الثلاثاء، 14 مايو 2013

لمحات من حياة القديس أثناسيوس الرسولي


لمحات من حياة القديس أثناسيوس

د. جورج عوض


وُلِد القديس أثناسيوس بصعيد مصر، حوالي 295م ولا نعرف إسمي والديه، إنما كان مسيحيين، تقيين، قد عاشا في الصعيد ثم رحلا إلى الإسكندرية. دَرَسَ أثناسيوس في الإسكندرية الفلسفة واللاهوت في مدرستها المشهورة.

ويروي لنا روفينوس تقليداً جاء فيه أثناسيوس جذب انتباه البابا ألكسندروس، وهو صبي يلعب على الشاطئ مع الصبيان ويمارس المعمودية بوقار. بعد ذلك دعاه البابا ليكون تلميذ له عام 312م وأقامه قارئاً، في عام 318 رسمه شماساً وعيّنه سكرتيراً له. وقد صحب الشماس أثناسيوس البابا ألكسندروس إلى المجمع المسكوني الأول بنيقية عام 325م، وقد لفت أنظار الجميع بغيرته وقدرته على مقاومة الأريوسية. تنيح البابا ألكسندروس عام 328م فانتخب الكهنة والشعب أثناسيوس ـ رغم معارضة الأريوسيين ـ ليجلس على كرسي الإسكندرية وكان عمرة وقتذاك 33 سنة.

لقد سام الأب فرمنيتوس كأول أسقف على أثيوبيا باسم ”أبّا سلامة الأول“ وذلك عام 330م، لقد دامت رئاسته 46 عاماً، قضى منها أكثر من 17 عاماً في النفي بسبب مقاومته العنيفة لانتشار الأريوسية التي كان يساندها بعض الأباطرة، ويرى المؤرخ سقراط ”بأن فصاحة أثناسيوس في المجمع النيقاوي هي التي جلبت عليه كل البلايا التي صادفها في حياته“ [1].

وقد نُفي ق. أثناسيوس خمس مرات:

1ـ الأولى إلى مدينة تريف Ttéve بفرنسا بعد إدانته في مجمع نقية 335م واستمر هذا النفي لمدة سنتين.

2ـ الثانية إلى روما بعد انعقاد مجمع في أنطاكية ضده 339م ولكنه استطاع أن يعود بعد 7سنوات نفي، كان فيها على كرسي الأسقفية البابا غريغوريوس الكبادوكي.

3ـ الثالثة هرب فيها إلى الصحراء بعد إدانته في مجمع ميديولانون عام 256م وبقي في النفي لمدة 6سنوات.

4ـ الرابعة هرب إلي طيبة حيث عاش وسط الرهبان هناك لمدة سنة 362-363م.

5ـ الخامسة هرب إلى براري مصر ولمدة  4 سنوات

وقد عاد البابا من النفي الأخير من عمره في سلام، وفي مايو 373م رقد في الرب عن عمر يناهز 77 عاماً.

ومن الجدير بالملاحظة أن نذكر أن في مجامع صور وأنطاكية وميديولانون أتهم البابا أثناسيوس بأنه :

ـ كان سبباً في قتل الأسقف أرسانيوس ـ أحد الأساقفة التابعين لمليتوس أسقف أسيوط.

ـ رفض قبول أريوس في شركة مرة ثانية.

ـ هدد بمنع شحن القمح من الإسكندرية إلى القسطنطينية.

ـ إعاقة خطط الأباطرة الأريوسيين في نشر الأريوسية.

وقد كان الرجوع إلي كرسيه يتم إما بمجمع من الأساقفة الأرثوذكس وإما بضغط الشعب في الإسكندرية وثورته على الإمبراطور.

إن الكنيسة تتذكر دائماً جهاده الإيماني على الدوام وبالذات يوم 7بشنس (15مايو) من كل عام.

العوامل التي أثرت على شخصية القديس أثناسيوس:


1ـ عاش في فترة الاضطهاد العنيف (303 - 311م ) حيث كان في الثامنة من عمره حتى السادسة عشر، وقد تعرف علي كثير من شهداء الإسكندرية ومعترفيها وصار قلبه ملتهبا بالحب الإلهي مثلهم ومستعد أن يواجه بسببه كل صراع ؛ وآمن بأنه طالما يعمل عمل المسيح فالنصر حليفة . وهذا ما يفسر لنا عدم يأسه قط حتى في اظلم ساعات الصراع ؛ وما اعظم ذلك المثل الذي قيل عنه ( كل العالم ضد أثناسيوس وأثناسيوس ضد العالم).

2ـ صداقته الحميمة والتصاقه الشديد بمعلمة القديس انطونيوس  وآخرين خلال حياته ؛ كان لها أثرها العميق في المفاهيم اللاهوتيبه له. فاللاهوت بالنسبة للقديس أثناسيوس ليس حقا مجردا إنما هو الحق الذي له أثره في الحياة اليومية. ولذا لم يكن القديس أثناسيوس لاهوتي وعقيدي بالمعني النظري فقط؛ وإنما كان اهتمامه رعويا غايته هي خلاص النفوس. لذا يقول: (( لم يكن إنسانا صار إلها بل الله صار إنسانا ليؤلهنا)) أي لكي نحمل عملة فينا. لقد قدم أثناسيوس نموذجا رائعا للعلاقة الوثيقة بين العقيدة الكنسية والتقوى؛ إذ يقول (( الإيمان والتقوى حليفان وشقيقان؛ مَنْ يؤمن بالله فهو تقي ومَنْ يسلك في التقوى يؤمن بالأحرى)) (الرسالة الفصيحة 11:9). أيضا لقد دبرت له العناية الإلهية هذه العلاقة الوثيقة مع القديس انطونيوس؛ وهذه الفرصة للخلوة وذلك حتى لا يشعر في نفيه المتكرر بالغربة بل بالحري يحسبها فرصة حسنة ليمارس فيها الصلاة من اجل شعبة والكتابة إليهم.

3ـ تعلن كتاباته عن ذكائه ونقاء شخصيته ؛ إذ نادي بان سبب الهرطقات هو الاعتماد علي العقل دون الايمان؛ لهذا اعطي الأولوية للإيمان فوق العقل.

4ـ في صراعه ضد الهراطقة كان هدفه واضحا وكان قلبه مملوءا حبا شديدا؛ توقا نحو وحدة الكنيسة؛ فهو لم يصارع من اجل تعبيرات أو كلمات إنما كان يطلب أن يجذب الهراطقة إلي حياه التقوى القائمة علي الحق الإنجيلي    



[1] جزء 8:2 تاريخ الكنيسة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق