الجمعة، 25 مارس 2011



البشر هم ذئاب أم نِعاج
د جورج عوض ابراهيم
على هامش الثورات التى تندلع فى العالم العربى على الزعماء الطغاة ونجاح ثورة 25 يناير فى اقصاء الرئيس السابق حسنى مبارك من منصبة ومحاكمة اذيال النظام الفاسدون ، والموقف فى ليبيا وغرابة الديكتاتور معمر القذافى الذى لم يتردد فى ابادة شعبة فى سبيل التمسك بمنصبة وزعامتة ليس على ليبيا فقط بل على كل افريقيا وكل العرب ، نتناول مسألة طبيعة الانسان هل هى صالحة بطبعها ام شريرة
. يوجد كثيرون يؤمنون بأن البشر هم نِعاج . آخرون أيضا يؤمنون بأن البشر هم ذئاب . وأصحاب وجهتى النظر يمكنهم ان يستعرضون مبررات تدعم موقفهم ، كما طرحها ايريك فروم فى كتابة " قلب الانسان" . أولئك الذين يفضلون ان البشر هم نِعاج ، يتذرعون بأن البشر يتأثرون بسهولةٍ حتى انهم يصنعون - بلا تردد - ما يُملى عليهم، حتى لو كان هذا الامر هو ضار لذواتهم. أنهم يتبعون قادتهم فى حروب لا يجنون منها شيئاً، ويخضعون لهم عن طريق تهديدات مزعجة صادرة من نظامه أو أصوات تحريضية مستترة أوظاهرة. يبدو- طبقاً لهذة الرؤية- ان الاغلبية من البشر هم انصاف نائمون مثل أطفال يقبلون بسهولة التأثير عليهم، حقا هم مهيئون لتسليم ارادتهم للذين يتحدثون اليهم بنبرة تهديدية او ناعمة. لقد اسس الديكتاتوريون أنظمتهم على هذة النظرية اى بأن الناس هم نِعاج. وبما أن البشر نِعاج هم محتاجون الى قادة يأخذون نيابةً عنهم القرارات ، ويظن هؤلاء القادة انهم يؤدون واجبهم الاخلاقى حين يضحون بأنفسهم ويصيرون زعماء لشعوبهم ليحملوا عنهم ثقل المسئولية ، لكننا نتسائل، لو ان اغلبية البشر هم نِعاج لماذا حياة الانسان هى مختلفة عن حياة النِعاج؟ تاريخ الانسان هو مكتوب بالدم. تاريخ من القهر الدائم فيه تُستخدم القوة لقمع ارادته ، على سبيل المثال طلعت باصاص التركى اباد ملايين من الارمن وهتلر اباد ملايين من اليهود وستالين اباد ملايين من خصومة ، وصدام حسين كان يستخدم نفس الاسلوب والقذافى الان ينتهج نفس اسلوب الابادة واستخدام القمع. هؤلاء الرجال لم يكونوا بمفردهم بل كان لديهم آلاف البشر الذين نفذوا عمليات قتل لحسابهم وعذبوا لحسابهم ولم يفعلوا هذا فقط بإرادتهم بل بفرحِ. هل لم يتحققوا من وحشية هؤلاء القادة ونزعتهم غير الانسانية، من حروبهم غير الرحيمة ، من استغلال الاقوى للأضعف ، كذلك من آلام وتأوهات المعذب ، المخلوق الذى يتألم، هل وصلوا لمرحلة أن يكون لهم آذان لا تسمع وقلوب حجرية قاسية؟ كل هذة الامور قادت اصحاب الرؤية الثانية بأن ينادوا بأن البشر هم ذئاب ، قادت كثيرين منا اليوم لمسألة ان الانسان هو سيىء الخلق ومن طبيعتة مدمر وقاتل.
لكن المبررات لوجهتى النظرجعلتنا فى ارتباك . صحيح عرفنا هناك سادييون عديمى الشفقة مثل ستالين وهتلر . لكن هؤلاء هم استثناء وليس قاعدة .هل نفترض انكم وانا واغلبية الناس أننا ذئاب يتخفون فى ثياب نِعاج وان طبيعتنا الحقيقية سوف تظهر للتو عندما نتخلص من تلك التحريمات والنواهى التى حتى الآن لا تسمح لنا ان نتصرف كالحيوانات ؟ من الصعب رفض هذة الفرضية لكن ليست مقنعة تماما . توجد فى الحياة اليومية فرص كثيرة لا تُحصى فيها يستطيع الناس ان يتصرفوا بفظاعة وسادية بدون خوف ان يلحقهم عقاب. لكن كثيرون لا يفعلون . فى الواقع، كثيرون يكون لهم رد فعل بغيض امام أفعال القهر والسادية.
ربما علينا ان نفترض انه يوجد أقلية ذئاب تعيش مع أغلبية نِعاج؟ الذئاب تريد ان تقتل وتغتال وتخنق والنِعاج تمتثل صاغرة ليس لأنها تستمتع بهذا بل لأنها تريد ان تكون تابعة. والقتلة مُلزمون ان يخترعوا قصص مختلفة يستعرضون فيها هدف نبيل ، فيتحدثون عن الدفاع ضد أولئك الذين يهددون الحرية ، يطلبون الإنتقام من اجل الأطفال التى تُنتهك برائتهم والنساء المغتصبات وانتهاك الكرامة البشرية بهدف ان يجعلوا الأغلبية من النعاج يتصرفون كالذئاب.
هذا الطرح يبدو انه صحيحا ، الا انه يترك كثير من الشكوك. لم يفسر لنا، كيف انه يوجد جنسين من البشر – جنس الذئاب وجنس النَعاج؟ أيضا ، كيف من الممكن ان يقتنع ويتصرف النِعاج مثل الذئاب كمنفذين للاوامر؟ هل الذئاب اذن يمثلون النوعية الأساسية للطبيعة البشرية؟ او هل التمييز بين الذئاب والنَعاج هو تمييز خاطىء؟ ربما لا يوجد لا ذئب ولا نعجة؟
الإجابة على هذة التساؤلات لها اهمية اساسية اليوم لأنه لو ترسخ فى داخلنا القناعة بأن الجنس البشرى يميل، من طبيعته، الى الدمار وأن الحاجة الى استخدام العنف متجذر فى داخله عندئذِ مقاومتنا للذين يتمادون فى ارتكاب الاعمال الوحشية سوف تضعف. لأننا كيف نقاوم الذئاب طالما كلنا ذئاب؟
السؤال المطروح : هل الانسان هو ذئب ام حَمَل ليس هو إلا فرضية عامة للمشكلة التى كانت واحدة من المشاكل اللاهوتية والفلسفية فى الغرب المسيحى حيث كان السؤال : هل الانسان اساساً شرير وفاسد او هو اساساً صالح ويميل تجاة الكمال ؟ الطرح المسيحى الارثوذوكسى ينادى بأن الانسان مخلوق بحسب صورة الله ومثالة ، وبناء على ذلك فإن الانسان صالح بطبيعتة فية كل الصفات والخواص الصالحة والامكانيات الكثيرة التى اودعها الله فى طبيعة الانسان وكان على الانسان ان يُفعّلها لكنه اخفق وابتعد عن مصدر الحياة ومصدر النعمة الالهية التى كانت بإمكانها ان تساعد الانسان على تفعيل امكانياتة ليصل غلى مثال الله ولكن بدرجة نسبية ، حدث اذن الانحراف عن الهدف وهذا ما يُسمى فى اللغة الكنسية السقوط ، فأصاب المرض العضال الطبيعة البشرية من فساد وموت ، الا ان التعليم الارثوذوكسى يشدد على ان الانسان حتى بعد السقوط مازال هو مخلوق بحسب صورة الله ومثالة لكن تشوهت هذة الصورة داخل الانسان بحسب تعبير القديس اثناسيوس . هذة الجزئية هامة جدا لان كل انسان على وجه الارض فية بقايا الصورة الجميلة ونستطيع ان نلتقى معة بأى طريقة ، اما مسألة هل هو ذئب ام حَمَل؟ فالاجابة تتوقف على موقف الانسان من بقايا الصورة داخلة، مع العلم انه لو تعامل مع هذة البقايا لن يصل الى الحالة الاولى التى كان عليها ولن يصل الى حالة الشركة الثابتة مع الله الا انة سيكون على ابواب التعامل مع النور والتعاطى معة ونقول قبس من النور. أما الطرح المسيحى فهو يضمن اعادة الانسان الى رتبتة الاولى وكذلك حالة الشركة الثابتة غير المتذبذبة مع الله والنمو فيها بفضل يسوع المسيح الذى اخذ على عاتقة شفاء الطبيعة البشرية شفاءً جذريا، وما كان للتوبة ان تنجز هذا العمل .
بالتالى الايمان بشخص المسيح بكونة المساوى للآب فى الجوهر وتجسدة ليشفى البشرية يكفى للدخول الى البلاط الملكى والتمتع بكنوز النعمة التى تنسكب من شفتى المخلص. ويصبح سؤال الذئب او الحمل سؤالاً مضحكاً لأن من هم داخل البلاط الملكى هم اولاد ملوك وحملان لديها مقدرة على تحويل الذئاب الى حملان. فالانسان لدية اليوم ان يختار اى طريق يسلك فية هل طريق الصلاح ام الشر وطريق الصلاح لة مرحلتين مرحلة الوقوف على الابواب بالتعامل فقط مع بقايا صورة الله التى خُلق عليها ثم المرحلة الثانية التى هى الاعمق وهى الايمان بشخص الرب يسوع الذى هو طبيب نفوسنا وارواحنا. وينبغى علينا دفع البشر الى المرحلة الاولى على الاقل لنتعامل معهم فهم ، على اى حال، مرشحون ليكونوا من ضمن رواد البلاط الملكى الذى هو ملكوت الله ، الكنيسة.

هناك تعليق واحد: