الثلاثاء، 4 يونيو 2013

ماذا نحن فاعلون ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


ماذا نحن فاعلون أمام الحالة الراهنة ؟


( مقال قديم ومازال فعال لم يفقد صلاحيته )                                      د. جورج عوض

توجد ثلاثة اجابات :

1- إجابة شائعة فى الحياة اليومية.

2- إجابة تدينية .

3- إجابة مسيحية كنسية .

الإجابة الاولى الشائعة عند الانسان اليومى هى الإرتضاء والإستسلام للأمر الواقع . فالحالة الراهنة وفق هذة الاجابة لا يمكن تقويمها او مواجهتها ، إذ تتبنى هذة الاجابة عبارات مثل : هكذا كان ، هكذا يكون وسيكون ، الانسان لن يغير شيئاً ...... والامر الوحيد الذى نفعلة هو أن نتكيف مع كل شىء بأن نُجّمِل ونستعذب المرض والموت ونتحمل الاستغلال بشتى المجالات سواء مالية واجتماعية وسياسية. هذا الموقف الذى تتبناه هذة الاجابة هو في رأينا غير مقبول.

نفس الامر مع الاجابة الثانية التدينية والتى تتبنى تغييب الانسان ليصل لمرحلة عدم الاحساس تجاه المعاناه ، إنطلاقاَ من الرضى التام بمبدأ ان الطبيعة البشرية غير قابلة للشفاء والانظمة الاجتماعية والسياسية  هى فاسدة وغير قابلة للأصلاح . الانسان المتدين   تدين غير اصيل يطلب ملجأة من التاريخ ، يتحصن بتعاطية الافيون الدينى او الميتافيزيقى لكي ينسى ألمه ويظل فى حالة غيبوبة تامة لا ينفعل ولا يشعر بمعاناة اخيه فى الانسانية وجاهل تماما لمآسى التاريخ حتى يبقى هذا التاريخ الماضيوى فردوس يلجأ اليه دائماً.

أما الاجابة الثالثة المسيحية والكنسية تختلف جذريا عن الاجابتين السابقتين . فالكنيسة بايمانها المستقيم ترفض الرضى بالامر الواقع وترفض التعاطى مع التدين كتغييب عن الواقع . الكنيسة ليس لديها هدف أن تسود على عالم الفساد بل أن تُغيره وتقوده إلى عدم الفساد. ليس مهمتها هو صيانة وحفظ العالم كما هو عليه بل مهمتها هي تجديده. الكنيسة هي المكان الذي فيه يتجدد كل العالم بنعمة الروح القدس. فالكنيسة هي العالم الجديد، الخليقة الجديدة والمجتمع الجديد.

إن الكنيسة لا تخلص العالم فارضة عليه مبادئها ، بل تأخذه إلى الخليقة الجديدة. إن دورها ليس تجريدي وترميمي بل تغييري وتجديدي . إنها لا تقدم نظام سياسي خاص بها ولا تعليم إجتماعي تتبناه ولا تنحاز لنظام أخلاقي معين بل تقدم الإنسان الجديد ، تقدم المسيح والمحبة التي أعلنها بمجيئه إلى العالم لكي يجد كل واحد ذاته وحياته الحقيقية. روح وفكر الكنيسة وحياة أعضائها الروحية هي قوة يمكن أن تغير العالم كله .

فالانسان المسيحى ينبغى علية أن يقاوم الشر لأن العالم يمكن أن يتغير وينبغى ان يتغير ، أن يمر من حالة العدم الى حالة الوجود الحسن ، من حالة الفوضى الى الخليقة الجديدة . هذا يعنى ان الانسان المسيحى يتغير ويتجدد داخلياً وجوهرياً ثم يغير الانسانية المحيطه به ، يحول الظروف وينير الاذهان والضمائر ويشارك اخوته فى الانسانية فى آلامهم ومشاكلهم وقلائقهم مترفقاً بضحايا التاريخ مجاهداً معهم ليستردوا حقوقهم وحريتهم وسلامهم وحياتهم . لكن كيف يحقق الانسان المسيحى هذا الامر؟ تطرح علينا الكنيسة حلا : تُظهِر لنا الكنيسة حياة شخص تاريخى معين ، شخص المسيح . المسيح الذى تألم اكثر من أي أحد منا فى كل حياته : وُلِدَ فى ظروف بائسة ، عاش حياة متواضعة جدا ، مات بأسوء طريقة ، أُسىء فهمه من اقرب الناس اليه ، عانى الامرين من السلطة الدينية اليهودية والسلطة السياسية الرومانية ، إلتف حولة كل المهمشين والمنبوذين فى مجتمعه : الزناة والعشارين ومات على الصليب مع لصوص ، لكن فى النهاية قام من بين الاموات وانتصر على الموت بالموت .

ماذا يعنى كل هذا ؟؟؟

هذا يعنى ان الانسان ليس بعد بمفردة فى آلامه بل له رفيق : الانسان الاله المتألم . وبفضل المسيح ليس لدى الانسان واحد فقد بل رفقاء كثيرين هم الكنيسة التى هى جماعة المتألمين والشهداء والقديسيين والمعترفين والنساك . والسؤال الذى يفرض نفسه ايضا هو متى ينتصر الانسان المسيحى على الشر انتصاراً نهائياَ ؟؟؟؟ هذا الانتصار النهائى سيتم فى نهاية التاريخ بمجىء المسيح الثانى ، لذلك آخر عبارة فى سفر الرؤيا هى : " تعال ايها الرب يسوع " وهى صرخة رجاء وليست صرخة يأس .المسيح فى مجيئه الثانى سوف يأتى لكى يدين ويخلص خلاصا نهائيا ، لن يخلص ان لم يدين ، ويدين فقط لكى يخلص . سيدين ليس لمجرد ان ينتقم ولكن لكى يُنصف ضحايا التاريخ ، هكذا لن يفوز الجلاد بضحيته . الانسان المسيحى يعرف جيدا انه سيموت مثل كل اخوته فى الانسانية ، لكنه يعرف ايضا انه فى النهاية سيحيا البار والذى غالبا يكون ضحية من ضحايا التاريخ . المسيحى يدرك جيدا مسألة سيطرة الشر فى العالم وان الشر يبدو انه يكسب كل المعارك ، الا انه سوف يخسر المعركة الاخيرة ، فالنصرة للحياة على الموت . الايمان المسيحى هو تاريخي اى ايمان يجتاز الواقع ويتخطاة أٌخرويا ، فهو يفسر الحاضر تحت نور المستقبل الآتى . هذا التخطى للتاريخ لا يعنى رفض الواقع أو إلغاءة بل تجلى الواقع وتغيرة وتجديدة . هذة هى رسالة المسيحية التى لا تلجأ للماضى لتتحصن به ولا لديها تشريعات لتفاصيل الحياة اليومية تطبقها بطريقة حرفية وعمياء لكن هى رسالة تجديدية للحياة والتاريخ ، رسالة ابداعية وخلاقة . غير ذلك تظل هذة الرسالة مجرد أحد مقتنيات الآثار.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق