الأحد، 26 سبتمبر 2010


الخليقة رؤية إفخارستية
” موقف تجاه أزمة البيئة ”
د. جورج عوض ابراهيم

أنين الخليقة والأزمة البيئية
إن الأزمة البيئية هى مشكلة تواجه المجتمع الإنسانى في أيامنا، وهذه الأزمة ـ على عكس المشاكل الأخرى ـ تخص كل الكائنات البشرية على الأرض بغض النظر عن أين يسكنون وإلى أى طبقة اجتماعية ينتمون. فأزمة البيئة هى مشكلة تتعلق لا بنوعية الحياة ولكن بالحياة البشرية في حد ذاتها، وربما كل الخليقة جمعاء.
لذا من الصعب أن يحدث شر آخر يمكنه أن يهدد الكون بالدمار الشامل مثل الشر البيئى. قد يرى البعض أن الأمر بهذه الصورة هو
مبالغ فيه، لكن واقعيًا لا نجد اليوم علماء ومسئولين جادين ولا سياسيون لا يوافقون على خطورة الأزمة البيئية.
والمتتبع للأمور الجارية يرى أن كل الأنباء والأخبار تحذر بقرب النهاية المأساوية للحياة فوق كوكبنا، وهذا ليس فقط موضوع نبوى أو تخمين ولكنه أمر لا مناص منه إن بقى الأمر على ما هو عليه. لكن ما الذي يمكن أن يقدمه التعليم المسيحى إلى البشرية. فمن غير المعقول أن تصمت الرسالة المسيحية أمام هذه الأزمة خصوصًا أن الإيمان له علاقة جوهرية بكل ما يخص الحياة والموت، وازمة البيئة هى على نفس هذا المستوى. فالكنيسة تأخذ على عاتقها هموم ومشاكل المجتمع البشرى، ولا تكتفى بتقديم نصائح وحلول نظرية بل تشترك فعليًا وعمليًا، وتتعاون لحل مشاكل وأزمات البشر. فالرسالة المسيحية التي تعرف الحق وتنادى بذلك، إن لم تقدّم حياة للعالم تصبح بلا معنى أو مفهوم.
لو تتبعنا المحاولات التي يبذلها المجتمع البشرى لأجل احتواء الأزمة البيئية، نجد أن كل الآمال تتجه ناحية السلوك الأخلاقى .
فالأوامر الأخلاقية سواء فرضتها الحكومات أو الهيئات المهتمة بأزمة البيئة تبدو أنها تسند أو تعضد الآمال البشرية وسط الأزمة الحالية.
تنادى التعاليم الأخلاقية بالسلوكيات الفُضلى، فتدعو مثلاً أن نستخدم بقدر الإمكان طاقة أقل، وأن نتفق على تقليل أو إنقاص مستوى الاستهلاك اليومى، ونصائح كثيرة مثل هذه، لكن السلوك الأخلاقى سواء كان مفروضًا أو حرًا يستلزم، في الواقع، دافعًا وجوديًا عميقًا جدًا لكى يكون له فاعلية. فالبشر لن يهجروا بسهولة أسلوب الحياة باللجوء إلى المنطق أو الأخلاق، خصوصًا إذا كانت القوانين الأخلاقية منفصلة عن الإيمان الدينى للإنسان. فخبرة الحربين العالميتين بنتائجهما المدمرة أتت لكى تطفئ تفاؤل أنبياء النهضة والتنوير فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الذين ظنوا أنه بالعقل والمعرفة سيكون القرن العشرون هو فردوس الجنس البشرى. إذن هناك عوامل أخرى ـ أبعد من المنطق أو العقل البشرى ـ تقرر الاتجاه الذي سوف يسير إليه مصير العالم.
إن الكنيسة تحتضن وتهتم بأعماق الوجود الإنسانى ـ الأمر الذي هو أبعد من السلوك الأخلاقى ـ ولذا فهي ضرورية ونافعة للمجتمع البشرى وفي قدرتها أن تبرهن على ذلك. لقد نجح عصر التنوير في أن يدمر كل شئ، ما هو خيال وأسطورى بدعوى المنطق والعقل، لقد أزال عصر التنوير النظرة المقدسة للعالم، ونحن نتفهم الخوف من عبادة الأصنام وكل ما يترتب عليها، الأمر الذي قاد إلى سيطرة المذهب العقلى. لكن هذا التخوف كان له ردود أفعال أبعد مثل الثنائية بين الطبيعة والتاريخ، بين العقل والأسطورة، بين المقدس
والنجس، بين الفن والفلسفة... الخ، هكذا ترك هذا التخوف بصماته في طرق التفكير المعاصر وخصوصًا في الغرب.
الكنيسة يمكنها أن تجد طرق أفضل للرد على هذا التخوف، بالطبع ليس بالتأكيد على الانفصال بين العقل والأسطورة والمقدس
والعالمى. لأن الإيمان بالمسيح يستلزم الوحدة بين السماوي والأرضي، إذ جمع كل شئ في شخصه (أنظر كو16:1).
وبناء على ذلك فإننا عندما نلجأ إلى الحل السلوكى الأخلاقى ـ الأمر الذي يفعله كثير من المسيحيين ـ فإننا سوف لا نفلح بتاتًا سوى أننا نُقوّى الأسباب التي أدت من البداية إلى الأزمة البيئية.
لذا قناعتنا هي أن المناداة بقيّم أخلاقية جديدة لا تنفعنا، ولا هو خطوة جوهرية ناحية الحل الجذرى لهذه المشكلة. أما الطرح العميق لهذه الأزمة من وجهة نظر التعليم المسيحى ـ كما نراها ـ شعاره هو "الإنسان هو كاهن الخليقة". فإننا نعتقد أن حضارتنا تحتاج إلى الإيمان بأن تفوق الإنسان عن باقى الخليقة ليس في العقل أو المنطق بل بالحرى في إمكانية الإنسان أن يصنع شركة مع أخيه الإنسان وكل المخلوقات الأخرى. وأن هذه الشركة تقوده إلى أن يتحرر من الأنانية (التمركز حول الأنا) والانفتاح على كائن آخر أبعد
من ذاته، على الله. هذا يمكن أن يحققه الإنسان عندما يتحول من فرد إلى شخص .
إن مفهوم " كهنوت الإنسان " عليه أن يتحرر من أى مفهوم سلبى ويتطابق مع مفهوم " التقدمة " أى انفتاح البشر على علاقة سماوية " بآخر" في إطار المحبة. وهذا يستلزم وجود اعتماد متبادل وعلاقة بين الإنسان والطبيعة (الخليقة)، ومع اعتبار أن كمال الإنسان لن يكتمل إلاّ في صيرورته رأس يجمع كل الطبيعة. وهكذا الإنسان والطبيعة ليس بينهما صراع أو تضاد لكن علاقة إيجابية. ولا توجد طريقة أخرى لتحقيق هذا إلاّ في العمل الليتورجى الكنسى، إذ أن الطبيعة داخل هذا العمل لها مكان في هذه العلاقة الإيجابية. والإنسان عليه أن يصير كائنًا ليتورجيًا داخل هذه العلاقة، لو أراد أن يجتاز هذه الأزمة البيئية.

لمحة تاريخية
كتب المؤرخ الأمريكى Lynn White
[1] عن الجذور التاريخية للمشكلة البيئية عام 1967 وألقى المسئولية حينئذٍ على الفكر الغربى وآرائه العقلانية. وأيضًا ألقى على الكنيسة وتعاليمها جزءً كبيرًا من المسئولية[2]. وأيًا كانت عدم موافقتنا على ذلك، فلا يمكننا أن نشكك في أن التاريخ لديه شئ ليعلّمنا إياه عن جذور هذه الأزمة المعاصرة. لذلك من الضرورى أن نرجع إلى المراحل الأولى لتاريخ المسيحية ونحاول أن نحدد الأسباب التي قادت البشرية إلى هذه الأزمة حتى أيامنا هذه.
لقد نشأت المسيحية بين حضارتين، الواحدة اليهودية أو الطريقة السامية في التفكير والأخرى هى اليونانية. وعلينا أن نتعرف على طريقة استيعاب المسيحية لهاتين الحضارتين بخصوص علاقة الإنسان بالطبيعة وما هى مكانة الله في هذه العلاقة.
لقد شددت الطريقة اليهودية في التفكير على إعطاء أهمية كبيرة إلى التاريخ (خاصةً تاريخ شعب الله المختار) ونرى الله يُعلن أعماله في مسيرة التاريخ. والطبيعة لعبت دورًا ثانويًا في هذا الإعلان. ومرات كثيرة كان مثل هذا الدور مرفوضًا تمامًا خصوصًا تحت تأثير التخوف من عبادة الأوثان. وهذا التخوف كان سمة من السمات الخاصة لهوية الشعب الإسرائيلى. هذا الاهتمام بالتاريخ عن الطبيعة قاد إلى نمو الكلام النبوى الإعلاني على حساب الكلام عن العالم والكون في الحضارة اليهودية. النظرة النبوية صارت تفحص الحوادث الهامة في تاريخ إسرائيل، وأيضًا الشعوب الأخرى (الأمم) وركزت على النتيجة النهائية لهذه الحوادث بأن الله يعلن عن ذاته في النبوة ويعطى مفهومًا ومعنىً خاصًا لهذه الحوادث، التى للحدث الأخروى كما يوضح ذلك كُتّاب العهد الجديد.
على الجانب الآخر، فإن الحضارة اليونانية أعطت أهمية صغيرة للتاريخ. لقد كانت نظرة الفلاسفة والعلماء اليونانيين إلى التاريخ يشوبها الظن والارتياب، إذ كان التاريخ في نظرهم مجال يتسم بالتغيرات والاضطرابات الدائمة. أما الطبيعة فقد قدمت لليونانيين الاحساس بالأمان، وذلك من حركة النجوم المنتظمة، والتكرار الدائرى للفصول والجمال والتناسق الذي قدم المناخ اللطيف والمتزن للعصر الأتيكى Attik» . لذا كان محور اهتمام الفلاسفة اليونان هو الكوزمولوجيا (الكلام عن العالم . وقد رأوا أن الله حاضر في العالم ومنظم له بقوانينه عن طريق الحركة الدائرية المنتظمة للزمن والإخصاب الطبيعى.
هذا ما يفسر لنا كيف أن أناسًا من الذين شكلوا الفكر اليونانى بتعاليمهم المستنيرة ـ مثل أرسطو ـ لم يتجنبوا عبادة النجوم.
إن أفلاطون الفيلسوف العظيم لم يستطع أن يرى الله الخالق إلاّ فنانًا خلق الكون من مادة أزلية كانت موجودة من قبل
[3].
بالمقارنة بين الحضارة اليهودية واليونانية فيما يخص الخليقة المادية نخلص إلى:
أ ـ إن الموقف اليهودى يبدو أنه يقلل من شأن الاهتمام بالكون الكوزمولوجى، بينما اليونانى يقلل من شأن الملمح الإعلانى النبوى. استطاعت المسيحية أن تستخدم الحضارتين اليهودية واليونانية وانتهت إلى ما يسمى "بالنبوة الكوزمولوجية " أو " الرؤيوية الكونية "، وهذا بالضبط ما فعله يوحنا الإنجيلى في سفر الرؤيا، إذ تجاوز وسَمَا فوق التاريخ ورأى نهايته ليس فقط من جهة إسرائيل، لكن من جهة كل الخليقة، من جهة الكل أى العالم والكون الطبيعى وذلك من الزاوية الأخروية، من عمل الله النهائى في التاريخ. بهذا المفهوم فإن الرؤيوية الكونية هذه تبدو كنموذج جديد يصير بداية جديدة لتناول موضوع علاقة الإنسان بالطبيعة وهذا ما فعلته الكنيسة.
ب ـ بالنسبة للحضارة اليونانية كان للعالم حقيقة واقعة أزلية. فالكون أزلى عند اليونانيين، أما لدى اليهودية فإن العالم والكون عطية من الله يجب أن تعود إلى خالقها. والعالم لكى يحيا ويعيش فلابد أن يحتفظ بعلاقة مستمرة مع الخالق. استطاعت الكنيسة الأولى أن تربط بين مفهوم الطبيعة التي هى أزلية وتحتوى في ذاتها على عِلة وجودها والمفهوم اليهودى الذي يعتبر أن الطبيعة عطية من الله وحقيقة استمراريتها باعتمادها على خالقها. لقد نادت المسيحية الأولى "بإفخارستية العالم"، إذ تعتبر العالم محدد لكن هو مُهيئ أن يحيا وأن يعتمد دائمًا على خالقه. هكذا العالم هو حسن وجميل ويستحوذ على مكانة محورية في وعى الإنسان. لكن لدى الكنيسة فإن جمال العالم وديمومته رهن باعتماده على كل ما هو ليس عالم أو طبيعة أى على الله. هكذا الطلبات الأولى الإفخارستية في صلوات الكنيسة كُتبت وفق التقليد اليهودى الليتورجى وتحتوى على مباركة ثمار الأرض، وتعبر في نفس الوقت عن النظرة اليونانية للكون في التأكيد على أن خلاص الخليقة والطبيعة يستحوذ على مفهوم الإيمان الكنسى.
إن الرؤيوية الكونية والافخارستيا الكونية اللتين نتجتا من التكوين اليونانى واليهودى في نطاق الإيمان المسيحى أعلنتا أن العالم هو " واقع " وحقيقة مُسلّم بها لكن لكى يستمر ويكون له ديمومة عليه أن يصعد دائمًا إلى خالقه الأزلى وغير الفانى. وهنا تأتى مسئولية الإنسان في إصعاد الكون إلى خالقه ولذا عليه أن يصير " كاهن الخليقة " .

التقليد المسيحي الآبائي ورؤيته للخليقة:
+ تحتوى كل الليتورجيات القديمة، خاصةً في الشرق، على تقديس المادة والمكان. ولا توجد في هذه الليتورجيات اتجاهات تدفع الإنسان إلى الانكفاء على الذات، فهدف الليتورجيات هو مشاركة المصلى في حدث الشركة مع أعضاء الجماعة العابدة ومع الإطار المادى لليتورجية. وبجانب الخبز والخمر اللذين هما جزء من العالم المادى تتوجه الليتورجيات القديمة إلى كل أحاسيس الإنسان: إلى الرؤية بالأيقونات والملابس الكهنوتية، إلى السمع بالتسابيح والابصلموديات، إلى الشم برائحة البخور... الخ. كما أن الصلوات والطلبات من أجل الهواء، وثمار الأرض، والمياه، ونهر النيل... الخ. تضع الليتورجية في قلب الخليقة.
+ نرى كل الليتورجيات القديمة تهتم بمصطلح الصعيدة أو الإفخارستيا الذي يؤكد على العمل الكهنوتى للإنسان كنائب عن الخليقة. وهنا نجد أن هذه الليتورجيات لم تنحصر فقط في تقديس الخبز والخمر ليصيرا جسد المسيح ودمه ولكن على تقديم هذه التقدمة إلى الله. ولذا سُميت " صعيدة " وهذا الجانب يظهر عمل الإنسان ككاهن للخليقة. لذا فإن الليتورجية الإفخارستية القديمة تبدأ بطلبة الشكر على الخليقة قبل كل شئ ثم بعد ذلك على فداء يسوع المسيح. وهذا ما يفسر لنا أن الليتورجية الإفخارستية التي انشغل بها كيرلس الأورشليمى في عظاته السرائرية تجعل الشكر من أجل الخليقة هو المحتوى الرئيسى للشكر الإفخارستى، وهذا يدلل على المكانة المحورية لصعود الخليقة إلى الله في الليتورجيا القديمة.
+ بجانب الليتورجية المسيحية نجد أن النسك في الكنيسة الأولى يساعدنا في مواجهة مشكلة البيئة. لكن علينا أن ننظر نظرة صحيحة للنسك، لأن البعض يعتبرونه مرادفًا للعداوة تجاه العالم المادى أو احتقار العالم المادى. فالتقليد يحفظ لنا أقوال شيوخ نُساك وقصص نسكية لآباء بكوا على موت الطيور وآخرين عاشوا مع حيوانات أليفة ومتوحشة (على سبيل المثال: الأنبا برسوم العريان).
هدف الأعمال النسكية فى الكنيسة الأولى هو الحرب ضد الإرادة الفردية والأنانية، فالناسك يسعى لكي لا يجعل ذاته مركزًا للخليقة، ويحارب الميل الذي يوجد داخله نحو السيطرة على العالم الخارجى ونحو استخدامه لإرضاء ذاته. هذه الروح النسكية يحتاجها الإنسان المعاصر حتى تساعده على حل المشكلة البيئية. هذا ليس مجرد تعليم أخلاقي بل خبرة ليتورجية تخلق كيانًا جديدًا يسلك سلوكًا جديدًا لا يحتاج إلى قوانين لكى يتممها.
هناك عناصر أخرى من التقليد مثل استخدام المكان والمادة في البناء المعمارى، استخدام الألوان، النور، الأيقونات، الأصوات والموسيقى... الخ.
علينا أن نحترم هذا التقليد الذي لم ينادِ بعبادة الأوثان ولم يحتقر في نفس الوقت العالم المادى، ويجب علينا أن نتعلم منه.


الإنسان المسيحي: كاهن الخليقة:
ينتمى الإنسان إلى شعب الله بواسطة المعمودية بالماء والروح، ففى المعمودية يموت الإنسان عن حياته العتيقة، ويُولد بالروح فيكون خليقة جديدة لحياة جديدة في الكنيسة. والحياة في الكنيسة هي خدمة الله في الكنيسة
[4]. وأشار بولس الرسول إلى هذه الخدمة قائلاً: " لذلك ونحن قابلون ملكوتًا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى" (عب28:12).
إنها الخدمة الخاصة بكهنوت شعب الله، فنحن ننال نعمة المعمودية لأجل أن نعبد الله. ويخاطب الرسول بطرس المؤمنين قائلاً: " كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارة حيّة بيتًا روحيًا كهنوتًا مقدسًا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط5:2). فالعبادة تخص شعب الله وأيضًا كل عضو من أعضائه. وهذه العبادة يمارسها المؤمنون أثناء الاجتماع الإفخارستي، فالكاهن يقوم بالصلاة الليتورجية ومعه المؤمنون يمارسون ايضًا كهنوتهم الملوكى العام مقدمين تشكرات وطلبات وتسابيح إلى الله رافعين أيادى طاهرة.
وطلبة صلاة "الحميم" المعروفة بصلاة "الطشت" والتى تتم في اليوم السابع لولادة الطفل تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يفعل أمرين
[5] لا تستطيع المخلوقات غير العاقلة أن تفعلها: الأمر الأول هو أن الإنسان قد منحه الله إمكانية تغيير العالم وتجميله وإعطائه هدفًا ومفهومًا ومعنى جديدًا.
والثاني: هو تمجيد وتقديم الشكر إلى الله من أجل كل الخليقة. وهذا هو ما يُتمم في القداس الإلهي أى في سر الإففخارستيا أو سر الشكر. ونحن نشكر الله من أجل العالم الذي هو عطية الله. فبالشكر نتقبل العالم أيقونة وشركة وتقديسًا. ففى كل مرة نلفظ فيها كلمات الشكر ـ كما يقول الأب ألكسندر شميمن: [ نشهد الولادة الثانية للعالم ليصير مجددًا "الفردوس المشتهى" الذي فيه كل خليقة الله تدعونا إلى الدخول في شركة مع الحب الإلهي والحياة الأبدية]
[6]. هكذا فمهمة الإنسان ليست مجرد أن يعيش داخل العالم، قانعًا بالأشياء التى حوله كما هي، لكن أيضًا يستخدم العالم ويطوره ويشكِّله، ولا يكتفى بهذا، بل يرى العالم كعطية من الله، لذا يقدم مرة أخرى هذه العطية الإلهية إلى الله كإفخارستيا. فالخليقة تمجد الله من خلالنا نحن البشر وهذا ما يصليه المؤمنين في تسبحة الهوس الثالث: " باركى الرب أيتها السموات سبحيه وزيديه علوًا إلى الأباد... باركي الرب يا جميع المياه التى فوق السماء سبحيه وزيديه علوًا إلى الأباد.. باركا الرب أيتها الشمس والقمر سبحاه وزيداه علوًا إلى الأباد... باركى الرب يا سائر نجوم السماء سبحيه وزيديه علوًا إلى الأباد..."[7].
إن كل ما هو مخلوق هو بمثابة ظهور إلهي أى ثيؤفانيا
[8]، والمسيحي هو ذلك الإنسان الذي يرى الله في كل شئ، فالمزمور يقول: " السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه".
إذن الكون والبيئة المحيطة وكل شئ هو حامل للإعلان الإلهي، فكلها مقدسة لأن سر وجودها يكمن في الشركة بينها وبين الله، وعلى الإنسان أن يرى الخليقة في هذا الإطار، فالخليقة هي ثيوفانيا والتعامل معها يكون من هذا المنطلق، فهي خليقة الله وتستمد وجودها منه، فهو سر حياتها، والإساءة إليها إنكار لقدسيتها وتجاهل لكونها تحمل ختم الله. ويؤكد القديس أثناسيوس على عمل النعمة الذي يشمل تجديد الخليقة كلها، وليست البشرية فقط قائلاً: [ لأن هذا ما وعد الله به على لسان حزقيال قائلاً: " وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وانزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم وأجعل روحي في داخلكم" (حز26:36ـ27). فمتى كمّل هذا، إلاّ عندما جاء الرب وجدد كل شئ بنعمته؟ كما يقول المرنم في المزمور الثالث بعد المائة " ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض"] (الرسالة إلى سرابيون9:1). حقًا " تشترك الخليقة المادية مع أجسادنا في نوال حرية مجد أولاد الله ويصبح الكون شفافًا للنعمة إذ ستُعتق الخليقة من عبودية الفساد بفعل الروح القدس"
[9].

الإفخارستيا وانعتاق الخليقة من عبودية الفساد:
تُعتق الخليقة من عبودية الفساد أثناء تتميم سر الإفخارستيا حيث تمارس كل الكنيسة عبادتها.
فالخبز والخمر (الخليقة المادية) يتقدسان ويصيران جسد ودم يسوع المسيح: " نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر، إظهر وجهك على هذا الخبز، وعلى هذه الكأس. هذين اللذين وضعناهما على هذه المائدة الكهنوتية التى لك. باركهما. قدسهما. وانقلهما لكي هذا الخبز يصير جسدك المقدس. والمزيج الذي في هذه الكأس يصير دمك الكريم"
[10].
نلاحظ هنا أن الصلاة هي بصيغة الجمع (نسأل، ونطلب...)، وهذا يشير إلى أن المؤمنين المجتمعين يصلون معًا مع الكاهن ويمارسون كهنوتهم الملوكى
[11] ليقدس الله هذه القرابين التى هي نتاج الخليقة المادية. وهنا تُعطى فرصة لهذه الخليقة أن تصير وسيلة لتحقيق شركة الإنسان واتحاده مع الله، لأن الكاهن يستمر في الصلاة قائلاً: " وليكونا (أى الخبز والخمر المقدسين) جميعًا ارتقاءً وشفاءً وخلاصًا لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا". هنا نرى قمة انعتاق هذه الخليقة المادية من عبودية الفساد.
أيضًا يصلى الكاهن أثناء سر الإنجيل في القداس الباسيلي
[12] من أجل أن يبارك الله:
* أهوية السماء وثمرات الأرض * الهواء الصالح وثمار الأرض
* مياه النهر * الزروع والعشب ونبات الحقل
* الأمطارالصالحة وزراعات الأرض * البهائم
* الدواب
يصلى الكاهن كل هذه الطلبات أثناء قراءة الإنجيل المقدس، فالخليقة كلها لها نصيب في بشارة الإنجيل المفرحة. بالإضافة إلى تكرار هذه الصلوات في الأواشى قبل المجمع. وسر احتضان الكنيسة للخليقة المادية ينطلق من المسيح "الكلمة المتجسد"، الذي بتجسده قد تم استعادة الوحدة بين الله والعالم المخلوق، فقد اتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة الناسوتية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. لقد تقدس العنصر المخلوق باتحاده بالخالق، وهكذا أخذ الإنسان دور الوسيط ـ في الإفخارستيا ـ فهو يقدم الخليقة المادية إلى الله كذبيحة شكر. وأيضًا يصلى من أجل كل المخلوقات. فالإنسان المخلوق بحسب "صورة الله ومثاله" يمارس سيادته كملك على العالم الطبيعى وتحكمه وصية الله في سفر التكوين " اعملها واحفظها"، أي عليه أيضًا أن يحافظ على الكون، أى القيام "بالعمل الاعتنائي" بجانب "العمل الإبداعى".
إن صلوات الكنيسة تحدد لنا العلاقة الصحيحة بين الإنسان والبيئة قبل أن تعى البشرية أزمة البيئة، فالبيئة في نظر الكنيسة هي الفردوس الأرضى، وهدف الكنيسة هو تجلى العالم كله ليصير هو نفسه كنيسة، فالكاهن يصلى في أوشية السلام قائلاً: أذكر يارب سلام كنيستك الواحدة، المقدسة، الجامعة، الرسولية"، ويكمل قائلاً: هذه الكائنة من أقاصى المسكونة إلى أقصاها...". هنا المسكونة كلها هي في حالة صيرورة دائمة لتكون كنيسة أى فردوس على الأرض: " إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نُحسب كالقيام في السماء". حقًا الكنيسة تُصيّر الأرض سماءً. فالكنيسة هي المكان الذي يتم فيه تبديل وتجلى العالم إلى فردوس على الأرض، فالسماء والأرض الجديدة تبدأن من داخل الكنيسة وتنتشران انتشار الخميرة في العجين.
هكذا نرى أن العالم والاهتمام بالطبيعة لهما مكانة مركزية في الوعى الكنسى، إذ أن هذا الوضع مرهون بارتفاع العالم أو صعوده المستمر إلى الله. وعلى عكس الإيمان الوثنى الذي يرى أن خلاص العالم ينبع من الإيمان بأزليته وتكاثره أو إخصابه المستمر، فإننا نرى في المسيحية أن العالم هو دائمًا في حالة اعتماد وليس عنده وسيلة خلاص مضمونة سوى أن يوجد في شركة دائمة بالله غير المخلوق. في هذا الإطار فإن مسئولية الإنسان هى عظيمة لكى يحيا العالم، إذ هو أمل الكون في صعوده المستمر إلى الخالق.

[1] Lynn White, The Histοrical Roots of our Ecological Crisis, Wachington 1967.
2 يُُعدد البروفيسور يورغوس ماتزاريدس بعض الأسباب التي جعلت Lynn White وأمثاله يلقون بالمسئولية على التعليم المسيحى لظهور مشكلة البيئة في الآتي:
1 ـ الانفصال الواضح والشديد بين الله والعالم مما جعل الإنسان يفقد الاحساس بحضور الله في العالم.
2 ـ التعليم عن تفوق الإنسان عن بقية المخلوقات مما أعطاه الحرية لكى يتسلط على الكائنات المادية.
3 ـ اعتبار الزمن أنه خطى تصاعدى الأمر الذي خلق في الإنسان نوع من الإصرار على التقدم في مسيرته التاريخية حتى يحقق كل أهدافه بدون أن يراعى سلامة الخليقة (لمزيد من التفاصيل. يورغوس ماتزاريدس، مقدمة في علم الأخلاق، تسالونيكى 1990 باللغة اليونانية).
[3] هناك ثلاثة آراء مختلفة عن موضوع أصل العالم. الرأى الأول يُنسب إلى هيراقليطس Hraklšitj في (ApÒspasma 3 Diels I, 157-158) ويرفض خلق العالم بواسطة الوهية ما ويعتبره أزلى. الرأى الثانى يُنسب إلى أفلاطون (NÒmoi I, 886 a 2-5) وينادى بأن علِة العالم هى خارج هذا الكون وفي نفس الوقت يؤله الطبيعة. الرأى الثالث يُنسب إلى ارسطو (per… filosof…aj 12 a, Fragmenta Solecta ed. D. Ross, Oxonii 1964, p.80) يقبل بأن علة العالم ترجع إلى بداية إلهية لإله خالق.
[4] انظر الأب نيقولا أفاناسييف: كنيسة الروح القدس، تعريب جورج أسبر، منشورات النور 1986، ص64.
[5] انظر جورج عوض إبراهيم: إنسان جديدة وخليقة جديدة، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، يوليو 2001، العدد الثامن، ص60.
[6] الأب ألكسندر شميمن: الإفخارستيا سر الملكوت، تعريب سامر عبود، منشورات النور 1993، ص267.
[7] الإبصلمودية السنوية، لجنة التحرير والنشر بمطرانية بنى سويف، الطبعة الثالثة 1991، ص 47 ـ 55.
[8] راجع جورج عوض إبراهيم: اللاهوت والبيئة، دورية دراسات آبائية ولاهوتية، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، يوليو 1999، العدد الرابع، ص49 ـ 50.
[9] د. نصحي عبد الشهيد، التجلى ومجيئ الملكوت، الكتاب الشهرى للشباب والخدام، إصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة، أغسطس 1997، ص8.
[10] الخولاجي المقدس، لجنة التحرير والنشر بمطرانية بنى سويف والبهنسا، الطبعة الثالثة 1993، أوشية التقدمة، القداس الباسيلي، ص 224 ـ 225.
[11] يظل الكاهن المشرطن والمُقام بواسطة الكنيسة هو الوحيد الذي يمارس صلاة القداس عن الشعب الذي يشترك معه في أداء الصلوات ويمارس كهنوته الملوكى من موقعه.
[12] المرجع السابق، ص 260 ـ 261.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق