمه الميراث مع أخيه، فقال له : "يا إنسان من أقامنى عليكما قاضياً أو مقسماً" وأكمل قائلاً : "انظروا وتحفظوا من الطمع فإنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لو15:12).
لا يعنى هذا أن المسيح لا يبالى بالمشاكل الاجتماعية لأنه مما سبق وجدنا كيف أن المسيح أظهر اهتماماً شديداً للفقراء وللعدل الاجتماعى. البداية لفهم موقف يسوع هو ما طلبه المسيح نفسه : "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم" (مت33:6) لقد أراد المسيح بهذا الطلب أن يقول أنه أتى إلى هذا العالم لكى يكرز بملكوت الله : "فقال لهم ينبغى أن أبشر المدن الأُخر أيضاً بملكوت الله لأنى لهذا قد أُرسلت" (لو43:4).
إن الشرط المهم لحل المشكلات الاجتماعية لدى المسيح ـ هو التمسك بملكوت الله فى حياة الفرد والمجتمع الإنسانى . فالمشكلة الاجتماعية لا تُحل فقط بمتغيرات خارجية لكن الحل الأساسى والمُرضى لهذه المسألة هو ممكن بالاحتفاظ بملكوت الله فى قلوب الناس.
فلو تكوّن هذا التغيير العظيم والثورى فى داخل الإنسان ، ولو انتزعت الكراهية من النفس وحلت محلها المحبة، عندئذ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ستجد لها حلول . وهذا هو مفهوم ما قاله المسيح : " اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم " (لو31:12).
لابد أن نكرر على أن موقف المسيح هذا لا يعنى أن المسيحى يجب أن يأخذ موقف سلبى تجاه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التى يواجهها الإنسان . على العكس عندما شدّد المسيح على " اطلبوا أولاً ملكوت الله " فهو يطلب موقف فعّال من جانب المسيحيين لكى تُحل المشكلة الاجتماعية. وهكذا لو أن أحدًا استلهم وانقاد بروح ملكوت الله لا يمكن إلاّ أن يسأل ويفتش ويبحث دائمًا وبطرق كثيرة مقدمًا الحل الأكثر صحة للمشاكل التى تشغل المجتمع . إذن وصية المسيح(اطلبوا أولاً ملكوت الله) لا تعنى التمنى والدعاء فى طلب ملكوت الله ولكن تعني بذل المحاولات العملية والفعّالة فى تحقيق ملكوت الله الذى هو تحرر البشر من الألم والفقر والظلم والقهر والمرض مثلما كان يفعل المسيح على الأرض ، إنها رسالة الكنيسة اليوم. فالكنيسة تشجع المؤمن أن يواجه بشجاعة مشاكله الاجتماعية منطلقًا من محبته الحقيقية نحو الله ونحو أخيه الإنسان وبمساندة المنطق (العقل) والعلم والخبرة والمناهج والمؤسسات التى تجاهد لتقود المجتمع ليصبح أكثر إنسانية ، المطلوب منا أن نفحص أى نظام سوف ننتهجه بعد ثورة 25 يناير المجيدة على هذه التعاليم فلو كانت مثلاً الرأسمالية تُقسم الناس إلى أقلية أغنياء تُسيطر على أغلبية بائسة (لعازريين جُدد) فهى مرفوضة . وإذا كانت الاشتراكية تساعد على الخمول والكسل والتواكل من الأغلبية منتظرة من الدولة الدعم والنصيب وهم غير فعّالين فى المجتمع فهى أيضًا مرفوضة .






________________________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق